الإثنين, فبراير 26, 2024
القسم الثقافي

سلسلة دراسات من ذاكرة التاريخ ( الحلقة 12) الكرد في لوحات مشوّهة ومريبة (1)

د. أحمد الخليل

المقدَّس والمدنَّس

السياسات في جوهرها ثقافات.

والسياسات الخاطئة هي تجسيد لثقافات خاطئة.

وكي تتغير السياسات لا بد من تغيير الثقافات.

تلك حقائق ينبغي أن نأخذها بالحسبان – نحن مثقفي غربي آسيا- حينما نقرأ تواريخ الشعوب قديمها وحديثها، وحينما ندقّق التفكير في حاضرها ونخطط لمستقبلها، وقد درجت العادة على الإسراع إلى تحميل الساسة وحدهم أوزار ما قد حلّ بشعوب منطقتنا العريقة من خصومات تزرع الأحقاد في القلوب، وصراعات تدمّر البلاد والعباد، وتقذف بنا بعيداً عن درب الحضارة.

والحقيقة أن المثقف الغرب آسيوي هو المسؤول في الدرجة الأولى عن جميع هذه البلايا؛ لأنه هو الذي يهيّئ المناخ النفسي والفكري لنشأة الخصومات، وتوتير العلاقات، وتفجير الصراعات، ولأنه هو الذي أنتج الثقافات الخاطئة طوال قرون، ثم جمّلها وبَهْرَجها، وأحرق لها البخور، وروّج لها صباح مساء، وربّى عليها الأجيال عاماً بعد عام، وهذا يعني ضمناً أن المثقف الغرب آسيوي هو المسؤول الأول عن تصحيح المسار الثقافي لشعوب هذه المنطقة، وعن العمل بجدّ وإخلاص ونبل لإحلال ثقافة (التكامل مع الآخر) بدل ثقافة (إلغاء الآخر).

أسألك بالله – عزيزي القارئ- أن تمد يدك إلى أقرب كتاب يتحدث عن الحضارات البشرية الأولى، وأن تكتفي بقراءة الصفحات الأولى منه فقط، ستجد أن منطقة غربي آسيا كانت من جملة الحواضن الأولى للحضارة على امتداد الكرة الأرضية، ها هنا تمّ ابتكار الزراعة، وها هنا ظهرت صناعة التعدين، وها هنا اختُرعت الكتابة، وها هنا نشأت المدن، وها هنا قامت مؤسسات الدولة.

بلى، وها هنا – في غربي آسيا- ظهرت الديانات الكبرى، وها هنا أُحرقت أطنان من البخور للآلهة الكبرى والصغرى، وها هنا كان أبو البشرية الأول (آدم)، وأبو البشرية الثاني (نوح)، وأبو الأنبياء (إبراهيم)، وخاتم الأنبياء (محمد)، فما السر في أن شعوب هذه المنطقة باتت متخلفة عن ركب الحضارة؟ وما السر في الحديث عن أسمى المبادئ وأنبل القيم على المنابر وصفحات الكتب، وتجسيد بعض أكثر المبادئ توحّشاً، وبعض أكثر القيم همجية، في ميدان الممارسة؟ أما كان جديراً بهذه الشعوب أن تكون في مقدمة حَمَلة المبادئ الإنسانية؟

مرة أخرى أقول: إن جوهر المشكلة ليس في السياسات فقط، وإنما هو -بالدرجة الأولى- في الثقافات، وتحديداً في ثقافة (إلغاء الآخر)؛ ثقافة (إقصاء الآخر)، ثقافة (أنا الموجود وغيري هو المعدوم)، ثقافة (أنا السيد وغيري هو التابع)، ثقافة (أنا الأنبل وغيري هو الأنذل)، ثقافة (أنا المقدس وغيري هو المدنّس)، ثقافة (أنا الإلهي وغيري هو الشيطاني).

جبل الجليد

وإننا إذ نُبدئ القول ونعيده في مشروع (أَبلسة الكرد) فلأنه أحد نتاجات ثقافة (إلغاء الآخر)، إنه مثل قمة جبل الجليد، يظهر صغيراً فوق سطح الماء، لكنه ينتمي إلى هيكل أخطبوطي عملاق يغوص في الأعماق، ويتمدد في كل اتجاه.

إن مشروع (أَبلسة الكرد) فريد من نوعه؛ مداه الزمني يتجاوز خمسة وعشرين قرناً من الزمان، ومداه الجغرافي يغطي جميع مناطق غربي آسيا، وطوال هذه المدة، وعلى امتداد جميع هذه الجغرافيا، كان المشروع يَلقى دعماً لوجستياً مستمراً من جهات غرب آسيوية في الدرجة الأولى، ومن جهات أخرى عولمية في الدرجة الثانية.

