هوشنك
أوسي
اعتلت
أحداهم المسرح، وقالت: أسأغنّي لكم أغنية "زهرة المدائن" لفيروز. وحين
انتهت، خاطبها الجمهور: اللحن، ليس لحن أغنيّة فيروز؟. فأجابت؛ منذ ثلاثين سنة،
ونحن نسمع هذا اللحن، فارتأيت تغييره بلحن آخر، ألّفته!. فسألوها: والكلمات أيضاً،
ليست كلمات الاغنيّة، التي كتبها محمود درويش؟!. فأجابتهم: منذ ثلاثين سنة، ونحن
نسمع هذه الأغنيّة، بهذه الكلمات، فقلت؛ لأغيّرها، واستبدلها بكلمات أخرى، هي
ليّ!. فسألوها: طيب، والحال هذه، ماذا تبقّى من اغنيّة "زهرة المدائن"
لفيروز؟. أجابت: لا شيء سوى العنوان!. فسألوها: ولماذا لم تغيّري العنوان أيضاً؟!.
فأجابتهم، بابتسامة ساخرة: وكيف لي أن أجبركم على الإتيان والاستماع لي، ما لم
آتكم بخدعة انكم ستستمعون لأغنية فيروز؟!!. فيجب ان أبقي على شيء، ولو وهمي، يربط
اغنتي بأغنية فيروز!.
فصفّقوا
لها، ليس على أغنيتها!، ولا على لحنها!، ولا على كلماتها وأدائها…!، ولا على
ذكائها الحادّ!، بل تعبيراً عن عجزهم الداخلي عن الرفض، لكونهم لم يخرجوا من
القاعة، حين وجدوا ان اللحن ليس هو اللحن، ولا الكلمات هي الكلمات، ولا الأداء هو
الأداء…، الفيروزي المعهود!. صفقوا لها، ليس إعجاباً بخبثها ولؤمها ودهائها، بل
كي يعززوا لديها وهم أنها فنّانة ومبدعة!. صفقّوا لها، ليورّطوها أكثر وأكثر وأكثر
في آفاتها وأمراضها وأوهامها وخرافاتها وإفسادها للذائقة العقليّة والروحيّة!.
ينسحب ذلك على السياسة أيضاً، وعلى أمور أخرى، حين يسعى البعض الى المديح
والتصفيق، إمّا عن جهل، أو عن عمد وادراك بوجود الجهل، وتوكيداً وتعزيزاً له،
واستفادةً منه!.
التاريخ…!.
آه وألف آه منه!. معلّم وداهية وخبيث وموارب… وصندوق قنادر، ومتحف للكلام والالقاب
والنياشين، ومحفل للحقائق والأوهام والخرافات والأباطيل!. وتاريخنا السياسي
الكردي، متخم بقصص وسرديات المواجع والآلام، هي أكثر فضحاً وهتكاً وفتكاً للعقول
والأرواح!. ذلك انه أن اتيت ببيان المؤتمر العاشر لأحد الأحزاب، وقارنته ببيان
مؤتمره الخامس، ستجده نسختين، تكاد تكونان طبق الأصل، لجهة الحديث عن استثنائيّة
المؤتمر، وتاريخيّة القرارات المتّخذة، وجديّة النقد والنقد الذاتي الذي مورس فيه،
والمزيد من هذا الكلام المعتاد!.
دائماً،
مؤتمرات احزابنا، استثنائيّة وتاريخيّة، والظروف التي تنعقد فيها، استثنائيّة
وتاريخيّة، والقررات المتخذة فيها، هي أيضاً تاريخيّة واستثنائيّة!. دائماً…
دائماً… دائماً!. والحال هذه، لماذا تتكرر كل هذه الأخطاء، على مدى السنوات التي تفصل مؤتمر الحزب عن الذي
سبقه!؟. ولماذا تتكرر الاخطاء في المرحلة التي تلي هذا المؤتمر، لكأنّ القرارات لم
تكن استثنائيّة، والنقد والنقد الذاتي، ما كان بذلك المقدار الحقيقي والصميمي من
الجدّيّة والحزم!؟.
هكذا،
تدور مؤتمرات الاحزاب الكرديّة وكونفراساتها، حول نفسها، حول نفس الكلام، وتعيد
اتخاذ نفس القرارات التاريخيّة والاستثنائيّة، وتنتقد نفس الاخطاء، وتدعو الى
تحقيق الوحدة وترتيب البيت الكردي، وتقبّل الآخر، والانفتاح والديمقراطيّة
والشفافيّة…، وتالياً، من يصف هذه المؤتمرات بالتاريخيّة، فما ظلمها، لكونها
تكرر نفسها، على مدى سنوات. وإذا وصفها بالاستثنائيّة، والمختلفة عن سابقاتها، فقد
ظلمها وظلم نفسه، وظلم الحاضرين في المؤتمر، بشدّة!. إذ من أين تأتيه
الاستثنائيّة، وسط هذا التكرار للمواقف والقرارات والتوصيات والانتقادات والاشخاص
والشعارات…!؟.
