الثلاثاء, أبريل 16, 2024

تصميم تركيا على إضعاف الوجود الكردي على طول الحدود السورية.. تقرير لهيومن رايتس ووتش يوثق الانتهاكات

حقوق الإنسانرئيسي 1

جزء من تقرير كل شيء بقوة السلاح

خلال ثلاث عمليات عسكرية في شمال سوريا منذ أغسطس/آب 2016، استولت القوات المسلحة التركية وفصائل سورية محلية تدعمها تركيا على منطقتين من الأراضي على طول الحدود الجنوبية لتركيا، في محاولة لإضعاف الوجود الكردي في تلك المناطق الحدودية.

في العملية الأولى، المعروفة بـ “درع الفرات”، استولت القوات التركية وحلفاؤها المحليون بين أبريل/نيسان 2016 ومارس/آذار 2017 على مدينة جرابلس الواقعة على نهر الفرات والممتدة غربا إلى أعزاز وجنوبا إلى الباب. خلال هذه العملية، أنهت تركيا وجود قوات داعش في المنطقة ومنعت جماعة قسد المسلحة التي يقودها الأكراد وتدعمها الولايات المتحدة وتسيطر عسكريا على معظم شمال شرق سوريا من إحراز مزيد من التقدم على طول حدودها الجنوبية. شهد تقدم القوات التركية في هذه المنطقة ذات الأغلبية العربية السنية عنفا أقل من العمليات المتعاقبة في شمال سوريا، لكن تركيا رحّلت منذ ذلك الحين عشرات آلاف السوريين من تركيا إلى المنطقة المحتلة.

تعتبر الحكومة التركية وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، وهما أكبر مكونات قسد، مجموعتين إرهابيتين مرتبطتين بـ “حزب العمال الكردستاني” الذي تتنازع معه تركيا منذ عشرات السنين، وتعتبر التجربة الكردية في الحكم الذاتي داخل سوريا تهديدا مباشرا لأمنها القومي.

في يناير/كانون الثاني 2018، أطلقت تركيا عملية “غصن الزيتون” للاستيلاء على منطقة عفرين ذات الأغلبية الكردية شمال غرب حلب من قسد. بدأت بحملة جوية مكثفة، ثم تقدمت عبر المناطق الريفية في شمال عفرين، وأخيرا استولت على مدينة عفرين في مارس/آذار 2018. أدى هجومها العسكري إلى مقتل عشرات المدنيين وتشريد عشرات الآلاف، بحسب الأمم المتحدة. انتهكت قسد أيضا القانون الإنساني الدولي عبر عرقلة عمليات إجلاء المدنيين، بينما منعت قوات الحكومة السورية المدنيين الفارين من دخول المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.

في السنوات التالية، ارتكبت القوات التركية وفصائل الجيش الوطني السوري المدعومة من تركيا اعتقالات تعسفية واحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي واختطاف وتعذيب، واستهدفت بشكل رئيسي السكان الأكراد في عفرين. تعرضت منازل وأعمال وأراضي ومحاصيل سكان عفرين للنهب والاستيلاء من قبل مقاتلي الجيش الوطني السوري وعائلاتهم، وهي أفعال محظورة بموجب قوانين الحرب ويمكن أن تشكل جرائم حرب. شهدوا أيضا تدمير مواقعهم الثقافية والدينية والتاريخية. بعد ذلك، وجدوا أن تركيا كانت تبيع منتجات الزيتون الشهيرة في عفرين، المصنوعة من الزيتون المسروق، في أسواقها وعلى المستوى الدولي، وهو الفعل الذي دافع عنه وزير الزراعة التركي حينها، بكر باك ديميرلي، بحجة أن الإيرادات كانت ستقع في أيدي حزب العمال الكردستاني.

وصف أبو سالم (63 عاما)، وهو رجل كردي وُلد ونشأ في عفرين ورفض مغادرة المنطقة حتى خلال أعنف أيام العملية العسكرية، سلوك الفصائل المختلفة التابعة للجيش الوطني السوري بعد فترة وجيزة من استيلائهم والقوات التركية على مدينة عفرين:

لم يسبق لي أن رأيت مثيلا لذلك من قبل. أولا، جاؤوا من أجل المال والسيارات والذهب والمجوهرات، وأخذوا كل ما استطاعوا أخذه. بعد ذلك أفرغوا المحلات التجارية ثم المنازل. كتبوا على جدران بيوتنا أي فصيل يملك أي منزل. قسّموا المنطقة إلى مناطق سيطرة شارعا بعد شارع، ومبنى بعد مبنى. أخذوا كل شيء”.
فرّ أكثر من نصف سكان عفرين الأصليين، ومعظمهم من الأكراد، وعائلات أخرى نزحت إلى المنطقة في السنوات السابقة، أثناء التوغل التركي، معظمهم إلى منطقة الشهباء المحاصرة في ريف حلب الشمالي، على بعد 20 كيلومتر فقط، حيث يعيشون الآن في ظروف بائسة. تحاصر قوات الحكومة السورية منذ آب/أغسطس 2022 منطقة الشهباء، الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بقيادة الأكراد، مما يحد بشدة من وصول السكان إلى الوقود والإمدادات الأساسية الأخرى.

