2 / 3
وليد حاج عبد
القادر
في البداية لابد من التأكيد بأنني لا أريد الخوض في غمار دراسة تاريخية
عن منطقة ديركا حمكو ومحيطها ـ بالرغم من الحاجة الماسة لذلك ـ ولن ـ اغامر ـ في استقصاء
أية آراء كما ووجود متنوع ـ لربما إذا ما حدث ـ سيصنفها البعض ويوصفها بالمزاجية أيضا
وجلّ ما سأحاول بقدر استطاعتي وتجاوب الذاكرة أن استطرد شرط ألاّ ـ أكون إقصائيا أيضا
ـ سواءا لمجموعات ، أو مفردات لكثير من شرائح هذه المنطقة ـ المثالية ـ والثرية بمعطياتها
، ومعلوماتها البحثية ، منها ما تختزنها الذاكرة الجمعية لسكانها ، أو ما ترفده مدونات
دواوين ، وبالتالي ، الكتب المؤرخة لأمارة بوطان كونها تابعة لها بأبعادها الطبيعية
والبشرية ، وتسميتها بسهول ، أو ـ دشتا بوطان ـ ومن هنا فقد كانت المنطقة بسهولها وامتداداتها
، إقطاعات لعائلات جزيرية ـ تنتمي لبوطان الأمارة ـ ، حتى بعيد ضمها الى سورية ، وماتزال
مساحات واسعة من أراضيها الزراعية ، مملوكة لورثة من الطرف الحدودي الآخر ، وكثيرون
، امتلكوها ـ الآن ـ بقانون وضع اليد ـ مثلا
أراضي كاني كرك ، مزري ، حكمية …الخ / ، يضاف الى كل هذا ، التنوع العشيري
/ القبلي ، وتفرعاتها في تجاوز ملحوظ كانت للإنتماء الديني حتى قبيل سنوات الفرمان
المشؤومة بفترة ليست ببعيدة ، ومن هنا ـ ما كنا ـ حتى في شقاوتنا الطفولية ـ كأبناء
ديركا حمكو ـ نتقصد أبدا تلكم النعرات ونحن
نتبادل التعليقات على شاكلة ـ هارونيو ، كوجرو ، ديمانيو ، آزخيو ، بازاريو ـ فقد كانت
كلّها اشتقاقات إسمية / معرفية ، تحدد الإنتماء الأسري / العائلي ، وحتمي أن تكون للطفولة
مباهاتها ، ليست إلا . ولكن هذا لا ينفي بالمطلق وبعض من الحقائق الثابتة في المنطقة
، ولعله التاريخ من جديد ، فقد كان منصفا في توصيفاته ومسألة الإستقرار ، لابل ، وعواملها
الأساسية ، من توفر الكلأ والماء ، فتشكلت مراكز التجمع الأولى ، وبحركة شبه دائرية
في محيط واحد ، سميت بالإقليم ، وشيئا فشيئا ، تشكلت القرى ومن ثم ، أشباه المدن ،
ـ وللتأكيد في عدم رغبتي لأي تأسيس تاريخي أوجز فأقول مركزا ـ على أمر معين ، وهي الطواحين
المائية التي تواجدت بكثرة في المنطقة ولن ـ أجزم ـ في ذكر سوى التي شاهدتها ـ أطلالا
ـ أو وهي تعمل مثل ـ آشي ديرشوي في ديركا حمكو ـ و ـ آشي بانه قسري ـ و ـ آشي بره بيظه
ـ و ـ آشي بركي ـ ، وآشي ـ كري فرا ـ وموزلانا ميرو ـ ويقال أن صاحبها هو من بنى بيت
المرحوم دياب ميرو أيضا ـ وآشي ـ خانه مشكي ـ القريبة من ـ كنكلو ـ ولعل أشهرها كانت
آشي ـ زخات ـ ل ـ عمر آغا هسني ـ وكذلك آشي ـ كاساني ـ والتي يقال بأنها ماتزال تعمل
حتى الآن ، وكذلك ـ آشي جلو ـ وغيرها الكثير ، وهنا اتمنى من أبناء المنطقة حصرها للتأريخ
ليس إلا . أما السبب الذي دعاني وإقحام هذه الطواحين المائية ، وبالتالي الإتكاء عليها
في هذا القسم فهو لسببين رئيسيين : إنتشارها وبكثافة ملفتة ما بين ـ جمي سفان ـ و ـ
آفا مظن ، نهر دجلة ـ كدليل واضح على كثرة السواقي والجداول المائية المتدفقة على مدار
السنة ، من ناحية ، ومن ناحية ثانية الكثافة السكانية وبالتالي الطابع شبه المستقر
