الخميس, مايو 30, 2024

اسطنبول وأنقرة والكُرد… طريق صعود وسقوط أردوغان

آراء

لزكين إبراهيم

حقق حزب الشعب الجمهوري المعارض -ولأول مرة- فوزاً ساحقاً على الحزب الحاكم في تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان، وذلك بحصوله على بلديات 35 مقاطعة من أصل 81 محافظة في تركيا – بما في ذلك المدن الخمس الأكثر اكتظاظا بالسكان في البلاد – في حين حصل حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي بزعامة أردوغان على 24 مقعدا، والأهم من ذلك، أن حزب الشعب الجمهوري حصل على 37.8% من الأصوات على مستوى البلاد، مقابل حصول العدالة والتنمية على 35.5%. ليعد بمثابة استفتاء شعبي حقيقي لشعبية الحزب الحاكم ورئيسه أردوغان الذي فاز في الانتخابات الرئاسية العام الماضي بفارق بسيط على منافسه كليجدار أوغلو، إلّا أنّ نتائج هذه الانتخابات المحلية شكّلت نقطة تحوّل كبيرة، سيّما أن فوز المعارضة عزّز مكانة إمام أوغلو، الذي أصبح أقوى منافس لأردوغان بعد أقل من خمس سنوات من صعوده إلى الواجهة السياسية؛ منذ أن انتزع مقعد عمدة اسطنبول من سيطرة حزب العدالة والتنمية.

لا تقلّ أهمية الانتخابات البلدية التي جرت في 31 مارس/آذار 2024 في تركيا عن انتخابات عام 1994، التي جرت قبل 25 عاماً. ففي ذلك العام، انتَخبت أهمُّ مدينتين (اسطنبول وأنقرة) في تركيا، رؤساء بلديات من الحزب الإسلامي السابق الذي انبثق منه حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. ومن حينها بدأت الهيمنة السياسية التدريجية للحركة الإسلامية من المستوى البلدي إلى المستوى الوطني، ليصعد معها رجب طيب أردوغان، الذي انتُخب رئيساً لبلدية إسطنبول، ولمع نجمه حين قدم نفسه كشخصية إصلاحية وأوهم بأنه سيحلّ القضية الكردية، ليصبح الصوتُ الكردي أحد أبرز الدعائم التي أوصلته إلى هرم السلطة، إلّا أنه وبعد 25 عام عاد ذاك السيناريو ليتكرر ولكن بشكل عكسي، لينذر فقدانه لإسطنبول وأنقرة والأصوات الكردية بنهاية الصعود وبداية السقوط التدريجي.

فما هي أبرز الأسباب التي ألحقت هذه الخسارة المدوية بحزب العدالة والتنمية وشريكه الحركة القومية؟ وكيف ستنعكس على سياسات تركيا الداخلية والخارجية بعد الانتخابات؟ وما أهميّة الصوت الكردي في تغيير المعادلة في هذه الانتخابات؟

دلالات خسارة العدالة والتنمية وانعكاساتها على سياساته

كان من الممكن أن يمنح فوز العدالة والتنمية في إسطنبول، والتي كان أردوغان قد قال عنها ذات مرة “إنّ من يفوز بإسطنبول يفوز بتركيا”، الزخم السياسي لأردوغان، لاستكمال هدفه المتمثل في تعديل الدستور لإطالة فترة وجوده في منصبه، إلّا أنّ خسارة المدينة -التي تمتد بين أوروبا وآسيا والتي تعتبر القوة الاقتصادية لتركيا، والتي تشكل ما يقرب من خمس سكان البلاد- بالإضافة إلى خسارة العاصمة أنقرة، وفارق الأصوات بين المعارضة والحكومة قد يجبر أردوغان على إعادة النظر في محاولات تغيير الدستور، إذ بات الأمر خطيراً بالنسبة له، لأنّه كان ينوي طرح دستوره الجديد على الاستفتاء الشعبي في حال لم يستطع تمريره في البرلمان، ويبدو أنّ نسبة التصويت لحزبه جاءت صادمة، وانعكس ذلك بوضوح حتى على لهجته المتحمسة والمتغطرسة التي تغيّرت بشكلٍ كبيرٍ عقب هزيمته، ليعترف أردوغان خلال خطابه للأمة من شرفة القصر الرئاسي، بـ”الانتكاسة”. لذا تثير المكاسب الضخمة التي حققتها المعارضة في الانتخابات المحلية احتمالية تراجع الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم عن بعض سياسات “الزعيم الشعبوي” وإعادة النظر في سياساته الداخلية ومحاولات استعادة بعض شعبيته قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة. وبالتالي يمكن أن توسع حكومة أردوغان سياسات “التطبيع” التي تتضمن أيضًا تهدئة العلاقات مع حلفاء الناتو مثل الولايات المتحدة واليونان المجاورة، واعتماد برامج أقل عدائية في الداخل وخاصة تجاه الكرد.