اغتنمت تركيا الفرصة، وسارعت إلى تنسيق إعادة توطين مئات العائلات العربية السنية النازحة من الغوطة الشرقية في منازل سكان عفرين الأكراد الذين فروا. كان هذا مثالا واضحا على جهود تركيا الرامية إلى تغيير التركيبة السكانية للمنطقة من أجل إضعاف الوجود الكردي هناك. لاحقا، وصلت إلى عفرين مزيد من العائلات النازحة من الغوطة الشرقية وريف دمشق وشمال حماة وإدلب، من بينهم مقاتلون منتشرون في المنطقة. وصل ما مجموعه 13 ألف شخص في ديسمبر/كانون الأول 2020 وحده. تشير تقديرات مجموعة “أكابس” في الشهر نفسه إلى أن عدد سكان منطقة عفرين كان أكثر بقليل من 442 ألف نسمة، من بينهم 157,278 مقيما وعائدا، معظمهم من الأكراد، و285,550 نازحا سوريا، معظمهم من العرب السنة.

بدأ التوغل الثالث لتركيا في أكتوبر/تشرين الأول 2019. خلال 10 أيام فقط، وفي عملية عُرِفت بـ “نبع السلام”، تحركت القوات التركية والجيش الوطني السوري إلى أراضٍ في شمال شرق سوريا على الحدود مع تركيا بين بلدة تل أبيض ومدينة رأس العين، مما دفع القوات الكردية إلى الخروج من منطقة يبلغ طولها حوالي 120 كيلومتر وعمقها 32 كيلومتر. أعلنت الولايات المتحدة سحب قواتها من المنطقة قبل الغزو التركي. نتيجة لذلك، فرّ أكثر من 200 ألف من سكان المنطقة. قبل التوغل التركي، كانت المنطقة موطنا لأغلبية عربية، وأقلية كردية كبيرة، ومجتمعات صغيرة من الإيزيديين والمسيحيين الأرمن والسريان، وأقليات عرقية ودينية أخرى. أثناء التوغل وبعده، كما كان الحال في عملية غصن الزيتون، قصف الجنود الأتراك والفصائل التي يدعمونها المناطق المدنية عشوائيا، ونفذوا عمليات قتل بإجراءات موجزة، واحتلوا بشكل غير قانوني منازل ومتاجر مدنية خاصة ونهبو ممتلكات أصحابها.

بحسب “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية” (أوتشا)، شهدت المنطقة المتنوعة عرقيا التي تشمل تل أبيض ورأس العين، منذ أكتوبر 2019، “تغيّرات ديموغرافية كبيرة” مع نزوح معظم سكانها الأصليين إلى مناطق أخرى في شمال شرق سوريا أو أجبِروا على مغادرة البلاد. وهم يشكلون تقريبا جميع السكان الأكراد في المنطقة، وبعض الأيزيديين والمسيحيين الأرمن، والعرب الذين لديهم علاقات متصورة مع الإدارة الذاتية التي يقودها الأكراد أو الحكومة السورية، وفقاً لمنظمة “إماب” غير الربحية التي تركز على البيانات. قال ناشط وباحث نازح من رأس العين، مسقط رأسه، في معرض إشارته إلى نزوح الأقليات الكردية والأقليات الأخرى: “فقدت المدينة ألوانها”. بعد هذه العملية، سمحت تركيا لمقاتلي الجيش الوطني السوري الذين انتشروا في المنطقة بإعادة توطين عائلاتهم هناك.

منذ مايو/أيار 2022، يهدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتوغل عسكري آخر في شمال شرق سوريا، يستهدف هذه المرة مدينتي تل رفعت ومنبج في محافظة حلب، غرب نهر الفرات، الخاضعتين حاليا لسيطرة قسد. لم يبدأ التوغل حتى وقت كتابة هذا التقرير، لكن هجمات الطائرات المسيّرة التركية والقصف من قِبل القوات السورية المدعومة من تركيا على المدن والبلدات في شمال شرق سوريا التي تسيطر عليها القوات الكردية السورية كان مستمرا بلا هوادة، مما أسفر عن مقتل وإصابة المدنيين، والإضرار بالمناطق المكتظة بالسكان والبنية التحتية الحيوية، والتسبب بمزيد من النزوح.

استضافت تركيا حوالي 3.7 مليون سوري، وذلك أكثر من أي دولة أخرى، منذ بداية النزاع السوري، إلا أنها صدّت أيضا السوريين الذين حاولوا دخول أراضيها ورحّلت آلاف السوريين بشكل غير قانوني إلى شمال سوريا، وأجبرت كثيرا منهم على التوقيع على استمارات العودة “الطوعية”. منذ 2019، أعلن أردوغان عن نيته إعادة توطين مليون لاجئ في شمال سوريا، في مناطق لا تسيطر عليها الحكومة، رغم أن سوريا لا تزال غير آمنة لعودة اللاجئين، وغالبا لا يكون العائدون في الأصل من تلك المناطق. في يوليو/تموز 2023 وحده، أعادت تركيا أكثر من 1,700 سوري. تصر تركيا على أن جميع عمليات العودة طوعية، وتقدم أرقاما متفاوتة لدعم هذا التأكيد. في مايو/أيار 2023، صرّح أردوغان أن 600 ألف عادوا بالفعل إلى سوريا طوعا.

المصدر: هيومن رايتس ووتش