هوشنك أوسي
ما الذي يجمع بين هذين الاسمين؟!. سؤال، للوهلة الأوّلى، يبدو مدرسيّاً، وربما ساذجاً. وتنذرج هذه الورقة المتواضعة، في اطار الإجابة، عبر اجراء بعض المقاربات بين هاتين الشخصيّتين، قد تفضي لالتقاط بعض الخيوط، والوقوف عند بعض الحيثيّات، التي من شأنها إثارة ولو بعض الاسئلة الأخرى والتخمينات المقلقة، أيضاً وأيضاً.
1
التمّو، صاحب تجربة سياسيّة. ترك العمل التنظيمي والحزبوي، نهاية التسعينات، ومطلع الألفين، واتجه للعمل المدني والثقافي، وأصدر بعض الكتب، إن لم تخني الذاكرة، عنوان أحدها: "كنت ماركسيّاً"، يمكن اعتبارها ضمن المراجعات النقديّة!. ولم تمضِ سنوات، وبخاصّة بعد انتفاضة آذار 2004، وبعدها، استشهاد الشيخ معشوق الخزنوي، حتّى عاد التمّو للعمل السياسي والحزبي، ليترأس مشروعاً سياسيّاً، ذو ملمح ورنين حداثوي، اسماه: تيار المستقبل الكردي في سورية، سرعان ما اتضح انه لا يختلف كثيراً عن سابقيه من المشاريع الحزبيّة الكرديّة السوريّة الأخرى. وبالتالي، جمع التمّو في شخصه، ثنائيّة المثقّف _ السياسي، الحزبي، وحتّى لحظة استشهاده. ذلك ان المثقّف، ليس بالضرورة ان يكون سياسيّاً حزبيّاً، ولكن الحزبي السياسي، بالضرورة أن يكون مثقّفاً.
بينما سيدا، وبحسب العديد من المصادر، أنه غارد الحياة السياسيّة، واتجه للعمل التدريسي، والثقافي الفردي. وليس لديّ أيّ علم، عن كتب له، بهذا الخصوص. علماً أنني قرأت له مقالات عدّة، تنمّ عن وعي وتراكم ثقافي ومعرفي، عزّز من مكانته كأكاديمي، يحمل درجة الدكتوراه في الفلسفة. وربما يكون سيدا، أوّل كردي سوري، يحصل على درجة الدكتوراه، من جامعة دمشق، بعد نورالدين ظاظا، الذي كان حاصلاً على درجة الدكتوراه من سويسرا!. ومع اندلاع الثورة السوريّة، دخل سيدا المعترك السياسي، من بوّابة المجلس الوطني السوري، وكان مثار جدل، في الأوساط الكرديّة، سياسيّاً وثقافيّاً، إلى حدٍّ ما، ربما بنسب أقلّ مما أثاره الراحل التمّو من جدل وسجالات. وعليه، كلاهما، كانا أبرز المساهمين في تأسيس المجلس الوطني السوري، وأعلنا موقفهما انهما ماضيان في الانخراط والتحوّل الثوري، حتّى النهاية. فقضى التمّو نحبه شهيداً، ولا زال سيدا ينتظر. وربما لو كان سيدا في الوطن السوري، ربما سبق التمّو الى الشهادة!.
2
البيئة الأسريّة أو المنبت العائلي، لكل من التمّو سيدا، مختلفتان تماماً، لجهة ان منبت سيدا، انتج رموز في الحركة الحزبيّة الكرديّة، أبرزهما: الراحلين، عصمت وصبغت سيدا. بينما كان التمّو، هو الوحيد، من بين أسرته، الذي اتجه نحو العمل الحزبي الكردي، وبقي على عهده، حتّى لحظته الاخيرة. وهذا ليس انتقاص من أحد، معاذ الله، بل واقع، يعرفه القاصي والداني. ولا نكشف سرّاً، إن قلنا: ان البعض من آل التمّو، كانوا يعتبرون أنفسهم عرباً، والكثير منهم كانوا منتمين لحزب البعث. وأحدهم، وصل لرتبة لواء (طلال التمّو) في الداخليّة السوريّة. دون ان ننسى، بأن آل التمّو، كانوا دوماً محلّ احترام وتقدير جميع أهالي منطقة الدرباسيّة، أيّاً كان خيارهم السياسي. وكما ان اللواء طلال التمّو، مشهود له، بخدمته لأهالي منطقته وكل من قصده، وبأخلاقه وسمعته الحسنة بين الناس.
