🚨 إعلان هام جداً بشأن إغلاق موقع كورد أونلاين

بعد سنوات طويلة من النشر والتوثيق المستمر لأجل القضية الكردية، نعلن لكم بأسف شديد عن قرارنا بـ إغلاق موقع "كورد أونلاين" نهائياً لأسباب قاهرة. لقد قدمنا آلاف المقالات والآراء وبذلنا جهداً كبيراً طوعياً ودون مقابل لتوثيق الانتهاكات ونشر الثقافة الكردية في الفضاء الرقمي.

📌 تنبيه هام للتواصل: يرجى الاعتماد حصرياً على البريد التالي للتواصل معنا (سواء قبل أو بعد الإغلاق): web.kurdonline@gmail.com
مع ضرورة عدم استخدام البريد القديم (editor@kurdonline.info) لأنه لن يعود قيد الاستخدام نهائياً.

🔄 بخصوص الأرشيف والروابط: سنحاول نقل جزء من هذا الأرشيف للمدونات المجانية (رغم فقدانها لقيمتها في محركات البحث وافتقارها للمواد المرئية)، كما ننوه أن نطاق وموقع وروابط الموقع قد تُحال إلى مشترٍ جديد، ولسنا مسؤولين عن أي استخدام لاحق.

شكراً لكل قارئ رافقنا في هذه المسيرة.. نأسف لكم ونتمنى أن نكون قد تركنا أثراً طيباً.

في التيه … ومأساة قمو ديني

في التيه … ومأساة قمو ديني


               ـ في التيه … ومأساة قمو ديني ـ

                                          وليد حاج عبدالقادر

                                      مقدّمة وإهداء

هي ـ بوطان ـ كانت في البداية … هي ـ بوطان ـ عينها التي قسّمت واقتسمت … هي ـ بوطان ـ في تسلسلها كانت .. كما التاريخ بعبقها تيهت وتاهت فيها سهولها والبراري .. هي ـ بوطان ـ الفيضان و ـ آحوت نابيشتم ـ وهو ـ نوح ـ حينما تاهت السفينة بحمولتها وهي تصارع أمواج الماء وحتى الجبال منها قد غاصت .. هي ـ بوطان ـ عينها والحمامة التي أبت أن تتوه في مضاربها كما وفناءات فضاءاتها ، فطارت حينا وزاغت حينا آخر ومن جديد صفّقت بأجنحتها وهي تطير وتطير وقمم الجبال لحظتها فد تعالت .. هي نفسها ـ بوطان ـ والحمامة قد التقطت من أكمتها غصن الزيتون ذاك وعادت بها خيلا .. هي عينها مهد هذا التيه كما والمأساة .. عبث الطفولة ولثغها ، كما نطقها أو ضحكنها الأوّليّة الأزليّة في مرادفة هي كانت عنوان طفولتها … لثغ تخاله ضحكة .. أنّة ظننته بكاءا ببسمة !! .. وتأبى الشقاوة إلاّ أن تعلو بضجيجها .. و .. صرخ طفل بعبثيّة وهو لا يدري حتّى لماذا صرخ ؟ ! .. وما درى بمدلول ما نطق ؟ .. فقط هي الصرخة كانت بصوتها وقد جلجلت فخلّفت من جملة ما خلّفت ذلك الرعب الأزلي !! .. و .. ـ قمو ـ .. مسكينة ـ قمو ـ .. فقد هرعت تبحث لنفسها عن مخبأ !! .. والطفل مازال يردّد صرخته .. / .. رومي … رومي .. قمو .. رومي أفه هاتنه ته !! / ويستسيغ طفل آخر اللعبة فيزعق ويزعق كمن يدندن في لحن غير مستساغ .. / قمو ديني فا رومي هاتنه ته / .. وليكمّل آخر ـ لربما ـ النشيد بهتافه / قمو ديني أفه عسكري رومي هاتنه ته / / ووسط الزحام الذي تحوّل الى زخام مملّ مفرّط للجقيقة كما والوجدان !! .. نادى المنادي .. / كه جي .. رومي .. رومي .. رومي .. فا رومي هاتنه ته .. / لازمة متكرّرة هي تلك الأسطر أعلاها كانت تسامر ـ قمو ـ في محراب عبثيتها ، لابل ـ كن رحيما ـ عبثيّة القدر معها وهي التي أضرجتها جراحاتها همّا وزحفا من ـ بوطان ـ المدينة وهجّرتها قسرا ، أو لعلّها هجّجتها الذاكرة التي استلبت مع الجسد الذي اغتصب ، كما العرض والكرامة التي هدرت ، فتاهت المسكينة ، لابل تيهت عنها ـ بوطان ـ المدينة فانطلقت هائمة لاتدري من هي !! أو من تكون ، ومن أين أتت ؟ !! .. لابل ، إنطلقوا هم بها وهي المرميّة كانت جثّة عارية في سهوب تاهت بها عن حقيقتها ، واقتيدت وهي شبه مسلوخة حتى من جلدها وأطرافها جميعا تنزف بغزارة !! .. الى أين كان ؟؟ .. لعلّها عين ديوار !! .. نعم نعم هي عين ديوار كانت ومضت فيها فترة ، ولكنّها لم تتحمّل ، او لعلها لفظتها عين ديوار التي ضاقت بها وحجم العسكر ـ رومي ـ فالتقطتها أزقّة ـ ديركا حمكو ـ والبيوتات الجزيريّة التي أوتها فترة ، ومن ثمّ احتضنتها واستقرّت أخيرا في تلك الغرفة من ذلك البيت القديم الذي يلي ـ آشي بوزي ـ على طريق عين ديوار كبيرق رفراف فوق سارية تتحدّى .. بهمّتها العوز من جهة ، وبسواعدها أيّ سعي في نهش جسدها المتهالك أصلا والمنتهك قبلا !! فوق تلك الرابية الشاهدة الناطقة !! .. لها ولذكراها كما وتيه مأساتها كان هذا المتن كما الجمل في تراتيبها عساها تروي بعضا من فصول أغابتها ، كما غيّبتها فظاعة الحدث من جهة ..و .. تراكمات شجون الدهر بآهاتها .. هي ملاحظة أخيرة ولابدّ منها .. إن بخصوص الأحداث .. فهي ماعدا مأساة ـ قمو ـ وحالة الإغتصاب البوهيمي التي تعرّضت لها فهي حقيقة واقعة .. كما والمواقع التاريخيّة والأثريّة المذكورة ـ ضمنا ـ فهي بتعريفها وسياق الزمن التاريخي جاءت حسب الموروث الشعبي الدارج ، كما وأنّ بعضا من أسماء الشخوص أيضا واقعيّة وبعض الأسماء تتشابه مع اسماء شخصيات معروفة ومشهورة ، ولكن في الواقع ، ليست بالضرورة أن تكون قد عايشت الراحلة ـ قمو ـ وإن كانت ، أو لربما عاصرتها ـ أقلّه ـ زمنّيا !! .. مثل الأميرتين الكريمتين .. سينم خان وروشن خان البدرخانيتين … فلذكرى ـ قمو ـ للمخاض الذي أفقدها عفّتها وعذريتها ، وتلاها من جملة ما فقدتها حتّى الذاكرة .. إليها .. إليهم جميعا .. من عاصرها وابتسم في وجهها بحنّية .. كان هذا التيه بما فيه من وجع وآلام …   

                             القسم الأول 

لعلّها كانت واحدة من مآثرها المتعدّدة التي أضفت من جملة ما أضفت ، تلك الثقة الكبيرة التي تملّكتها في نفسها ، وبالتالي الجرأة ، كما الإقدام في العمل ، خاصّة وقد وضعت نصب عينيها ألاّ تمدّ يدها لأحد ، وأن تسعى في تربية أخاها الصغير بعزّة وكبرياء ، وأن تجتهد في ذلك قدر استطاعتها ، وقد صمّمت على ذلك بعيد وفاة والديهما والبؤس كان ومايزال يحيط بتلك الغرفة والصالة المتبقية لهما .. تلك الغرفة والصالة التي تحيط بهما جدار يكاد أن يتهاوى في أيّة لحظة ، لابل فقد أخذ الميلان بطرفه القبلي وبات يشكّل خطرا حقيقيّا ، وذلك الباب الذي لايجد له مستقرّا ، فيثبت عليه صيفا كان أو شتاءا ، والذي هو في الأصل ـ الباب ـ إنّما جمع من بقايا صفائح تنك ، وقد غطّاها الصّدأ بفعل التأكسد ، فتخال لونه أصفرا ، وقد شبّع ببنيّ فاتح ، ومفصلين يثبّتهما على خشب ، فتبدو كملواح يهتزّ لبسط نسمة ريح قادمة .. والبيت من حيث الموقع .. فحدّث ولا حرج .. نعم فموقعه ممتاز جدّا .. هو يلي ـ در يي رومي ـ / باب الروم / على الناصية يحيط بها شارعان كبيران وأمامها بالضبط ذلك الجامع الشامخ بمئذنتيه ، موقع ، لابل مدخل مهمّ يوصلك الى حيث ذلك الشارع الضّيق حينا ، والواسع حينا آخر ، مستو في بعضه ، ومتعرج في بعضه الآخر ، كما انحناءاته ، إن صعودا أو انخفاضا فيودي بك الى حيث الشّط ومن جديد على يسارك ـ مدرسا أميري ـ / المدرسة الأميرية / وعلى يمينك ـ برجا بلك ـ الشامخة بحجارتها المرصوصة ، طبقة سوداء تليها طبقة بيضاء ناصعة ، ومنها الى جدار ـ كلها بوطان ـ قلعة بوطان بارتفاعه الشاهق والذي ـ الجدار ـ يوازي في مناجاة كما ويسامر ـ آفا مظن ـ ماء دجلة الرقراق .. فلو .. آخ !! .. قالتها ـ قمو ـ .. لو أنّ أخي كان أكبر في سنّه الآن ، أو لو أنّ العادة في ـ بوطان ـ تسمح لي أن أجلس أنا في محلّ !! لكنّا فتحنا ولو ـ كولك ـ صغير في زاوية الدار واستفدنا منه ما يستفيد غيرنا من هؤلاء العطارين والبائعين .. ولكن !! هي .. هي تلابيب القدر ، كما ومصائب الدهر التي ألقت على كاهلي أن أسعى وأسعى !! .. كانت قد بلغت الرابعة عشرة من عمرها .. وبوادر بروز نهديها يخلقان لها بعضا من وجع خفيّ ، واضطرابات تحسّ بها من حين لآخر .. أسعفها الحظّ في بعضها واستشارة والدتها ، ولكنه بؤس القدر بقساوته حيث لم يمهلها كثيرا ، فتوفّيت والدتها أيضا بعيد وفاة والدها بحوالي سنتين أو تنقص أيّاما .. شمرت ـ قمو ـ عن ساعديها ونزلت الى البيوتات عينها التي كانت ترتادها قبلا برفقة أمّها .. تطبخ في المناسبات .. تغسل صوفهم ، تفكّ فرشهم ولحفهم القديمة ، فتغسلها وتحيكها من جديد .. ترتّب مؤونة الفصول والمواسم .. بدءا من عصير البندورة الى تجفيف الخضار .. سلق الحبوب .. و ـ قوتاندنا دان .. باراندن .. ـ و ـ كيروسه ـ سواءا لجرش الحبوب أو العدس ، وكان الرزق يجترح بها مع الأيام فتكسب ما يكفيها وأخيها وسؤال الناس .. وفي الأيام التي تقلّ أو تندر فيها الأعمال المنزليّة ، كانت تهرع الى البراري والساحات وهي تحمل ـ تنكا ريخي ـ وحبلها ـ وريس ـ وتنطلق الى محيط بوطان .. تجوب ـ جعفر صادقي ـ ومنها الى ـ قسروكي ـ و ـ جمي جهيا ـ الى ـ ثقلانا ـ ف ـ غيدا يي ـ وقد تنشّطت ـ قمو ـ في صنع وبيع الجلّة كما والحطب ، لابل أخذ الخاصّة والعامّة يتحدّثون في ذلك ، وأصبحت الجلّة التي تصنعها ـ قمو ـ تباع ب ـ جرخيكي ـ بينما في العادة هي كلّ جلّتين ب ـ يك جرخي ـ ومرد ذلك ، أنّها تعتمد على قالب خاص وكبير تقطع فيها ـ جلّتها ـ كما وأنّها تعرضها فترة طويلة حتّى تيبس وتجف .. وكذلك ـ بشتيا قرشكا ـ أو ـ كوما قورما ـ ، أضف الى ذلك أنّها فرضت سطوتها على الساحات والبراري التي عادة ما تكون قد وصلت اليها قبل غيرها .. تجمع القش والأغصان وبقايا الأعشاب اليابسة وتكوّمها في حزم صغيرة مبعثرة ، ومن ثمّ تضع عليها علامتها ، وكذلك بقايا روث الحيوانات حيث تجمعها كلّها في بقعة تحدّدها ، ومن ثمّ تباشر بقطع ـ جلّتها ـ هناك ، والويل ثمّ الويل لمن يتجرّأ أن يلمس ما كوّمته أو أن يأخذ منها شيئا .. وهكذا ـ جرخي ـ فوق ـ جرخي ـ أخذت ـ قمو ـ تقدّم لأخيها ما يشتهيه ، وتلبّسه ما يريد ، وقد سهّل عليها الأمر كثيرا ، لابل وعوّدتها على تحمّل كلّ هذا الضغط والمشاق ، أنّ أمّها لربما كانت قد أدركت وأحسّت بدنوّ أجلها ، لذا فقد دعتها لمرافقتها في كلّ أعمالها ، تدلّها على الأسلوب والطريقة السليمة في تنفيذ واتقان العمل كما والأمانة والعناية التامّة في أيّة أمر يوكل إليها ، وقد أصبحت مثار فخر لأيّة عروس ـ مثلا ـ فيقال بأنّ ـ قمو ـ قد غسلت صوف فراشها ولحافها ـ شيشتنا هري يا دوشك و لفيني ـ و ـ كريدانا هردو شلتا ـ أو ـ شيزن و در زي يا وي ـ ووسط هذه الزوبعة من العمل المضني والشاق ، وكذلك المسؤوليّة التي هبّت عليها فجأة تجاه أخيها الصغير ، تناست المسكينة نفسها تماما .. لابل لقد فقدت أيّة شعور ، أو إحساس بأنّها أنثى ، حتّى أنّها عندما راودتها العادة الشهريّة لأوّل مرّة ، ارتعبت وخافت ، وظلّت في البيت واجمة لاتدري ماذا حدث لها ، أو ما يتوجب عليها أن تفعل ؟!! .. وبقيت حبيسة الدار ، ولمّا لم يتوقّف الدم في اليوم التالي ، سارعت الى جارتها ، وبين التأتأة والخجل ، ومن ثمّ فقدان آليّة التعبير ، استطاعت في المحصّلة أن تفهم الجارة بمشكلتها والتي بدورها ضحكت ، وبعد أن هدّأت من روعها ، أعطتها بعضا من الإرشادات الأوّليّة اللازمة .. أجل !! .. لقد نسيت ـ قمو ـ تماما بأنّها أنثى ، أو لربما فتاة ، وأنّ لنفسها عليها حقّا ، وأنّها يجب أن تسعى لمستقبلها أيضا ، فتتأمّل محيطها وتحسب لها حسابا ، إلاّ أنّ الثقة بالنقس والتي هي في الأصل نتاج ووليدة الندية وعدم الشعور ، أو العمل لطمس وبالتالي ردع الحاجة الى أية شيء ؟ وممن كان ؟ .. ومن دون أن تدري حتّى هي بأنّها إنّما بذلك ترسم لنفسها وبنفسها ذلك الفخّ أو المصيدة!! .. وقليلة هي المرّات التي كانت تعتني بنفسها ، أو حتّى تزيل عن جسدها غبار القشّ وبقايا روث الحيوانات ، سوى في حالات تلبية نداء إحدى الأسر مثلا ، ومطالبتهم إيّاها بعمل ما .. حينها .. حدّث ولا حرج !! .. فهي تصرّ على أن تظهر بلباقة ونظافة مميّزة ، ولعلّها كانت تستهلك أكثر من ـ لهيك زه صابينا كزوانا ـ وهي تغتسل وتغتسل ، والصابون برغوته وماءه يسيل في تلك الساقية الصغيرة صوب الجادّة ، فيعرف القاصي والداني بأنّ ـ قمو ـ إنما تتحمّم !! .. ومن ثمّ تهرع الى ذلك الفستان السماويّ .. نعم !! .. أنّ اللون السماويّ مضافا إليه الأخضر الفاتح أو الزهريّ هي ألوانها المفضلة ، وذينك الجوربين الكاشفين بياضا واللذين يصلان الى ما تحت الركبة ليتلقفهما بعدئذ مطّاط السروال الطويل التي كانت ـ قمو ـ تأبى أن يتلمّح أحد حتّى نقوشها سوى ما ينعكس من تحت بياض الجوربين .. جسم نضّ متكوّر ومتكامل ينبض حيويّة وشبابا ، بصدر بوطيّ بارز لفتاة تعرف الشقاء والتعب وكثرة