على الصعيد الخارجي قد تتغير علاقات ونظرة أمريكا والغرب بعد هذه الانتخابات تجاه أردوغان، وهذه الخسارة المدوية لأردوغان قد تقلب المعادلة عليه، وتبدأ مرحلة الضغوطات والابتزاز الأمريكي والغربي ضد أردوغان عبر تهميش دوره وزيادة الاهتمام بالمعارضة، وفتح ملفات الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها الحكومة التركية في الداخل بحقّ المعارضين والكرد، وفي الخارج كعلاقاتها مع التنظيمات الإرهابية، والجماعات المسلحة الموالية لتركيا، وما يرجح هذه الفرضية أنّ العديد من المنظمات الدولية والأممية مثل منظمة “هيومن رايتس ووتش” ركّزت في تقاريرها الأخيرة التي أصدرتها خلال شهر فبراير/شباط 2024 على انتهاكات الحكومة التركية، وأكّدت أن تركيا هي “المسؤولية عن الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب المحتملة التي يرتكبها عناصر قواتها والجماعات المسلحة التي تدعمها في الأراضي التي تحتلها تركيا في شمال سوريا”. بالإضافة إلى أنّ لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا، وصفت في تقريرها الصادر بتاريخ 11 مارس/آذار 2024 بأنّ الهجمات التي شنّتها تركيا على مناطق إقليم شمال وشرق سوريا وما تسببت به من تدمير البنية التحتية والمنشآت الحيوية ترقى إلى “جرائم حرب”. فكل هذه التقارير الأممية والدولية تُعتبر ملفات قوية بيد أميركا والغرب لإدانة حكومة أردوغان وابتزازه وإرضاخه.

إنّ أردوغان الذي كان يدرك حجم المخاطر الداخلية والخارجية التي تحيط به، سارع قبل خوض الانتخابات وفي إطار الدعاية الانتخابية لإجراء العديد من الخطوات السياسية لإقناع الداخل التركي بأنّ الظروف الاقتصادية والسياسية تسير نحو التغيير والتحسن، وذلك كإعادة العلاقات مع مصر وقبول انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسي، واللافت أكثر أنّ وسائل الإعلام التركية الموالية للحكومة سرّبت قبل يومين فقط من موعد الانتخابات أنباءً عن استعداد أردوغان لزيارة واشنطن في 9 مايو/أيار 2024 والاجتماع مع الرئيس الأمريكي جو بايدن، لمناقشة القضايا المشتركة والخلافية وحلّها، وذلك في محاولة لإيصال رسالة إلى الداخل التركي بأنّ أردوغان لايزال السياسي الذي يفرض شروطه على أمريكا والغرب. ولكن يبدو أن خسارة أردوغان في هذه الانتخابات سيكون لها انعكاسات سلبية على زيارته المرتقبة، لأنه سيزور واشنطن وهو في موقف ضعيف هذه المرة، وبدلاً من استحصال تنازلات جديدة من بايدن، سيقدم هو التنازلات، هذا إذا لم يلغِ بايدن المنشغل بالانتخابات الرئاسية لقاء أردوغان من جدول أعماله.

الكرد يخلقون واقعا جديداً

في جنوب شرق البلاد، وعلى الرغم من سنوات القمع التي شهدت إقالة رؤساء البلديات الكرد، واعتقال الآلاف من النشطاء السياسيين الكرد بتهم الإرهاب، فاز حزب المساواة والديمقراطية للشعوب (DEM Partî) في 10 مقاطعات، بينما فاز حزب الحركة القومية المتحالف مع أردوغان في ثمانية محافظات. ما يعني أن الكرد أثبتوا في هذه الانتخابات مرة أخرى بأنهم يشكلون رقماً صعباً في ترجيح كفة أي طرف يتحالفون معه، وبالتالي فإنّ الفوز الذي حققه حزب المساواة والديمقراطية قد يُجبر كلاً من أردوغان والمعارضة على التنافس لكسب الكرد إلى صفهم قبل موعد الانتخابات الرئاسية في عام 2028، لأن أصواتهم باتت الضامن للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة، أكثر من أصوات القوميين، وهذا ما أثبتته الانتخابات المحلية التي شكل صوت الكرد فيها مفتاح فوز إمام أوغلوا في اسطنبول.

