الإثنين, أبريل 22, 2024

العظماء لا يرحلون

آراء

فهيمة دشتان

الصوتُ الكرديّ الحرّ. حسين شاويش من الكرد “الكوجرات”، ذاع صيته بالتوازي مع القامات الكبار في عموم أرجاء كردستان. محارب ورائد العصر، الذي لم يكن ليتردد في التصدّي لكل معادٍ للثورة، يتصدّى للمتعصِّبين للماضي بلغةٍ جذَّابة وأسلوبٍ جليّ ومواقف لا لبس فيها في مواجهة صعوبات الحياة. جعل من يراعه مقصداً لإشاعة روح التعاون. ملكَ شاويش قلباً وعقلاً موسوعيَّاً وعارفاً. تحرَّك وفق رؤىً مليئة بنظريات وتجارب السنين. امتلأ قلمه منذ الطفولة بقمح سهول الجزيرة في روج آفا لتتدفق أصالة التاريخ إلى المجتمع عبر الوعي والإيمان كأمواج نهر دجلة.

اعتمد في بحوثه وما دوَّنه على صمودِ الجسورين في خنادق حماية الكرامة، ونقش صرخة الشعوب المقهورة فوق سماء قلبه، أظهر طوال حياته النضاليَّة موقف المناضل الآبوجيّ، وأقسم واعداً بحمل صرخات وضمير المساواة لأجل المستقبل على عاتقه، أحبّ أشعار الجزيري وخاني وفقي تيران بقلبه الغارق في البحث، منيرٌ للأخوة والطيبة والكرم والمساواة بشموعِ الحقيقة.

ترك في كتاباته وآثاره جوائز لا تُقدّر بثمن. في موضوع الشخصيات الكردية، أهدى نسيجاً مرصعاً بالعلم ومن جميع الألوان إلى القلوب السائرة على دربِ حياةٍ جديدة، وكفرشاة رسام لفنون العلم جسَّد بقلمه خيالات ونضالات الحرية في كل بقعةٍ كان فيها. كان ذا موقف ضد كل صنوف التعصب للماضي والرجعية. أوصل مطالب، وأهداف، وكدح، وصوت النضال إلى قلوب أبناء الشعب. كان متابعاً وراصداً لأصالة المجتمع بكل عشق. بحث في كتب التاريخ بتفاصيل دقيقة. أوصل أسرار وخبايا نضالات وصوت الشعوب المقهورة إلى العالم. يروي ظمأ جوفه بالشعر والقصص والدراسات والتاريخ والثقافة وغير ذلك.

اسمه الحقيقي حسين شاويش، فيما اسمه الحركي هركول ديرك، الإمام، الإمام حسين وأبو كاوى. ولد عام ١٩٥٨ في قرية قرجوخ التابعة لمدينة ديركا حمكو في إقليم الجزيرة. والدته تدعى خديجة، ووالده خليل. وسط أسرةٍ وطنية وفقيرة، دوى لون وصوت ثقافته الكوجرية في آفاق حياته. أنهى دراسته الابتدائية في القرية، لينتقل إلى مدينة ديركا حمكو مستكملاً دراسته الإعدادية، وأنهى دراسته الثانوية في مدينة قامشلو. ولكي يدرس الهندسة الزراعية توجه إلى العاصمة السورية دمشق. قضى سنيه هناك على أصوات نضال وكفاح تحرر الشعوب. عاش بقلبه معادياً الاحتلال والإمبريالية متعمِّقاً في ذلك. وخاض في البحوث الثوريَّة بردة الفعل تلك ضد المؤامرات؛ وخاض معتركاً لا يعرف معنى الرّاحة من أجل كفاح تحرير الشعب الكردي وعاش برفقة الأفكار العميقة.