في هذا القسم ـ على يمين السفان ـ وعلى يسارها ملاحظة الطابع الرعوي ، أي تلاقح المجتمعين
الزراعي / الرعوي ، أو ما اصطلح عليه كرديا ـ كوجر / ديمانا ، ومن مدلولات كثرة الطواحين
أيضا في هذه البقعة ، وتقاربها ، رفاهية العيش ، والإستقرار ، وتوفر الموارد والمحاصيل
، وحركة التبادل التجاري والتي كانت لفترات
قريبة تعتمد مبدأ المقايضة ، وتدل كافة المعطيات التاريخية للمجتمعات البشرية وبدايات
استقرارها بالقرب من الأنهار والينابيع .. الخ ..وطبيعي أن لا ـ يفوتني ـ وفي هذه العجالة
من التطرق الى ظاهرة الأديرة ـ كمراكز دينية ـ وطابعها الروماني ، وبالتالي تقاطعات
الثقافة والتكوين الميثولوجي إن للثقافة الرافدية ، وبالتالي درجة التماذج والتداخل
فيما بين هاتين الثقافتين وموروثاتهما ، فتتمازج وتختلط الحكايات والقصص الشعبية بكثرة
، وهنا يسجّل للرومان تلك الأمانة حيث كانوا يؤشرون الى أصل القصة ، او الإله وبالتالي
منبته المناطقي ـ ويحضرني هنا قصص هيشمراري الكردية و زا لبن عباه ، و قازي ـ وكم أتمنى
أن تجمع هذه القصص ، أو أن تحكى وتروى ، كما كان الأجداد يروونها ، خوفا عليها من الضياع
. وطبيعي أن نجد ظواهر وآثار ما تزال واضحة في المنطقة ، كالجسور الرومانية ، والقلاع
، ولعل ابرز هذه الظواهرهي ، ظاهرة انتشار
الأديرة بطابعها الروماني مع انتشار المسيحية كدين في ارجاء الإمبراطورية الرومانية
، وبالتالي الإشتقاقات الإسمية المعبرة عن ذلك ـ ديركا حمكو ، ديركا بر آفي ، ديرونا
آغي ، ديرونا قولنكا ، شكر خاجي ، .. وغيرها ، وكذلك مواقع اختلطت ، أو تمازجت فيها
وبها ، بقايا ميثولوجيات نهرانية قديمة ك ـ كوندكي عباسا ـ وجوارها ومن جديد ـ كري
إيلم ـ ، وظواهر ال ـ لاوك ـ إن كمواقع / مراقد / مزارات / ، أو ما زالت تردده أغنيات
الفولكلور الكردية الأصيلة بشطريها الرئيسيتين ـ بيزوك و بهاريان ـ ، فتعود المنطقة
الهوينة من جديد وتتمازج في الديانات التوحيدية ، كتعبير عن تعايش طوائف وأديان مختلفة
في ربوعها فنرى مثلا ـ خربي جهوا ـ وغيرها من القرى ، أو المواقع التي تشي بتاريخية
صرفة ـ كرقحفك ، كفري دنا ـ .. الخ .. ومن جديد واختصارا ـ أقول مجددا ـ أن الإنتماء
عمرها ما حدّد سابقا في هذه البقعة من الجغرافية بالدين ، وإنما كان دائما الشعور القومي
هو السائد كاصطفاف نهائي كانت تلي الولاء القبلي من حيث الأهمية ، ولفترات طويلة فشلت
جميع المحاولات التي استهدفت المنطقة ، لبث الفرقة فيها ، ولعلها منطقة بوطان ، كانت
من المناطق الأقل تضررا بالنسبة للأخوة المسيحيين أيام الفرمان المشؤومة وبالتالي سعي
عشائر بوطان الى حماية مسيحييها ، ونستخلص أن الدين عمرها ما فرقت الناس عكس الممارسات
الإنتهازية عند البعض ـ من الطرفين ـ الآن
ـ مضافا لها ممارسات السلطة الطويلة في هذا الإتجاه …وبالعودة الى ديركا حمكو فقد
لعب ـ آشي ديرشوي ـ دور نقطة ارتكاز أو تجمع على الضفة اليمنى للساقية القادمة من أقاصي
الغرب ـ كاني بحني وكرزركي ـ أحاطت بها ـ آشي آفي ـ بيوتات مبعثرة ، وعلى أطارفها بعض
