هوشنك
أوسي
من
حقّ السياسي أن يناور. فلا سياسة من دون مناورة. ومن حقّ السياسي الالتفاف على
الحقائق، اذا اقتضدت الضرورة. فالضرورات تبيح المحظورات، شريطة ألاّ يستغبي عقول
الناس. ولكن، إن سقطت أسباب تلك الضرورات، يغدو الكلام عنها، من طينة استغباء
البشر، للحدود القصوى. شأنه شأن من اختلق وهماً، وانكبّ على عبادته ليل نهار،
ويطالب المحطين به، بصدقيّة المعبود _ الوهم، وصدق العابد، الناسك الزاهد!.
بعد
ان اعلن حزب العمال الكردستاني عن نفسه سنة 1978، قرر زعيم الحزب، السيّد عبدالله
أوجلان، الفرار الى سورية. وعانى أوجلان، الكثير الكثير من المرارة والضنك والعذاب
وبذل كثير من االكد، في لبنان ودمشق، وبين الفلسطينيين, حتّى وجد لحزبه موطئ قدم.
تعزز هذا الموطئ، بعد اجتياح اسرائيل للبنان، وانخراط الحزب، ذو العود الغضّ الطري
في المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة. وبعد مقاومة قلعة شقيف، التي استشهد فيها 11
مقاتل كردي من الكردستاني، لفت الاخير الانتباه لنفسه. وهنا، بدأت قنوات الارتباط
تسخن بينه وبين النظام السوري، على عهد الاسد الأب. استفاد أوجلان من هذه الحقبة
للحدود القصوى. واستفاد النظام السوري من العمال الكردستاني للحدود القصوى،
محليّاً وإقليميّاً. كان الكردستاني مخلب قطّ للنظام السوري، وكانت سورية
للكردستاني، المنصّة والخزان البشري الذي يرفد الثورة الكردستانيّة بالمقاتلين
والاموال. وهنا، ربما الخطأ الفادح، الذي يمكن تسجيله على الكردستاني وأوجلان، انه
اعتبر الاسد الأب، صديق الشعب الكردي. ولم يكن الكردستاني وزعيمه وحدهما في هذا المذهب،
بل نحى ولا لا زال الاتحاد الوطني الكردستاني، وزعيمه جلال طالباني، ينحوان نحو
العمال الكردستان وزعيه، سابقاً، في موقفهما من الاسد الاب. ذلك ان من يضطهد شعباً
كرديّاً في بلاده، يستحيل عليه ان يكون صديق شعبٍ كردي في بلاد خصومه (العراق
وتركيا) آنئذ.
استفاد
الكرد السوريون من وجود العمال الكردستاني، لجهة حدوث فورة تنظيميّة وسياسيّة،
ثوريّة ونضاليّة. وحدثت تجاوزات وتطاولات وتخريبات من الكردستاني في الساحة
الكرديّة السوريّة. وهذا ما لا ينكره الحزب وقياديوه!. عزز ذلك، الفراغ الذي كان
حاصلاً نتيجة تشتت وتخبّط الحركة السياسيّة الكرديّة. استثمر العمال الكردستاني،
ولا يزال، قاعدته الجماهيريّة الكرديّة السوريّة للحدود القصوى. ولا زال ينشط بين
الكرد السوريين، رغم نفيه ذلك. ويكفي دليلاً، وجود معتقلين له في السجون السوريّة.
وأكيد ان هؤلاء المعتقلين، ليسو من حقبة الثمانينات ولا التسعينات. بل ينتمون
لحقبة مابعد 2005. اي بعد تأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي. وينفي الاخير، وعلى لسان
رئيسه السيّد صالح مسلم محمد أنه فرع من حزب العمال الكردستاني. ويؤكد انه حزب
كردي سوري. وان ما يجمعه بالعمال الكردستاني، هو الايديولوجيّة الأوجلانيّة فقط.