ويبدو مشروع أبلسة الكرد، من حيث بنيته وهيكليته وآلياته، وكأنه شركة مساهمة عملاقة، لها مخططوها ووكلاؤها ومروّجوها ومنفّذوها، إضافة إلى القائمين على تقديم الدعم اللوجستي المطلوب، وهؤلاء جميعهم خليط عجيب إثنياً، ودينياً، ومذهبياً، وسياسياً، خليط أفراده مختلفون فيما بينهم على أمور وقضايا كثيرة وخطيرة، لكنهم متفقون فيما بينهم ضمناً، وبالتضامن والتكامل والتكافل، على هدف واحد؛ هو الشطب على الكرد، ورميهم ليس خارج دائرة التاريخ الغرب الآسيوي، وإنما خارج دائرة التاريخ البشري كله.

وأعتقد أن الأدلة والشواهد التي استعرضناها في الحلقات السابقة كافية لأن ترسم الملامح الحقيقية لهذا المشروع العملاق، وهي كافية أيضاً لإقناعنا بأن المسألة ليست وهماً نطارده، ولا حُلماً مزعجاً نستريح منه بمجرد اليقظة، ولا هو ضربٌ من الفكاهة البريئة، ولا هو نوع من الرُّهاب الثقافي الذي يتمترس به بعض الناس؛ تارة لتوحيد الصفوف من خطر داهم، وأخرى لاستدرار الشفقة من هذه الجهة أو تلك.

وكيف يكون الموضوع مجرد وهمٍ أو حُلم أو فكاهة بريئة أو رُهاب (خُواف) ثقافي؛ والشهود على المشروع- طبعاً بحسب الروايات المتواترة- شخصيات تتفاوت مكانتها في الذاكرة الغرب آسيوية بين المرموقة جداً، والمرموقة؟

إن أولئك الشهود فريقان:

1. فريق نخبة النخبة: منهم الأنبياء (النبي إبراهيم، النبي سليمان، النبي محمد) عليهم السلام، ومنهم الملوك (أَزْدهاك، نَمْرُود)، ومنهم كبار الصحابة (عبد الله بن عبّاس، عبد الله بن عمر بن الخَطّاب، أبو هُرَيْرة)، ومنهم كبار الأئمة، والتابعون، وحُفّاظ الحديث النبوي، والفقهاء (الإمام جعفر الصادق، مُجاهدِ، عِكْرِمة، السُّدِّي، الكُلِيني…).

2. فريق النخبة: فيهم المفسّر من أمثال (الطَّبَري، والبَغَوي، والفَخْر الرازي، والقُرْطُبي، والبَيْضاوي، والنَّسَفي، وابن كَثير، والشَّوْكاني)، وفيهم المؤرخ من أمثال (الطَّبَري، والمَسْعودي، وابن الأَثِير، وابن الجَوْزي، والمَقْرِيزي)، وفيهم الجغرافي مثل (ابن الفقيه الهَمَذاني، وياقوت الحَمَوي)، وفيهم اللغوي البارز من أمثال (الزَّبيدي)، وفيهم الموسوعي من أمثال (ابن قُتَيْبة الدِّينَوَري، والراغب الأصبهاني).

ومشروع أبلسة الكرد مشروع شامل متكامل، تفاصيله متعددة، وقد يبدو بعضها بعيداً عن بعضها الآخر، لكنها تنتظم في النهاية ضمن نسق واحد، هو التشكيك في الكرد من حيث هم شعب، والسير باتجاه غرض واحد، هو تقديم الكرد إلى العالم في أبشع صورة ممكنة.

وما دمنا إزاء مشروع عملاق كهذا، يدور حول (أَبلسة) شعب بكامله، وليس أبلسة فرد أو أفراد أو شرائح فقط، فمن المفيد أن نسعى للإجابة عن تساؤلين اثنين: ما الأهداف الحقيقية لمشروع (أَبْلسة الكرد)؟ ومن هي الجهات القائمة على المشروع (تخطيطاً وتنفيذاً، ودعماً لوجستياً)؟ لكن قبل ذلك، وكي تكتمل أبعاد الصورة أمامنا، دعونا نستعرض لوحات أخرى ذات صلة بالمشروع.

