د. مرشد اليوسف
تدخل تركيا مرحلة جديدة في مسارها مع حزب العمال الكردستاني، بعد إقرار البرلمان في 10 آب/أغسطس 2026 إطاراً قانونياً لنزع سلاح الحزب وإعادة إدماج أعضائه في الحياة المدنية. وقد حظي القانون بتأييد واسع داخل البرلمان، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية وحليفه حزب الحركة القومية وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب المؤيد للكرد.
لكن اللافت في هذا المسار أن الدولة التركية ما زالت شديدة الحذر في استخدام المفردات السياسية. فالقانون يتعامل أساساً مع التنظيم المسلح وأفراده والسلاح والإدماج القانوني، ولا يحول المسألة صراحة إلى اعتراف دستوري أو سياسي بـ«القضية الكردية». كما أن القانون لا يحسم قضايا أوسع، مثل الحقوق السياسية والثقافية واللغوية للكرد أو وضع السيد عبد الله أوجلان.
وهنا تظهر المسألة الأكثر حساسية: هل هذا الحذر مجرد واقعية سياسية، أم أنه جزء من استراتيجية للحصول على نزع سلاح حزب العمال أولاً ثم ترك القضية الكردية معلقة؟
من الصعب وصفه الآن بأنه خدعة مؤكدة. فهناك بالفعل تطور جوهري في مسار الصراع، فقد سبق القانون إعلان أوجلان في شباط/فبراير 2025 الدعوة إلى إنهاء الكفاح المسلح، ثم إعلان حزب العمال إنهاء نشاطه المسلح وحل بنيته التنظيمية. وبالتالي فإن العملية ليست مجرد مناورة لفظية، بل مسار سياسي له خطوات عملية.
ومع ذلك، فإن مخاوف الكرد مشروعة.
فهناك فرق كبير بين إنهاء الحرب وبين حل القضية التي أنتجت الحرب. تستطيع الدولة أن تقول: «انتهى التنظيم المسلح، وبالتالي انتهت المشكلة»، بينما يستطيع الكرد أن يقولوا: «انتهى السلاح، لكن المشكلة السياسية والثقافية والقومية ما زالت قائمة».
خاصة وأن ميزان القوة يميل بصورة كبيرة لمصلحة الدولة، لأن الطرف الكردي يكون قد تخلى عن أهم أدوات الضغط قبل الحصول على ضمانات واضحة بشأن الحقوق.
ولهذا فإن غياب كلمة «الأكراد» من القانون لا ينبغي أن يُفسر وحده على أنه دليل على الخديعة، لكنه مؤشر سياسي مهم إلى طبيعة الرؤية التركية للعملية. أنقرة تبدو حريصة على أن تقول إنها تعالج «الإرهاب والسلاح»، لا أنها تعقد اتفاقاً قومياً مع شعب كردي له قضية سياسية.
وهذه ليست مسألة لغوية بسيطة. فاللغة القانونية تحدد أحياناً طبيعة التسوية نفسها.
وإذا كانت تركيا تقول: «نحن نعيد إدماج أفراد تنظيم مسلح»، فالقضية أمنية.
أما إذا قالت: «نحن نعالج القضية الكردية»، فالقضية تصبح سياسية ودستورية ومجتمعية.
ومن هنا ينبغي على الجانب الكردي ألا يكتفي بضمانات العفو وإعادة المقاتلين، بل أن يراقب ما سيأتي بعد نزع السلاح. فالاختبار الحقيقي لنوايا أنقرة لن يكون في القانون الذي صدر أمس، وإنما في القوانين والإصلاحات التي ستصدر بعد أن يصبح السلاح خارج المعادلة.
إن السلام الحقيقي لا يقاس فقط بعدد البنادق التي تُسلَّم، وإنما بعدد الحقوق التي تُضمن.
ولذلك فإن أكثر صيغة واقعية للموقف الكردي هي: دعم السلام، وتشجيع إنهاء الحرب، لكن مع الحذر من أن يتحول السلام إلى عملية أحادية الاتجاه: الكرد يقدمون السلاح، والدولة تؤجل الحقوق إلى أجل غير مسمى.
فالسلام الذي ينزع السلاح من طرف ولا يغير البنية السياسية التي أنتجت الصراع قد يوقف الحرب مؤقتاً، لكنه لا يضمن بالضرورة نهاية القضية.
أما السلام الذي يحول السلاح إلى سياسة، والتمرد إلى مشاركة ديمقراطية، والهوية الكردية من موضوع أمني إلى حق دستوري وثقافي طبيعي، فهو وحده القادر على إغلاق صفحة الصراع بصورة تاريخية ومستدامة.