الحركة ، ومعها ذوبان الدهون كما الشحوم غير المفيدة ، أو الضروريّة لجسد ممشوق .. أما شعرها !! ففي الحقيقة كانت جدائل رائعة تعرف بها ـ قمو ـ وتعلم كيف تفرطهما ، ومن ثمّ تجدّلهما في نقش أشبه بترتيب هندسيّ رائع ، وفي أحيان كثيرة ، تكون الجديلة الواحدة قد حلّت وفكّت كما وفرطت ومن ثمّ أعيدت جدلها من جديد ، والشعر بالرغم من التجعيدة المتكوّرة بفعل التجديل ، إلاّ أنّه منسدل وطويل ، تخاله أحمر وقد تلوّن بلون الحنّة ، لابل أنّ الكثيرات تعللّن لون شعرها ، بأنّها قد أكسبتها ـ قمو ـ بفعل صبغها ب ـ ريخ ـ الحيوانات كلّ يوم ، سوى أنّ الحاجبين كانا يفضحان هذا الإتهام ، لتشي بإنطباعيّة الشعر وجذوره الذهبيّة المائلة الى حمرة غامقة ، خاصّة وإنّ العينين قد تاهتا في إزرقاق تخاله كقطعة قماش من فستانها السماوي البارز والقريب من بياض متماوج ، ووجه دائريّ وإن كانت الجبهة بارزة ومرتفعة ، وكذلك الوجنتين بعظمتهما ، وأنف تحسّ بوقاره وأنفته ، إضافة الى ذلك النتوء شبه البارز من تحت العينين مباشرة ، وإن كان طول الأنف ونتوءه لا يضفيان سوى المزيد من البهاء والجمال ، كما وسمة أو علامة فارقة .. طول متناسق في المجمل مع كيان لجسد رشيق ، وهذا ما دفع ـ صالحي مصطي آغا ـ أن يقول فيها .. أنّها ـ خاتونة ـ في كلّ مواصفاتها ، وكان من الأجدر أن تتصدّر إحدى بيوتات بوطان الأصيلة .. ولكنّها تبقى ـ قمو ـ سيّدة ـ قرشك ـ و ـ تبكي جزيرا بوتان ـ .. وها الأيام مضت وتمضي ب ـ قمو ـ وأخيها ، وهي تجمع من شتات عمرها ويومها ـ جرخي ل بي جرخي ـ فتصمدها حينا ، وتصرفها أحيانا أخرى ، وأخوها نزحف به أيامه ، وقد كان عمره أربعة أعوام حينما توفّي والدهما ، هذه الوفاة التي هدّتهما ، كما هدّت المرحومة أمهما، ناهيك  عن اجتراح العذابات وفصول آلامها الممضّة على الأب المسكين ذاته طيلة مشواره في هذه الحياة ، خاصّة وهوالرجل المكافح كان ، والمعروف عنه مثابرته على عظيم الأعمال وأشقّها بدءا من ـ براندنا كه لبي جا ـ الى تحطيم الصخور وصقل الحجر ، فحراثة الأرض   وكذلك تشذيب الأراضي والبساتين والبذار ، ومن ثمّ الذهاب الى المطاحن والتي كانت تأخذ منه وقتا كما وقطيعا من حيوانات الحمل ، أمّا في الصيف ، فحدّث ولا حرج ، مشاركة المجموعات والقوافل إن في جني المحاصيل أو تجميعه ، ومن ثمّ نقله الى بيادر البلدة و .. الإستعداد لعمليّة الجرجرة ـ جنجرة ـ وكم تتحسّر ـ قمو ـ الآن وهي تتذكّر تلك الأيام الجميلة ، عندما كانت تركض مسرعة لوحدها ، وأحيانا برفقة أخيها وبيدها ـ سفرطاسي ـ فتسعى الى حيث أبيها في ـ بيندرا ـ لتسلّمه الزوادة ، وليركبا هما الإثنين على ال ـ جنجري ـ فيما الأب يبحث عن زاوية يقتعدها فيأكل طعامه ، وتدور بهما تلك الآلة وتدور والدابّة تجرّ بهم وتدير شفرات الآلة لتعمل تقطيعا وهرسا لتلك السنابل والقصبات ، فتطرح حبيباتها ، وبين الفينة والأخرى يتناول الأب ـ ملهيب ـ خشبي بأنيابها الطويلة ، فيخلط القشّ ببعضها ، أو يعيد ما انزاح من تحت الآلة الى مسلكها في عمليّة هي أكثر ما تكون اختباريّة