من بساتين الكرم وتحتها مباشرة على مدخل ساقية الماء الفرعية والمسحوبة من الساقية
الأم والمتجهة الى الطاحونة ، كان النبع ، الذي سميّ فيما بعد ب ـ كانيا عسكرييي ـ
لقربها من الثكنة التي بناها الفرنسيون ، وفي الجنوب منها ـ بركا أو كانيا ميرا ـ يليها
بمسافة غير بعيدة ـ كانيا ، أو بركا زنا ـ كانت تطوقهما سلسلة من أشجار الحور والصنوبر
والسنديان ، أما شمال الطاحونة ، وشمالها الشرقي ، فكانت مجموعة بساتين كروم تبدأ ب
ـ بخجي ملايي خليفة ، بخجي جارالله ، بخجي قادي بربر ، بخجي حاجي محمدي بازاري أو حلاوجي
ـ ويقابلها في الطرف الثاني من الساقية ـ بخجي محمود شمي ، بخجي قدريي عبد الغني ،
بخجي عبدالرحمني عبدالغني ، بخجي أنو دينو ، وبيوتات متفرقة كانت .. مبعثرة .. تلاحمت
وتفاعلت ، فتوسعت لتشكّل فيما بعد ـ ديركا كفن ـ في محيط الدير الروماني القديم ، ويطل
عليها الطاحونة من مرتفعها و ـ ديركا نه ـ ولازمتها التوسع العمراني الذي فرضه الفرنسيون
من خلال بناء تلك القشلة الكبيرة لجنودها ، فازدهرت فيها المحلات ، الدكاكين ، والأفران
كما النزل والفنادق والمطاعم ..الخ** .. نعم لقد تبعثرت بيوتات الديركيين فشيدت كما
القلاع في علوّها ـ مثلا بيت حاجي محي إيرسي بجدرانه العالية ـ ، وسط أكوام ، لابل
أشباه جزر من الحجارة والصخور الضخمة المختلفة حجما وبألوان وتشكيلات متداخلة ، عملت
فيها العصور عملها من حت وتعرية وبالتالي تشذيب ، أو تذويب لبقايا ـ لربما أملاح وقد
ذابت ـ فشكّلت منحوتات أو آثار تشبه أقدام حيوانات ، أو طيور مختلفة ـ ما يشبه وعمليات
الإستحاثة , ولتنطلق سليقة الديركيين بتلك الجملة المترددة دائما كمثل يعبر عن كلاسيكية
، أو قدم شيء ما بالقول ـ دما كوج بنير ، أو دما كفر بنير ـ ومرة أخرى ، وبعيدا عن
الإستطراد وهذا السرد الذي لم يكن ـ بالمطلق على البال ـ سوى هذه الذكريات التي هاجها بعض الأصدقاء*** إلا
أن المتتبع لسيرورة تأريخ هذه المنطقة يلاحظ ببساطة شديدة وفرة مواردها ، وغناها ألى
درجة عالية من الإكتفاء الذاتي وذلك لمرحلة طويلة حتى بعيد تطبيق اتفاق سايكس بيكو
وبالتالي ضمها الى الدولة السورية المحدثة ، وتبعيتها لفرنسة الإستعمارية ، إلا أن
الحكومات السورية المتتالية ، خصوصا بعد سيطرة النزعات الشوفينية العربية على الحكم
، جعلت هذه المنطقة ، بقعة الإستهداف الأول ، وذلك لأهميتها الجيوسياسية من جهة ، وغناها
من جهة ثانية ، والأهم نقاوة ، أو بعبارة أدق ديمغرافيتها الكردية بامتياز ، فتتالت
الممارسات والإجراءات الشوفينية والعنصرية ، وكانت لها حظوظ الأسد في جميع المشاريع
، فغالبية الذين تم تجريدهم من الجنسية هم أبناء هذه المنطقة ، وكذلك عملية الإستيلاء
على الأراضي وبالتالي تطبيق الحزام العربي والمحاولات اليائسة للسلطات لزحزحة الفلاحين
وتهجيرهم من قراهم ، وتأسيس مزارع الدولة ، وبالتالي استخدام القوة في الإستيلاء على
الأراضي ، رافقتها ، نوعان من التصدي ، أولها الممانعة الصامتة ، وبالتالي التشبث بالبيوت
والسكن ، والإصرار على عدم ترك الكرد لقراهم ، والثاني مقاومة رمزية خجولة ، حدثت فكانت