مقصد القول: مَن ترعرع في بيئة كرديّة حزبيّة سياسيّة، فارق النشاط السياسي الكردي!. ومن ترعرع في بيئة، شحيحة الاهتمام بالسياسة الكرديّة، بقي مستمرّاً في النشاط السياسي الحزبوي، لعقدين ونصف تقريباً!. لكنهما، وأقصد سيدا والتمّو، التقيا، في نهاية المطاف، ضمن إطار سياسي سوري معارض، هو المجلس الوطني السوري (المجلس الانتقالي).
3
التمّو، أسس مشروعه السياسي (تيّار المستقبل)، كفعل نقدي للحراك السياسي الكردي. وبدا للوهلة الأولى، قوميّاً، راديكاليّاً، وحازماً في مواقفه من الحركة الحزبيّة الكرديّة. وحين اندلعت الانتفاضة السوريّة، وانخرط التمّو، بدعم من التنسيقيّات الشبابيّة، وبما كان يحظى به من كاريزما وخطابة، وقدرة على التحشيد، بدأ التمّو، يخلع الرداء القومي الكردي، وصار راديكاليّاً في الاصرار والتأكيد على ضرورة الخيار الوطني السوري، وتأجيل الدعوات القوميّة الكرديّة، لما بعد إسقاط النظام. وهذا كان واضحاً في حراكه وخطبه ومواقفه. ولا يخفى ان جزء من هذا "التطرّف" الوطني، إن جاز التعبير، كان يتأتّى من مواقفه وردود أفعاله السلبيّة من الحركة السياسيّة القوميّة الكرديّة في سورية، مساعي المكاسرة، و"الدوبلة الوطنيّة!" على هذه الاحزاب!، إن جاز لنا التعبير.
بينما سيدا، بقي يحاول الميل نحو الاحزاب الكرديّة، وعدم التصادم معها، وسعى للعب دور توافقي، منحاز، هو أيضاً، ولو بنسب أقلّ من التمّو، للمشروع الوطني الكردي السوري، حتّى ولو كان على حساب تأجيل ضرورة التأكيد على المطالب الكرديّة في وثائق المعارضة السوريّة. حاصله، لنقل: حاول سيدا الامساك العصا من المنتصف. وكان هذا، يجعل التمّو، ينظر الى دور سيدا، بعين الشكّ والريبة، وكمافس قوي وندّ، يمكن ان يزاحم. ذلك ان التمّو، لم يريد ان يكون للحركة الكرديّة أي حضور في المجلس الوطني، إلاّ بما ينسجم وبوصلة مشعل التمّو. وقد أظهرت بعض التسريبات، بعض الرسائل المتبادلة بين سيدا والتمّو، حجم التبادين بهذا الخصوص، وتؤكّد هذه الفرضيّة!، وبل انطوت تلك المراسلات على لغة التهديد والوعيد التي انتهجها الراحل مشعل مع سيدا. طبعاً، من غير المعروف بعد، ردّة فعل سيدا على تلك الخطابات، وذلك الاسلوب التهديدي الذي تعاطى فيه التمّو مع سيدا. وربما يكون في أرشيف البريد الالكتروني للتمّو، شيء من هذا القبيل!.
أيّاً يكن من أمر، لو كان مشعل حيّاً، ربما كان هو أيضاً عضواً في المكتب التنفيذي للمجلس الوطني السوري، الى جانب سيدا. أو لربما كان وحده، دون سيدا، أو لربما كان قد أقصى أو أسقط سيدا!. وربما كان الامر، خلاف ذلك تماماً. فالمسألة كلها، فرضيّات.
4
بدأت بوادر الزعامة الكرديّة، لدى الراحل مشعل التمّو، تتبلور تباعاً. بخاصّة أن الافراج عنه، أتى بالتزامن مع بدايات الثورة السوريّة (مطلع حزيران 2011)، واستشهد مطلع تشرين الأوّل من نفس العام، يعني بعد مضي اربعة اشهر فقط من اطلاق سراحه!. وسبق اغتيال مشعل، حملة تخوين وتشويه، كان المقدّمة لتصفيته الجسديّة. وبالتالي، تمّت تصفيّته سياسيّاً ثمّ جسديّاً. وبالتأكيد، ان النظام يقف وراء اغتيال التمّو. إلاّ ان ما هو أكيد أيضاً، ان جهات كرديّة، تنفسّت الصعداء، بإزاحته، والقبول بأهون الشرّين: ان يكون مشعل، رمزاً وبطلاً وهو ميّت، أفضل من يصبح بطلاً ورمزاً وقائداً وهو حيّ!. لقد كان مشعل، مشروع منافس سياسي وأيديولوجي، قوي وحقيقي، يتعاظم خطره يوماً بعد آخر، لبعض التيّارات، وخاصّة في أوساط الشباب الكردي. وربما كان وجوده، هي نقطة الارتكاز التي يلتفّ حولها الشباب الكرد. أمّا الآن، فحتّى حزب مشعل، لم ينجُ من التشتت والانقسام. زد على ذلك، حالة الانشطار والتطاحنات السخيفة والتافهة التي تغرق فيها تنسيقيّات الشباب الكرديّة، بعد رحيل مشعل!.