كما ينفي قياديو العمال الكردستاني أيّ تواجد لهم في سورية، وأن الاتحاد
الديمقراطي هو فرع لهم. والحقّ ان هذا الكلام، يحتاج الى الكثير من القرائن
والدلائل. ذلك ان حزباً كردستانيّاً عقائديّاً، ثوريّاً، قتاليّاً، بقي لثمانية
عشر عاماً في جغرافيا طبيعيّة وبشريّة كرديّة معيّنة، يستحيل عليه ان يتخلّى عنها،
بسهولة.
ما
هو مفروغ منه، انه لم يعد هنالك أيّ مبرر لوجود لنشاط العمال الكردستاني في سورية.
لجملة من الاسباب، ابرزها:
تمتّعه
بقواعد عسكريّة وسياسيّة منتشرة في العالم، وبخاصّة في كردستان الجنوبيّة.
وجود
حزب الاتحاد الديمقراطي، كحزب كردي سوري، أوجلاني الايديولوجيّة، كافي وكفيل، بنفي
مبررات وجود العمال الكردستاني بين الكرد السوريين لجهة نشر الفكر الاوجلاني في
غرب كردستان وتنظيم الجماهير. واذا بقي العمال الكردستاني، محافظاً على تواجده في
سورية وغرب كردستان، هذا يعني انه لا يثق بـ"حليفه" الاتحاد الديمقراطي،
الذي يشاطره نفسه الايديولوجيا، ونفس الشعارات، ونفس الطروحات. وربما لا تكون
المشكلة في العمال الكردستاني، بل بحليفه الكردي السوري، الذي لا يريد ان يدرك
بأنه يمكنه ان يكون أوجلاني الايديولوجيا والطروحات والمشاريع، دون ان يكون خاضعاً
لسياسات ومواقف العمال الكردستاني مما يجري في سورية والعالم!. غالب الظن، ان
المشكلة في الموالين للعمال الكردستاني في سورية وليس في حزب العمال نفسه!.
حزب
العمال الكردستاني، موجود في غرب كردستان. ومن يخشى على صوابيّة وجوده، لا يسعى
لإنكارها. زد على ذلك انه لا زالت الهويّة الكرديّة السوريّة للاتحاد الديمقراطي،
غير كاملة النضوج. فالكثير من قيادييه البارزين والأسياسيين والاستراتيجيين، هم
بهويّة حزبيّة مزدوجة. بمعنى، هم أعضاء وقياديون في الكردستاني، وفي الاتحاد
الديمقراطي، في آن معاً!. ولعل هذه سابقة سياسيّة، لا يمكن ان نجد لها نظيراً في
أيّة بقعة من العالم؟!. فالحزب الشيوعي السوري والعراقي واللبناني…و و، لم يكن
أعضاؤها أعضاء في الحزب الشيوعي السوفياتي!. وصحيح انه هنالك احزاب كرديّة موالية
لرئيس اقليم كردستان الجنوبيّة، مسعود بارزاني وحزبه، وللاتحاد الوطني الكردستاني
وزعيمه، الرئيس العراقي جلال طالباني، إلا ان قيادات هذه الاحزاب السوريّة، لا
تحمل العضويّة الحزبيّة في حزب طالباني وبازراني. فالسيّدان عبدالحميد درويش
وعبدالحكيم بشار، لسا عضوين في الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني العراقيين!.
حتّى ان الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني لهما فقط مكتبان تمثليّان في
دمشق وقامشلو، وليس لهما تنظيم حزبي نشط بين كرد سورية. خلافاً لما هو عليه العمال
الكردستاني. ولا يعني ان هذا الحزب، يجب ألاّ يكون متواجداً في غرب كردستان
وسورية. على العكس تماماً، ولكن بصفة تمثيليّة وليس تنظيميّة. لأن الكردستاني، لهو
حليف سياسي كردي سوري في سورية وغرب كردستان، فيسقط بذلك كل مبررات وجوده كتنظيم
سياسي بين الجماهير الكرديّة السوريّة.
يجب
ألاّ يُفهم هذا الكلام، يسعى البعض تفسيره عن انه يراد منه دقّ اسفين بين الكرد
السوريين والعمال الكردستاني. قطعاً لا. وبل يجب على الشعب الكردي السوري، مواصلة
دعم العمال الكردستاني. ومن اراد الانخراط في صفوفه من الكرد السوريين، هو حرّ.