بعض الزيارات المباغتة لجرارات السلطة ومرافقيها من الشرطة ، ليلا وإطلاق رصاصات محددة
موجهة الى الجرار ، والهروب من موقع الحادث ، حالات متعددة حدثت ، وكان القصد في عدم
إصابة البشر بيّن وواضح ، وبقي الفاعلون مجهولين حتى هذه اللحظة ، بالرغم من استماتة
الأجهزة الأمنية في محاولة معرفتهم إلا أنهم فشلوا ، سوى الأهالي فكلّ من كان يذكر
هذا الأمر يبتسم خفية وكأنه يعلم الجهة المنفذة ، هكذا لاغير . ولم تكتف السلطات بهذه
فقط ، فبعيد المكتشفات البترولية في المنطقة ، أصرّت السلطات على عدم توظيف أبناء المنطقة
، فجلبت عمالة عربية من مختلف المحافظات ، وهذه لم تشف غليلها ، أيضا ، فكانت باكورة
، أو التجربة العملية المصغرة لمخطط المجرم محمد طلب هلال ، حيث تم استقدام مئات العائلات
من منطقة السلمية ، وسكنتهم في منطقة ديركا حمكو ، على ضفاف دجلة ـ قرية زهرية مثلا
ـ كما أسكنت بعضهم على ضفاف الخابور … لقد دفعت ديركا حمكو الكثير ومورست بحقها سياسات
ظالمة ، استهدفت تفريغها بالكامل ، لابل ودفع سكانها دفعا الى الهجرة الخارجية ، ومن
هنا فلا غرو ، أن ترى أكثر من ثلاثة أرباع أهلها خارج نطاق مناطقها … وللحديث بقية
* – بداية كل العذر عن الخطأ في إسم المرحوم أبو جلال والذي هو اسمه ملا
سعيد ، وأظن أن ملا عيسى يمتهم بقرابة قريبة جدا ، لذا اقتضى التنويه ، وكل الشكر لمن
دلني على هذا الإلتباس
** ـ في مسألة الوفاء ـ طالما نحن نسطّرها ـ وديركا حمكو .. ألا يجدر
بنا أن نتذكر المرحوم ـ درو دينو ـ لاتهكما ، والله ولا تنكيتا ، فهو يستحق باقة ورد
من كل ديركي ليزيّن قبره الذي لربما أصبح مجهولا الآن ، فقد هام هذا الذي سمي ظلما
ب ـ دينو ـ بمدينته ديركاحمكو التي عاشرته ، وعاصرته كما آلمته ، هي ديركاحمكو التي
ما أن غادرها ـ درو ـ أو لربما الأصح ، انتزع من بين أحضانها نزعا ، وذهب به الى ـ
العصفورية ـ في دمشق ليستقر بها ، لم يصمد هناك أكثر من ثلاثة أيام ، فأعيد جثة هامدة
، ليوارى الثرى في مدينته ، محبوبته ، عشيقته ، ديركا حمكو الأبية ، وقد امتاز هذا
المسكين بهدوءه التام إلا في حالات استفزازه ـ وما أكثرها كانت ـ من الصبية الأشقياء
، ولعلها من أشد العبارات التي كانت تغيظه ـ رحمه الله ـ / درو دينو تي ناجي كاساني
/ تي بمري زه كول ودرداني / فيهيج ويفقد السيطرة على نفسه ، فيلتقط الحجارة إلى أن
يهدؤه أحدهم .
*** كل الشكر والتقدير للمهندس قاسم أبو كوران ، والأستاذ عمر أبو سالار
، والشاعرة فدوى كيلاني والسيد حسين فرماني بمبي ، وذلك للمعلومات التي امدوني بها ، وبعض التصحيحات
والتداخلات .. لهم كل الشكر ….
ملاحظة : الرجاء من كل من لديه
إضافات على ما ذكر هنا ، ألا يبخل بها علينا سواءا بإرسالها لنا ، أو نشرها بالطريقة
التي يراها ، وأملي كبير بمن لا يزال يحفظ القصص الشعبية الكردية التي كانت متداولة
، أتمنى أن يجمعها ، وينشرها ، لأهميتها التاريخية … وشكرا
walidhjabdlkadr@hotmail.com
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