في عام ١٩٨٠، وعلى أسس نظرية تحرير الشعوب، تعمّق في دراساته حول الفكر اليساري الشيوعي مثل ثوريٍ لا يبالي بالحدود وبمقولته: “ضد الاحتلال والإمبريالية ومن أي مكان، لا بدَّ أن يكون موقفنا وكفاحنا مقرراً وناشطاً” دخل في صفوف الحركة التحررية الكردية. فكَّر ملياً بوضع كردستان ووقوعها تحت الاحتلال ولأجل النضال في سبيل تحريرها انضم إلى الحزب اليساري الكردي. كان متابعاً عن كثبٍ للظواهر، والحركات المناهضة للاحتلال. ودافع بإرادة نقية عن الحرية، والعدالة، والحقوق والمساواة، واقفاً في وجه أنواع الاحتلال كلها. صاغ لشعبه حماية الحرية والحقوق والعدالة. فكَّر مليَّاً وبدقَّةٍ في وضع تحرير كردستان. عاش فكره بمواقف وأحاسيس نقية. فكلَّما تأمل وأعمل فكره في ثنايا قضية كردستان؛ وجد أن كفاح الحزب اليساري الكردي، والأحزاب الكردستانية الأخرى في ذلك الوقت في سبيل تحرير كردستان ليس كافياً. خاض الكثير من النقاشات حول أحداث تاريخ الكرد والتجارب الحالية. تابع راصداً في دراساته حركات التحرر دون تعبٍ أو ملل.

تعرَّف خلال عام عام ١٩٨٢ إلى كوادر من حزب العمال الكردستاني، كان ثمّة أخذٌ وردّ بينهم حول نقاشات الكفاح لأجل الحرية. وتابع في العام نفسه عن كثب مستجدات نضال الشعب الفلسطيني والهجمات، التي شُنَّت على لبنان. كما التحق برفاقه وعلى رأسهم رفيق الدرب إسماعيل مدني في سبيل البحث عن قضية حرية كردستان. من أجل أفكاره وأحاسيس الحرية والوطنية، كان يعمل بشكلٍ نشط. في ذلك الوقت كان في خضمّ تحرك الأحزاب الكردية. لذا؛ وبمعرفة ووعي فضل الانشغال بالقضية الكردية عوضاً عن تأسيس الأحزاب. دعمَ اطلاعه ونقاشاته فيما يخص كتب الثورات في العالم، وطريق الاشتراكية ونظرية التحرر. تضاعفت خلال عام ١٩٨٣معرفته بكوادر حزب العمال الكردستاني، كما قرأ كتب حركات التحرر التي كانت قد تُرجمت. في عام ١٩٨٤ وعبر نقاشات حول طريق الثورة؛ تعرّف أكثر وأكثر على فكر الحزب فيما يتعلق بقضية الكرد. حيث آمن بإيديولوجية وأفكار “القائد آبو” المتعلقة بمسألة الحرية. كما أنه أظهر نضال وموقف الكوادر العسكرية لحزب العمال الكردستاني في سجن آمد. كان لذلك كله الأثر البالغ على شخصيته. حزب العمال الكردستاني كحركة وجد الطريق الصحيح لتحقيق حرية كردستان.

التحق شاويش بصفوف حزب العمال الكردستاني برفقة المجموعة الأولى من شباب روج آفا الطلبة. في البداية عمل كوطني وكان يقوم بالأعمال التنظيمية وفعاليات الشباب الطلبة والإعلام. ثم بعد مرحلة ١٥ آب التي كانت صدى صوت، وسطوع شمس النهضة في كافة أرجاء كردستان. كان مثل كرة الثلج يوسع مداركه ويؤجج شعلة الحرية. في ساحة روج آفا كان حسين شاويش على المستوى العسكري التنظيمي نشطاً في مجال نشر الإعلانات ومنشورات حزب العمال الكردستاني. في عام ١٩٨٥، وبتقدم جبهة تحرير القومية الكردستانية ERNK، قام بأعمال تنظيمية في الكثير من مدن روج آفا، حيث انخرط في صفوف الحركة وعمل على مستوى الكوادر الفاعل.

شارك خلال عام ١٩٨٦ في اجتماعات القائد آبو، متابعاً فكره عن كثب، ليبصر بذلك الطريق الرئيسي لنضال كردستان. وخلال العام ذاته دخل أكاديمية معصوم قورقماز لتلقي دورة تدريبية. وبعد إنهاء الدورة التدريبية قام بأعمالٍ على مستوى الكوادر القيادية في كل من دمشق والجزيرة في روج آفا.