وهذا واجب قومي ووطني، لمن يرى فيه نفسه القدرة على ذلك. على ان يذهب الى الامكان
التي يفترض وجود الكردستاني فيها، لا أن يأتي بالكردستاني الى سورية وغرب
كردستان!.
يؤكّد
حزب الاتحاد الديمقراطي، وعلى لسان رئيسه انه سيقاومون التدخّل العسكري في سورية،
كائن من كان المتدخّل!. وينفي ان لديه مقاتلين!. والحال هذه، بماذا سيقوم هذا
الحزب، التدخل العسكري؟!. هل بالبيانات والاعتصامات!؟.
بقول
رئيس الاتحاد الديمقراطي: "انتشرت
عصابات السرقة والنهب مما يتطلب تنظيم بعض الشباب لحماية قراهم وأحيائهم من تلك
العصابات والدخلاء ليلاً، وهذا ما يفسره البعض بالتنظيم العسكري بينما الأمر ليس
كذلك". والسؤال: ما هي الوسائل التي يتبعها هؤلاء الشبّاب، (العزّل من ايّ
نوع من انواع السلاح!)، في ردع عصابات الجريمة المنظّمة!؟. هل بالايدي الفارغة
والصدور العاريّة؟!. ثم ماذا عن بيانات ما سمّي، بـ"مقاتلو الشهيد خبات"،
وما قامت به من اعمال عنفيّة انتقاميّة؟!. لمن تتبع هذه الجماعة؟، لهم أم للعمال
الكردستاني؟!.
يؤكّد
الاتحاد الديمقراطي، وعلى لسان رئيسه، بأنه "كل
من يعادي فلسفة وفكر القائد أوجالان يعادينا، باعتبارنا نتمسك بفكر وفلسفة القائد
آبو. وكل من يعادي الفكر والنهج الوطني السوري يعادينا أيضاً، لأننا من مؤسسي هيئة
التنسيق الوطنية التي تتكون من قوى وطنية ديموقراطية بامتياز وترفض التدخل الخارجي
في الشأن السوري، وكل من يعادي الشعب الكردي وحل القضية الكردية يعادينا أيضاً
لأننا القوة الكردية الأكبر والأكثر قدرة على الدفاع عن القضية الكردية وحلها".
الحقّ
ان هكذا كلام، لا علاقة له بالسياسة بتاتاً، لا من قريب ولا من بعيد. وينمّ على
سطحيّة، مضافاً اليها التخوين. هكذا كلام، يراد به، زجّ العمال الكردستاني، أكثر
وأكثر في سورية، وتأليبه على من ينتقد الاتحاد الديمقراطي. فليس كل من ينتقد
الاتحاد الديمقراطي، يكره أوجلان ويعادي فكره!. (ومعروف تماماً مكانة أوجلان لدى
العمال الكردستاني). وليس كل من ينتقد الاتحاد الديمقراطي، لمجرّد أنه ينتمي لهيئة
التنسيق وكان من مؤسسيها!. وليس كل من ينتقده، هو من دعاة التدخّل والاحتلال. واذا
كان الامر هكذا، فأن قطاعات واسعة من الشعب الكردي، والسوري، ينطبق عليها تصنيفات
الاستاذ مسلم!؟. ان هذا الكلام، هو تخوين بالجملة والمفرّق!. ويثير القلق مما هو
آت!.
الحقّ،
أنه نتيجة هذا التخبّط المريع في أداء وخطاب الاتحاد الديمقراطي، ربما يضطر المرء
الى الاستنجاد بالعمال الكردستاني، لانقاذنا من هذا الهذر والمذر، الصادر ممن
"يشاطرونهم" الأيديولوجيا!. ذلك ان تصريحات قيادة العمال الكردستاني،
ومنها، تصريحات السيّد مراد قره ايلان الأخيرة، هي افضل بكثير، واكثر اعتدال
وتوافقيّة، وتنطوي على الكلام السياسي والمناورة، من تصريحات رئيس حزب الاتحاد
الديمقراطي!.
