السلامُ الاستسلامُ
ليس التاريخ قصصاً للأولين جمعت في كتاب يُقرأ للهو والأنس وإمضاء الوقت، وليس هو مجلداً يوضع على أرفف المكتبات للزينة والديكور، بل هو مدرسة للاتعاظ والاعتبار وتعلم الدروس في كل مجالات الحياة وخاصة السياسية منها، ومن الدروس التي يعلمنا التاريخ إياها أن الحروب عادة تنتهي بشكلين: الأول هو انتصار طرف على آخر وفرض إرادته عليه وهو الشكل الغالب، كانتصار الاسكندر المكدوني على الفرس في القرن الرابع قبل الميلاد في معركة قرب أربيل ومحو امبراطوريتهم وفرار ملكهم دارا الثالث من المعركة ومن ثم تعرضه للقتل بيد أعوانه في باكتريا، وكانتصار الحلفاء على دول المحور عشية الحرب العالمية الثانية ولجوء هتلر إلى الانتحار ووقوع المانيا تحت الاحتلال. أما الشكل الثاني فهو جلوس الطرفين المتصارعين إلى طاولة المفاوضات للاتفاق على صيغة سلام ترضي الطرفين وهو الشكل السائد فيما إذا طال أمد الحرب ولاح في أفقها داء الإزمان ومبدأ اللاغالب واللا مغلوب كما حصل بين العراق وإيران في حرب الخليج الأولى وكما حصل بين السودان وجنوبه بعد حرب استمرت نصف قرن وحصدت مليوني قتيل. إلا أن الحالة الكردية عودتنا على المفاجآت منذ نشوء القضية الكردية في العصر الحديث عقب انهيار الامبراطورية العثمانية ونشوء الدولة القومية في الشرق الأوسط .
وكانت المفاجأة الأولى أن خرج الكرد من تحت عباءة الرجل المريض بخفي حنين بعد أن استقلت معظم الأمم التي كانت منضوية تحت سلطان الدولة العثمانية وبات لها دولها وأعلامها وأناشيدها الوطنية، أما المفاجأة الأخيرة فهي الصيغة التي التي يتم تداولها الآن لإنهاء الصراع الكردي التركي والذي دام زهاء التسعين عاماً وحصد ما يربو على ربع مليون قتيل جلهم من الكرد، إذ أن هذه المرة الأولى التي يبدي فيها أحد طرفي صراع مرير استعداده بإلقاء سلاحه والانسحاب من أرضه على أمل أن يكون هذا أرضية للتفاوض مع الطرف الآخر. وعليه، ليت علمي إلى أي الشكلين السالفين ينتهي المطاف بالحرب الكردية التركية؟ ألا يجوز التحاور وكل في موقعه الحالي؟ أليس قبول هذا الطرف أو ذاك بإلقاء السلاح قبل بدأ المفاوضات هو شكل من أسكال الاستسلام المهين له؟
قطعاً لست ضد السلام بين الكرد وجيرانهم من العرب والترك والفرس، بل وأجد في هذا السلام ضرورة تاريخية لتصحيح المسار الذي انحرف منذ ما يقرب من قرن وأدى إلى تصادم دموي مؤلم بين الكرد وجيرانهم. فلو جاز لي ، أنا المواطن العادي، ومن موقعي كطبيب وصاحب مهنة إنسانية ، أن أجمع الذئاب والخراف في بقعة واحدة في سلام ووئام لراق لي هذا على أن يكون للذئب جحره وصيده البري وولخروف مرجه وحظيرته، أما أن يكون الخروف وما له ملكاً للذئب فهي خدعة يبدو أنها لا تنطلي إلا على الكرد إذ نجد في الوقت الذي يدعو فيه السيد عبدالله أوجلان أتباعه إلى إلقاء سلاحهم والخروج من تركيا إيذاناً ببدء عملية السلام بين الكرد والترك في خطوة وصفت بأنها تاريخية، نرى في المقابل السيد أردوغان يقول بملء فمه أنه يهدف بقبوله التحاور إلى طرد الإرهابيين خارج البلاد وتخليص الشعب التركي منهم دون الإشارة إلى أي تنازل للطرف الكردي، وكأن المسألة هي مسألة إرهاب دموي تعاني منه تركيا، لا قضية شعب يربو تعداده عن العشرين مليوناً كان حتى الأمس القريب يقاد الفرد منهم إلى الزنازين لمجرد تلفظه بكلمة كردية واحدة في الشارع.
ختاماً أقول وإنْ كان من المبكر الحكم على عملية طويلة ومعقدة من خطوتها الأولى إلا أن المكتوب بائن من عنوانه كما يقولون، وأخشى أن الأمر برمته لا يعدو أكثر من كونه معادلة يتحقق فيها السلام للطرف التركي مقابل تحسين ظروف السيد أوجلان في سجنه للطرف الكردي، أما عامة الكرد فلهم الله.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