في عام ١٩٨٩، وفي سبيل النضال المسلح انخرط في صفوف “جيش تحرير شعب كردستان” ARGK متمركزاً في بوتان. كما قام بأعمال عسكرية في كل من إقليم إلكي، وقاشورا، ومتينا، وفَراشين وهَروري. وفي فراشين سيَّر الأعمال، وسط السكان أيضاً. وفي السابع من نيسان الموافق لعام ١٩٩٠، قام العدو والمجموعات المسلحة بعملية ألحقت الضرر بوحداتهم المتمركزة في إقليم ألكي وكوماتا. العملية التي كانت نتيجة تجسس وخيانة بعض المسلحين؛ أحاطت بهم من عدة اتجاهات وأوقعتهم في كمين محكم. وبعد اشتباكات حامية ومقاومة لا نظير لها ضد المسلحين، وقع بعض الرفاق الجرحى أسرى في يد العدو. ومن بينهم حسين واثنان من رفاقه أيضاً، وتم تسليم حسين ورفاقه للأعداء. فقام العدو بتعذيبهم بشكل وحشي على مرأى الأهالي في بيت الشَّباب، لكي يقوموا بإخضاعهم أمام الشعب في “ألكي” وتمريرهم تحت ظل العلم التركي، وأيضاً لكي يقهروا فيهم تلك الروح المطالبة بالحرية. لكن على الرغم من التعذيب القاسي، الذي تعرضوا له، ولم يخضع لمطالب العدو. حيث أظهر للعدو موقف الحالة القتالية لحزب العمال الكردستاني. قام العدو باقتيادهم إلى سجن آمد، وهم في حالة غياب عن الوعي نتيجة جراحهم البليغة.

لم يرضخ حسين شاويش للاستسلام بل وقف بروح معنوية عالية ضد التعذيب الوحشي على يد العدو. أظهر أثر وطريق نضال مقاتلي حزب العمال الكردستاني بوقفة مشرِّفة. تمت محاكمته وهو مدمى بجراحه. في وجه ظلم وانتهاكات العدو؛ مارس حياته في السجن بروح معنوية عالية. تعمّق في المجال الأيديولوجي، وبروح مقاتل ريادي عاش الحياة بوقفة تليق بمسار الحركة، وبثقافة كرديٍّ حر كان لقلمه صدى الفكر الحر في ميدان حقيقة التاريخ والثقافة الكردية، وبكتاباته الأدبية، والنظرية، والبحثية، والأشعار، والقصص، والترجمات فهدَّم جدران الأسر. فحلَّق بخياله في سماء كردستان بأدب إنسان محبٍّ للحياة.

خرج من سجون الأتراك بعد ١٥ سنة، وستة أشهر، ليدخل أراضي روج آفا؛ موطن حكاياته. ولكن الشدة التي كان يمارسها النظام السوري بحق الكوادر، لم تفسح له مجالاً للراحة أبداً، ففي كل يوم كان يتعرض للمضايقات والتحقيقات. فتوجه مرة أخرى إلى السهول والبوادي، وجبال كردستان الشامخة. انخرط في ميادين أعمال الكريلا بحماس، متابعاً طريقه؛ طريق الكريلا الذي كان قد اختاره. في خضم حياته، وواجباته كان ريادياً في عيش حياة وروح رفقة الـ PKK. ليشغل مكانةً في الإدارة بعد إنهائه للدورة التدريبية في حزب العمال الكردستاني.