الآن، عبدالباسط سيد، هو أيضاً، يتعرّض لحملة تصفيّة سياسيّة، وتشهير وتخوين. وبالتأكيد، ان لسيدا، مثالبه وأخطاءه، وتراخيه وسقطاته، إلاّ ان هذا لا يبرر ان يتمّ التهجّم عليه بهذه الطريقة، والانخراط في مساعي تصفيته سياسيّاً، من كل الاطراف. وربما تأتي التصفيّة الجسديّة فيما بعد، لا سمح الله. ثمّ يبدأ الكرد وأحزابهم وتنسيقيّاتهم الشبابيّة ومثقفيهم، مجدداً بالبكاء والنحيب والندب على فقدان سيدا، وذرف الدموع، وإقامة حفالات التأبين وتدبيج الخطابات والقصائد بحقّ سيدا والحديث عن مناقبه وسجاياه، ووصفه بـ(المفكّر الشهيد، والقائد الرمز)!، تماماً، مثلما فعلوا بحقّ مشعل التمّو، وقبله بحقّ الشيخ معشوق الخزنوي!. ذلك ان أيادي الغدر، يمكن ان تطال أيّ شخص، بمن فيهم سيدا، في حال تمّ اتخاذ قرار التصفيّة بحقّه. وإذا كان صعباً، وليس مستحيلاً، الوصول اليه في السويد، فأنه من اليسير الوصول اليه أثناء تواجده في اسطنبول أو المدن التركيّة. لذا، انا قلق وخائف على مصير هذا الكردي السوري، الذي اسمه عبدالباسط سيدا (مع حفظ الالقاب). وما يزيد من حالة القلق والرعب لدي، هذه الهسترة، في التعاطي التخويني معه.
5
يجب ألاّ تتكرر نهاية مشعل التمّو، مع أيّ سياسي كردي سوري آخر، ومع أيّ شخص في العالم. يجب ألاّ تكون نهاية عبدالباسط سيدا، طبق الاصل عن نهاية مشعل التمّو. دون ان ننسى، انه على سيدا، ان يجري مراجعة نقديّة لتجربته ومواقفه واسلوب تعاطيه مع التحدّيات التي تعترضه. عليه الحذر ثم الحذر ثم الحذر من الاتراك!. دور المحامي والمدافع عن حزب العدالة والتنمية، لا يناسبه، ولا يليق بشخص في مقامه ومنبته. لا يكفي ان يطالب سيدا، احمد داوود أوغلو ورجب طيب أردوغان بضرورة حلّ القضيّة الكرديّة في تركيا، في الاجتماعات المغلقة. يجب عليه الجهر بمواقفه المساندة لحقوق الكرد والأرمن والسريان والعرب والعلويين والايزيديين…، في تركيا، ويدعوا لرفع الظلم عنهم في الاعلام التركي والكردي والعربي. وهذا من صلب مهام سيدا، كمثقف واكاديمي ورجل سياسي وقيادي كردي سوري معارض، قبل أيّة اعتبارات أخرى. عليه أن ينفتح على تركيا وعلى حزب العمال الكردستاني، بقلب وعقل أكثر سعة. ويجد الكردستاني أقرب إليه من تركيا. عليه الانفتاح على الاتراك، ويحذر ويتحطاط مكرهم. فمن خذع زعيماً من وزن أوجلان، ومن خدع زعيماً من وزن لينين، ومن خذع العرب من الحقبة العبّاسيّة وللآن، لن يصعب عليه خداع عبدالباسط سيدا. على الأخير، العمل، بشكل جاد وحثيث، على سحب البساط من تحت أقدام، من يريدون تكرار سيناريو مشعل التمّو معه.
قصارى الرأي: المرء بشعبه، وبوطنه. ولا ينفع المرء وطنه، إن أدار له الشعب ظهره. ومن يدر ظهره للشعب، يدر الشعب ظهره له. المناضلون الحقيقيون، لا يغريهم رنين المناصب، ولا يسكرهم بريق الالقاب. تحقيق الحريّة للناس، أفضل وأصعب بكثير من ان يستشهد المرء في سبيلها. لا نريد ان نخسر معشوقاً آخر، ولا مشعلاً آخر. ويجب ان نحول دون ذلك، ما استطعنا اليه سبيلا.
17/04/2012
كاتب كردي سوري
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