لمدى جدّية ـ شفرات ـ جنجري ـ وبالتالي سلاستها في قطع وهرس الحبوب ، وبعدها تبدأ عملية الفرز .. فرز الحبوب عن القشّ والتبن ، فتتبعثر قصاصات القشّ وتنتشر على فضاءات واسعة من البيدر ، عكس الحبيبات التي تتراكم على شكل كومة يتخلّلها في بعض الأحايين قطع من السنابل لم تنفرط حبيباتها بعد … وعملية ـ باراندن ـ النثر هذه تعدّ من أصعب كما وأخطر مرحلة ، لما لها من تأثير على الصحة ، لذا كانت الأم تنفعل كثيرا غذا ما تأخر ولداها ، لأن غبار النثر هذا مضرّ جدّا وخاصّة للعينين ، ولهذا كنت ترى دائما وفي مثل هذا الفصل ، عينا الولدين محمرة ودائرة من القرمز تحيط بهما .. أمر آخر مازالت ـ قمو ـ تتذكّرها وبحسرة كلّما مرّت بالبيادر ، نعم أنّها حيوانات الجرّ التي ما خلت في بعض من أحايينها وحالات الفكاهة أو الخمول وبالتالي لا مبالاة خاصّة إذا ما أحسّ الحيوان بالجوع ، فتراه يقف وسط الكومة ويباشر في أكل القش بمنتوجه ، وأحيانا أخرى ، تتمرّد الدابة على السوط فيحرد وهو يجرجر وراءه الماكينة أيضا الى خارج الكومة ، وكم من مصيبة حدثت نتيجة لذلك ، إضافة الى تعطيل أو تحطيم الآلة واحيانا بالكامل .. وتتذكّر ـ قمو ـ جيّدا عملية جني المحاصيل ومن ثمّ جمعها ، والتي تسبق عادة وصراع ـ جنجرة ـ مع القش والسنابل .. أجل سنوات مضت وهي لا تزال تعي وتتذكّر بعضا من تفاصيلها حتى المخيفة منها والمملّة ، ، مازالت ترتسم وتتقاطر في مخيلتها ، ولعلّها كانت الأصعب فيها ، تلك اللحظة البائسة التي كانت قد طلبت منها أمّها أن تجلس تلك الخيمة ـ كولك ـ المصنوعة من بقايا الخرق والأكياس ن وهي تستند على أربع قوائم ، إضافة الى زائدتين قماشيتين جانبيتين تتحركان وفق حركة الشمس .. شبه خيمة هي غبارة عن استراحة للعمال وتوضع تحتها الزوّادات والمياه وكذلك الطفال بالنسبة للمرضعات ، وهذا ما كانت عليه حال أمّها ، وقد مدّد اخوها على فراش صغير يغطيه قطعة قماش خفيفة كملاّءة متلائمة وحرارة الجو .. وسهت ـ قمو ـ عنه قليلا ولربما ابتعدت عن ـ كولك ـ وهي تطارد راكضة خلف طائر صغير ينطّ نطّا ، ولا تدري لعلّها دقائق كانت ، او لربما ثوان ، عندما عادت أدراجها .. و .. وقفت واجمة مرعوبة .. تسمّرت .. شيء ما .. جسم ما .. لربما حبل أسود هو .. وقد التمّ أو التفّ على شكل حلقات دائرية متتالية على صدر أخيها النائم !! .. أحيوان هو أم ماذا ؟ ! .. إنّها لاتدري !! .. ولكنها بحسّها الطفولي أدركت أن أيّ تصرّف قد يسبّب أذيّة لأخيها سواءا بكت أو هاجت ، لربما أفزع تصرفها ذاك الشيء ، فتحدث ما لا يحمد عقباها .. ما العمل ؟ .. خرجت من الخيمة وهي ترتجف ، تطلّعت صوب الشمس بعد أن غطّت عينيها بيدها الصغيرة .. أنّهم بعيدون .. بعيدون .. ولكن لا مفرّ !! .. ركضت وركضت كما لم تركض أبدا .. ولما دنت منهم بدأت تصرخ وتصرخ وهي تبكي .. هرع الأب نحوها فالتفتت عائدة وهي تركض صوب الخيمة ومن خلفها الأب والأم وهي تجري ولا تلوي اوتقول شيئا ، وقفت بالقرب من الخيمة وأشارت بيدها وهي لا تستطيع أن تنطق ؟ .. دخل الأبّ .. وما أن رأى الطفل وتلك اللفات الدائريّة السوداء فوق صدره ، حتّى وجم في مكانه أيضا واصفرّ !! .. تقدّم رجل آخر ، فأشار عليه الأبّ أن لايحدث جلبة .. وجم الرجل أيضا .. وبهدوء تام دنا الأب برأس ـ الملهيب ـ الى جسم الثعبان الملتوي ، وبضغط خفيف جدّا على جسد الطفل ، مالبث أن قذف الملهيب بالثعبان ورماهبعيدا فارتطم بالقرب من الرجل الاخر الذي هجم عليه برفش حديدي فأصاب ذيله الذي بتر ، وليختفي الثعبان بين شقوق الأرض كفصّة ملح وقد ذاب .. وبعدها بثلاث سنوات ونفس الثعبان .. نعم .. هو نفسه الثعبان مقطوع الذيل حتفه كان قد تقرّر على يدي ت طاهري يمان ـ راعي قطيع الغنم ، ومذّ ذاك الوقت ، ومن تلك الحادثة تفتّق في ذهن الب موضوعة ـ جنجيلك ـ والتي هي عبارة عن حبلين متوازيين يشدّ في وسطها قطعة قماش متينة ن ومن ثمّ يوضع الطفل فيها بمامن من مخاطر الدبيب والحيوانات الضارّة ، فتحرّرت ـ قمو ـ قليلا من مسؤوليّة الرعاية ، وأخذت تخرج مع العاملين تحصد أو تجمع الأكوام الصغيرة الى أكبر وهكذا .. حتّى المساء حيث يتمّ تجهيز ـ باري بوش ـ وذلك بحزمه ب ـ وريس ـ وبحزمات رباعيّة أو ثنائيّة حسب طبيعة القش ومسافة التنقل ، وبعدها يتمّ نقلها الى البيادر او البيوتات بواسطة العربات التي تكون قد جهّزت خصّيصا لنقل هكذا محاصيل .. والحقيقة فقد برعت ـ قمو ـ في كافة مراحل هذا العمل .. ولكنها مشيئة القدر كانت وتلك السنة البائسة بكلّ معانيها و .. كان صبيحة ليوم مثلج شديد البرودة ، تصطك منها الأسنان وترتجف الأجسام حتّى وهي تحت اللحف ن تكاسلت أمّ ـ قمو ـ كثيرا وهذا الصباح الإستثنائي ، لابل لعلها البرودة القارسة وقد سمّرتها في مكانها تحت اللحاف بالرغم من الضغط الشديد من الأب ، وطلبه منها التهوض لتزويد المدفأة ببعض من الحطب أو ـ تبك ـ وبعد الحاح متكرّر .. نهضت الأمّ وجلبت بعضا من قطع الجلّة والحطب وأشعلت النار ، وشيئا فشيئا .. لبّت النار في الجلّة وانتشرت رائحة حريق لروث مصحوبة بدخان خفيف أبيض ، أخذت حدّته تزداد ، فيشي بصراع الحطب مع النار المكتوية بها الجلّة ، ورويدا رويدا دبّ في الجوّ ضجيج النار و ـ قجقجة ـ تفاعل الحطب مع لفحتها فتصطك وتتطقطق المدفأة المصنوعة من التنك ومعها تبعثر الدفء وتناثر بحرارنه ، ليرمي الجميع لحفهم ، والتمّوا حول النار الذي أخذ يسري بحرارته في أجسادهم … نهض الأب واقفا ، وفتح باب الغرفة يهمّ بالخروج ، وكمن أتتهلفحة من هواء قارس ، أو مانع جبّار فصدّته ومنعته من الزحف نحو الخارج لتردّه داخلا ، ولم تكن لها بالمطلق أيّة مقدّمات أو بدايات ، لابل ولا حتّى علامات مرضيّة سوى تلك الوقفة الصباحيّة ونتف الثلج تتناثر في أجواء بوطان والهواء القاصف زمهريرا يهبّ من الجودي فيتلاعب بها .. صرخة قويّة .. تلاها التواء وتقوّس يشبه انحناءة ومن ثمّ تمتمة ، فبدا الأمر وكحالة من أصابته طعنة خنجر أو طلقة رصاص ، وأخذ الأب يصرخ متألّما وعاد القهقرى الى حيث فراشه وجميعهم يتطلّع الى حيث وضع يديه .. ولا من أيّة أثر لشيء !! .. هرعت الأمّ نحوه وهي تصرخ وتلهث مستفسرة