مع انطلاق شرارة ثورة روج آفا، اتّخذ مكانه في الاستعدادات للثورة. المواقف الثورية، مقاتل لا يكل، ولا يمل، يعمل بكدح وبروح مقاتلي PKK المواكبين للعصر، وبحماس الثورة وارتفاع وتيرة النضال لحظةٍ إثرَ الأخرى كان يشير إلى نشاطات المرحلة المعاشة في سياسته وأدبياته. لقد صوَّر الريادة وثقافة العصر من خلال أدبيات جمال كردستان، والثقافة، والفلكلور الكردي. لقد طبّق في حياته وكتاباته سمات تلك الشخصية المناضلة. بالإرادة والمقاومة ضد الرجعية، أظهر دفاعه عن قيم النضال ضد الأشخاص والحركات التي لم تكن تريد الثورة. بموقف ووقفة لا لبس فيهما وأيضاً بكتاباته وآرائه كشف تواطؤ الحزب الديمقراطي الكردستاني PDK مع القوى المناهضة لحركة التحرر الكردستانية. لعب دوراً بارزاً في ميدان تدريب المجتمع والكوادر. من أجل بقاء استمرار قيم الثورة وبناء الشخصية والحياة الجديدة. أنجز واجباته بشكل يليق بالثورة. سار على أثر مقصد ومطلب الشعب الكردي المُطالب بالحرية بإحساس وحيوية عالية. بقلمه وبخطابات جليَّة من خلال كتاباته في الصحف والمجلات كشف عن الصعوبات التي تواجهها ثورة روج آفا ضد التآمر والرجعية في كردستان وأيضاً أزال اللثام عن تلك الهجمات، التي تشن على الثورة. كمناضل PKK وبخطاباته القوية كان دائماً يزاول عمله بين أبناء شعبه. عمل بحيوية ونشاط على الصعيد التنظيمي والعسكري والثقافي. ولكي يخلد تجاربه التي عاشها لسنين طوال في صفوف الـ PKK وكونه شاهد لأزمنة وأمكنة كثيرة؛ اتخذ قرار البحث الدقيق والاستعداد لكتابة رواية “القائد آبو (Apo)”.

مع اتساع رقعة الثورة، ولضمان استمرار القيادة والتدريب الفكري وفكر “القائد آبو من أجل البراديغما الجديدة، ودوام بناء الكونفدرالية الديمقراطية، قام بتدريب قوات YPG وأبناء الشعب بفكر حرب الشعوب الثورية. في سبيل القيادة الأيديولوجية والسياسية في بدايات المرحلة في روج آفا، حمل على عاتقه دوراً ريادياً على الصعيد الاجتماعي وفي حركة SZK (مؤسسة اللغة الكردية). كذلك قام بأعمال تنظيمية ضمن فعاليات TEV-DEM، والأعمال العلمية والتنويرية، ولجنة تدريب القوات العسكرية، والناطقون باسم وحدات الحماية، وكذلك في الأعمال التنظيمية أيضاً. طوال فترة حياته، التي قضاها بين ثنايا الثورة، سواءً بين الشعب وفي أعالي الجبال وفي المعتقلات ومنذ بداية انخراطه، وحتى انطلاق ثورة روج آفا؛ كان يسيِّر الأعمال دون توقف. في الفكر والذكر والنشاط وصل بنفسه إلى مستوى الكادر المحترف. لعب دوراً ملموساً في تأسيس SZK، وذلك في سبيل تخليد النضال، والثقافة، واللغة الكردية، شغل مكانةً في تطوير اللغة الأم وكان له دورٌ رياديٌّ وإداريٌّ بارز في هذا المجال. بذل جهداً لا مثيل له في التطوير والحفاظ على اللغة. كذلك على الصعيد الثقافي ومن خلال قلمه ومواقفه كمثقف ومناضل PKK قام بتسيير الكثير من الأعمال.

استشهد أثناء تأديته لمهامه وتحديداً بعد مشاركته في إحدى مراسم إحياء ذكرى ثورة التاسع عشر من تموز في 20 تموز 2016م. ومنذ بدايات انخراطه في روج آفا، وحتى انطلاق الثورة، ناضل دون كلل أو ملل، وكتب آلاف الذكريات، التي حَوَت غايات ومقاصد رفاقه الشهداء وخلَّدها. لذلك هو بحق أحد رفاق الدرب الذين تركوا في أثرهم الكثير من المآثر، والأعمال القيّمة. بالسلاح والقلم، والفكر، والعقيدة، والإيمان.

أشخاص مثله هم الذين أبقوا ثورتنا حيَّة وعبَّدوا لنا الطريق. كان مقاتلاً سخّر حياته لقضيته، وبسرعة تدفق أمواج دجلة، ودون توقف في خوض نضال الحرية، في كل صدع ظمآن كان قطرة الماء التي تحيي روح النهضة. عاش نضال الـ PKK بشكلٍ يليق بالشعب والحزب أيضاً. وفي لحظة وداعٍ حزينة غادر موطن حكاياته وذكرياته.

​صحيفة روناهي

شارك هذا الموضوع على