للأسف،
أن قياديين كرد سوريين بارزين، صاروا بكررون اهزوجة الاعلام السوري عن المال
الخليجي والاعلام الخليجي، بشكل مبتذل، يسيء لهم، ويجعل منهم، بشكل غير مباشر
وموضوعي، أداوات إعلاميّة مجّانيّة للنظام السوري!. هذا لا يعني أنه لا يوجد مال
خليجي وأعلام خليجي منحاز للثورة السوريّة. ولا اعلم ما الضير من ذلك!. ثم ان هذا
الاعلام، نفسه، استضاف اكثر من مرّة السيد مسلم!. فلماذا لم يرفض الظهور على
الاعلام الخليجي وقتئذ!؟. اعتقد ان كلام الاستاذ صالح، غير صالح في السياسة، وهو من
صنف الكلام الذي لا تربطه آصرة بالعقل والمنطق، ودأبه التخوين قوميّاً ووطنيّاً!.
ومن المؤسف جداً، ان يصدر من شخصيّة وطنيّة مناضلة من وزن صالح محمد!.
وعطفاً
على تصريحات السيّد صالح محمد الاخيرة، يمكننا التساؤل: كيف لهيئة التنسيق ان ترفض
التدخّل في الشؤون السوريّة، وقيادات الهيئة، تتنقل بين موسكو، وبكين!؟. وإذا كان
المجلس الوطني السوري والمجلس الوطني الكردي السوري، بهذا القدر من السوء
والبشاعة، لماذا وافق مسلم على الجلوس معهم والتفاهم معهم!؟. كيف لنا نخوّن شخصاً،
ونحاول الوصول معه الى تفاهم واتفاق؟!.
اعتقد
ان تكرار رفض عسكرة الثورة، ورفض تسليح الثوّار في سورية، يجب ان يكون مقروناً
برفض عسكرة الثورة في امكان أخرى. فلا يستقيم الكلام عن سلميّة الثورة السوريّة
ورفض عسكرتها، وتسليح المعارضة، مع تزويد الثورة الكردستانيّة بكل أشكال الدعم
طيلة عقدين!. وإلاّ، لوجب على محمد مطالبة العمال الكردستاني بإلقاء السلاح والكفّ
عن ممارسة العمل المسلّح ضدّ تركيا. أو وجب عليه مطالبة حزب الحياة الحرة
الكردستاني بوقف العمل المسلح ضد ايران!. وإلاّ كيف للمرء ان يكون لاعنفي وسلمي،
ويرفض عسكرة الثورات، وخاصة الثورة السوريّة، في مواجهة هذا الوحش القاتل، وفي
الوقت عينه، لا يرفض استخدام السلاح في الثورة الكردستانيّة ضدّ تركيا وايران!.
فحقّ المقاومة المسلّحة، مثلما هو مشروع ويقرّه القانون الدولي في تركيا وايران،
كذلك هو مشروع في سورية، أقلّه للحفاظ على النفس!.
قصارى
القول: هكذا كلام، وهكذا ذهنيّة، لن تجعل أصحابها خارج المكان فقط، وبل خارج
الزمان والسياق الثوري الحقيقي. في حين ان التهليل لهيئة التنسيق وكأنها فتحت
طروادة الأسد، وانقذت الشعب الكردي السوري، والتسويق الكوميدي لهذا القيادي من
الهيئة أو ذاك، على ان رمز وطني كبير، لا يطال قامته أحد، وكيل اللعنات للآخرين
وتخوينهم، فيه الكثير من اللغو والاسفاف!. فلا هيئة التنسيق انصفت الكرد، ولا المجلس
الوطني السوري. رغم ان الاخير، يتقدّم على الأولى، بتعاطيه الايجابي مع الكرد في
ميثاقه وتصرحياته. يبقى القول: إن هيئة التنسيق، لا تشكّل أيّ وزن يذكر بدون حزب
الاتحاد الديمقراطي!. وبقية التكوينات الموجودة فيه، هي عبارة عن اشخاص لا اكثر.
7/3/2012
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