عمّا أصابه !! .. لا أدري !! .. لا أدري !! .. كان جوابه .. تأمّلت كامل جسده .. لا أثر لضربة أو بقعة دم ، كما ولم يكن هناك أيّ رعد أو صوت لبرق !! .. اتته نوبة حمّى وأخذ يرجف بشدّة .. غطّوه بكل الأغطية الموجودة عندهم ، وهرعت الأمّ الى ـ كادينا كا يي ـ وجلبت المزيد من الحطب والجلّة ، وأخذت تستزيد المدفأة نارا ملتهبة ، وما لبثت  وكمن تذكّرت أمرا .. صرخت في ـ قمو ـ أن تسرع الى بيت ـ جاركس ـ الحكيم وتناديه .. قدم ـ جاركس ـ وفحص الأب واستفسر عن بعض من الأمور وأخيرا شخّص الأمر وقال .. أنّه ـ قولنج ـ حاد وشديد أصابتك بشكل فجائي نتيجة لحرارة قويّة وبرودة شديدة .. واشار عليه ببعض من اليانسون والبابونج والسوائل الساخنة .. ومن ال ـ قولنج ـ بدأت مآسي الأب .. أيام وأسابيع .. شهور تلتها ومنهم من قال .. إنّه ـ بنجه شيره ت سرطان .. وآخر قال ـ ايشا زرا فه ـ سلّ وىخر شخّص ال ـ قولنج ـ والصّفار المرافق ب ـ زه ره كه ـ وآخرون قالوا فيما قالوا ـ دربك له بن جنكي كت يه ـ أو ـ در بك ل بشتي كه تي يه ـ والأب يوما بعد آخر تسوء حالته وتضعف مقاومته كما وشهيّته : إن للأكل أو الشرب ، فأضحى كالعود الرفيع حقيقة ، حتّى أنّه أصبح يجد صعوبة جمّة في الوقوف وزاده فقط هو البابونج واليانسون والزهور المجفّفة المغليّة ، ومن حكيم الى دكتور ، فمداو .. ولزم أخيرا فراشه داخل البيت يتألّم حينا لأوجاعه ، وأحيانا كثيرة لمأساته والطفلين وزوجته ولمن سيتركهم بعد رحيله ؟! .. والأمّ ها قد شمّرت عن ساعديها وبدأت تلهث في البحث عن لقمة العيش لأسرتها .. بداية لم يعانوا كثيرا .. بدؤوا بما اختزنوه .. و من ثمّ ما وفّروه .. وباشروا في بيع ما لا يلزم .. بداوا بالحيوانات … الجرّ اولا .. ثمّ باعوا البقرات .. المحراث وال ـ جنجره ـ وكان له نصف عربانة باعها للشريك ن وجاء دور البيت الشاسع والواسع ، فاحتفظوا بهذه الغرفة والصالة المطلّة على الشارعين وباعوا الباقي .. ولكنّه المرض ومن جديد العلاج والمصاريف .. ومع هذا لم يياسوا كما ولم تيأس الأمّ .. في البداية كانت تترك ـ قمو ـ في البيت لرعاية أبيها وأخيها الصغير ، وأمام ضغط الحاجة والعمل طلبت منها ان ترافقها ن وهذا ما كان الى ان أخذ الله امانته ، وتوفي الأب ، ومازالت ـ قمو ـ كلّما تتذكّر تلك الليلة ن تأبى الدموع إلاّ أن تغزو عينيها ن وهي تستعيد أحداث تلك الليلة المشؤومة التي ابتدأت بعويل شديد وصراخ ناجم عن وجع حقيقي للم يكاد أن يمزّق الجسد ، وما أنتهت تلك الآلام مطلقا بدموع أمّها وتوسّلاتها الى الله سبحانه وتعالى ، وكذلك دموعها ودموع أخيها التي انهمرت كنبع مدرار يتدفق وهي ترى وتلحظ بوضوح علامات الألم وتوّسات الجسد من شدّتها تزداد حينا وتخفت حينا ن لاتلبث ان تنبض بشدّة فتعتصر من جديد جسد والدها رويدا رويدا حتّى أنهوّن الله عليه وعليهم و … فاضت روحه ………..

                                 ***************************************

                          يتبع 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top