ويبدو أنّه بعد الانتكاسة التي أصابت حزب الشعوب الديمقراطية (HDP) السابق خلال الانتخابات الرئاسية الماضية، وفقدهم نسبة من قاعدتهم الشعبية في المحافظات الكردية، نتيجة دعمهم لـكليجدار أوغلو، الذي خسر أمام أردوغان، أعاد الحزب الكردي النظر في سياساته، واتبع نهجاً مختلفاً منذ تغيير اسمه إلى “حزب المساواة والديمقراطية للشعوب” حيث بات يقدم نفسه كحزب كردي بشكلٍ أوضحٍ، وخاض الانتخابات المحلية في عموم البلاد باسمه دون التحالف مع الحكومة أو حزب الشعب الجمهوري، الذي لازال يحتفظ بالنزعة القومية الفوقية، الأمر الذي انعكس إيجاباً على عودة قواعده الشعبية وظهر بشكلٍ واضحٍ من خلال نتائج الانتخابات في المحافظات الكردية وحصوله لأول مرة في تاريخ تركيا على جميع بلديات محافظة وان.

الرؤية:

أثبت تقدُّم حزب المساواة والديمقراطية على العديد من الأحزاب التي لها تاريخ طويل في السياسة التركية مثل “حزب الحركة القومية” والأحزاب الإسلامية كحزب “هدى بار الكردي” وغيرها أنّ الوعيَ السياسي الكردي في تصاعد داخل تركيا، وظهر ذلك جليّاً في النزول الواسع للكرد إلى الشوارع في الكثير من المحافظات رفضاً لمحاولات الحكومة انتزاع بلدية “وان” من يد الكرد بعد أن فازوا فيها بفارق أصوات كبيرة. كما أثبتت أنه لم يعد بإمكان العدالة والتنمية ولا أحزاب المعارضة استغلال الكرد، وأن الكرد باتوا يملكون إرادة التغيير وهم أصحاب أصواتهم التي يمكنهم هذه المرة استثمارها لنيل الكثير من المكاسب من الحكومة والمعارضة معاً. لذا فإنه بالنسبة لأردوغان وإمام أوغلو -الذي ستعزز نتائج الانتخابات المحلية مكانته كمنافس قوي للرئاسة في عام 2028- أنّ من يكسب الكرد خلال السنوات الأربعة القادمة سيفوز بالرئاسة التركية.

ويبدو أن أردوغان سيكون أمام خيارين بعد خسارته المدويّة في الانتخابات المحلية، وهي إما إدخال البلاد في حروب داخلية وخارجية جديدة؛ عبر إطلاق حملات تضييق ضد الكرد والمعارضة، وشن حروب خارج الحدود في العراق وسوريا، لخلط الأوراق وزيادة الاحتقان الداخلي بين الأتراك والكرد، والسعي للهيمنة مرة أخرى على البلديات التي كسبها الكرد، أو أن يضيق الخناقُ عليه والتوجه نحو انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة. وهذا الخيار ستكون نتائجه على الأغلب مشابهة للانتخابات المحلية بالنسبة لحكومة العدالة والتنمية، التي فقدت ثقة الشريحة الأكبر من الشعب التركي، الذي اختبر أردوغان وحكومته لأكثر من عقدين ولم يعد قادرا على منح فرص جديدة لهذه الحكومة التي استهلكت كلّ فرصها دون تحقيق نتائج مرضية للشعب التركي على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وفي المحصلة، تشير كل تلك المتغيرات إلى ظهور تصدعات كبيرة في جسم حكومة العدالة والتنمية وشريكتها الحركة القومية والتي تنذر بقرب سقوطها، ويبدو أنه قد شكّلت الانتخابات المحلية الأخيرة في تركيا بدايةَ النهاية لحكم رجب طيب أردوغان الذي دام لأكثر من عقدين، ما يعني أنه مثلما صعد إلى هرم السلطة انطلاقاً من اسطنبول وبفضل أصوات الكرد، فإنّه يتجه إلى السقوط انطلاقاً من خسارة اسطنبول والدعم الكردي.

 

المصدر: مركز الفرات للدراسات

شارك هذا الموضوع على