نحن
نعشق المؤامرة. نكررها في صحونا ومنامنا. نعتبرها لصيقة لنا، تتربّص بنا،
تترصّدنا، لتدفعنا الى الهزائم والانتكاسات والاحباطات. لا نريد ان تفارقنا
المؤامرة. المؤامرة، عدوّتنا، ونديمتنا، وظلّنا. لا نحب ان نتحرر منها. لذا،
نكررها في مؤتمراتنا وكونفراساتنا وبياناتنا واغنياتنا، وأحاديثنا الجانبيّة. ومن
ينكر وجود المؤامرة، متآمر ومتواطئ ومدسوس!. ومن يعترف بوجود المؤامرة، ويطالب
بالتخفيف من الكلام عنها، وعدم إلحالة كل التحوّلات والمتغيّرات الى المؤامرة، هو
ايضاً متآمر ومتواطئ ومدسوس!. من يحاول التشكيك في المؤامرة، مشكوك في أمره،
ومتآمر!. ويجب التهجّم عليه، ومحاصره، وتصغيره، والطعن في شخصه، وفكرته، ورأيه،
على أنه متأثّر بالاعلام المغرض المتآمر. هكذا، يتم القضاء المبرم والقاسي والفظّ
والوقح، على بصيص رأي مختلف، يسعى للتلميح بالقول: ألاّ يا ايّها السادة؛ هنالك
مؤامرة. ولكن، لا توغلوا وتسرفوا وتكثروا من الحديث عنها، وتحيلوا كل ما يجري من
حولكم الى كونه نتاج المؤامرة، لئلا تتهمون بالمهووسين بالمؤامرة، والذين لا يمكن
لهم العيش الاّ مع ذهنيّة المؤامرة!. هكذا، تنعقد المؤتمرات، لفضح المؤامرة
والحديث عنها، وتبرير كل سلوكيات المؤتمرين الشاذّة والمنحرفة، على أنها ضدّ
المؤامرة!. هكذا، تغدو الكومبلو_فوبيا لسان حال المؤتمرات والكونفراسات الحزبيّة،
حيث يبدع ويتحف الحزبيون في فنّ الكشف عن عدائهم الضاري والايديولوجي والتاريخي
للمؤامرة!.
سئل
أبو العلاء المعرّي: شِعرُكَ أم القرآن؟. أجابهم: طبعاً شعري. فاندهش السائل،
وقال: حاشا لله!. ماذا تقول؟. فردّ عليه شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء: لو كررتم
قراءة شعري على منابر الجوامع والمساجد، لأكثر من الف عام، لأصبح أقوى وأكثر
شيوعاً من القرأن!.
المقصد
من إيراد الحادثة، هو التكرار والإكثار من الكلام عن موضوع معيّن، ومدى تأثير ذلك
على الترسيخ في الذهن والسلوك، ولو بنسب متفاوتة. ولكن، في حالنا الكرديّة، البعض يكرر،
منذ عقد ونيّف، الحديث عن الحضارة الديمقراطيّة والحل الديمقراطي، والوعي
الديمقراطي، والذهنيّة الديمقراطيّة، والأمّة الديمقراطيّة، والجمهوريّة
الديمقراطيّة… والهواء الديمقراطي، والماء الديمقراطي، والطعام الديمقراطي والصحون
والأكواب والمعالق الديمقراطيّة…، بشكل غزير ومديد، وأنهم طلائع وروّاد وقادة
هذا المسلك والمنهج…، ولكن، الواقع العملي، يشي بما يخالف ذلك تماماً!. ولا حاجة
هنا لإبراز الأدّلة والقرائن، لأنها أكثر غزائرة وقوّة من كل ذلك الكلام عن
الديمقراطيّة على مدى تلك السنوات. في حين ان تكرار الكلام عن الديمقراطيّة، لأكثر
من عقدٍ ونيّف، كان يفترض به، ان يزحزح، ولو قليلاً، طبقة الدوغما العقيديّة
المتراكمة في عقول وأذهان هؤلاء الناس!. وهنا، يحضرني قول عليّ ابن ابي طالب: "الناس
عدوّة ما تجهل"، كمنطلق لفهم حالة العداء الفظيع التي يبديها البعض لما
يجهلونه من حقائقهم هي بالنسبة اليهم من صنيع الاعداء والمؤامرة والمتآمرين عليهم.
1/3/2012
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