بداوة وفظاظة

إن الآليات المعمول بها، في مشروع الأبلسة، لتبشيع صورة الكرد متنوعة، ومنها وصف الكرد بالبداوة والجَفاء والفَظاظة والغِلْظة، وفيما يلي بعض المشاهد:

· ذكر الطَّبَري خبر الصراع بين أَرْدَشِير بن بابك أوّل ملوك بني ساسان، وأَرْدِوان آخر ملوك البرثيين (الأرشاكيين) فقال: ” فبينا هو [= أردشير] كذلك إذْ وَرَد عليه رسولُ الأَرْدِوان بكتاب منه، فجمعَ أَرْدَشير الناس لذلك، وقرأ الكتاب بحضرتهم، فإذا فيه: إنك قد عَدَوْتَ طَوْرَك، واجتلبتَ حَتْفَك، أيها الكرديّ المُرَبَّى في خيام الأكراد، مَن أَذِن لك في التاج الذي لَبِسْتَه, والبلاد التي احتوَيتَ عليها، وغَلَبْتَ ملوكَها وأهلَها “؟ (الطبري: تاريخ الطبري، ج 2، ص 39).

تعليق: الملاحَظ هنا أن أردوان لم يكتف في تهجّمه على أردشير بتعييره أنه تربّى في خيام الأكراد، وإنما خاطبه بصفة (الكردي)، فهل كانت صفة (كردي) تعني – في الثقافة الفارسية القديمة- بدوي، جلف، متخلّف؟ وكانت تُطلق من ثَمّ على كل من يراد الحطّ من قدره، أم أن الأسرة الساسانية كانت كردية الأصل حقاً؟ الأمر بحاجة إلى دراسة علمية موثَّقة، وأتمنّى أن يتفضّل الباحثون الكرد الذين يجيدون اللغة الفارسية بمتابعة هذا الموضوع.

· أورد الطَّبَري في تاريخه أخبار الصراع بين الملك الساساني كِسرى أَبْرَويز بن هُرْمُز والقائد بَهْرام جُوبِين، وذكر أن حواراً دار بينهما، جاء فيه ما يلي: ” فبدأ كسرى فقال: إنك- يا بَهْرام- ركنٌ لمملكتنا، وسِنادٌ لرعيّتنا، وقد حَسُن بلاؤك عندنا، وقد رأينا أن نختار لك يوماً صالحاً لِنولّيَك فيه إصْبَهْبَذَة [= حاكم عسكري، سمّي في العهد العثماني: سِباهي] بلاد الفرس جميعاً. فقال له بهرام- وازداد من كسرى قرباً-: لكني اختار لك يوماً أَصلُبك فيه. فامتلأ كسرى حزناً من غير أن يبدو في وجهه من ذلك شيء، وامتدّ بينهما الكلام، فقال بَهْرام لأَبْرَويز: يا ابن الزانية المُربّى في خيام الأكراد؛ هذا ومثلَه [= قال هذا ومثله]، ولم يقبل شيئاً مما عرضه عليه “. (الطبري: تاريخ الطبري، ج 2، ص 178).

تعليق: سار بَهْرام جُوبين على خُطا أردوان، واستعمل عبارة (المربّى في خيام الأكراد) للحطّ من مكانة أبرويز، أو لتذكيره بأصله الكردي. وهذه المعلومة تدفع أيضاً إلى البحث عن الهوية الحقيقة للأسرة الساسانية.

· وصف اليَعْقوبي فضل العراق، حيث دارُ الخلافة، على غيره من البلدان، فقال: ” وإنها ليست كالشَّأْم [= الشام] الوَبيئةِ الهواء، الضيّقةِ المنازل، الحَزْنَةِ [= المرتفعة الوعرة] الأرض، المتصلةِ الطواعين، الجافيةِ الأهل. ولا كمِصرَ المتغيّرةِ الهواء، الكثيرةِ الوباء، … ولا كأفريقيةَ البعيدةِ عن جزيرة الإسلام، وعن بيت الله الحرام، الجافيةِ الأهل، الكثيرةِ العدوّ، ولا كأرمينيةَ النائيةِ الباردة الصَّرِدَة [= الشديدة البرد] الحَزْنة، التي يحيط بها الأعداء. ولا مثلَ الجَبَل كُوَر[= جمع كُورَة: منطقة] الحَْزنَة، الخَشنة، المُثلِجة، دار الأكراد الغليظي الأكباد “. (اليعقوبي: البلدان، ج 1، ص 2).

تعليق: الفنون التي يتقنها خرّيجو (ثقافة إلغاء الآخر) في غربي آسيا كثيرة ومتنوّعة، ولهم في هذا المجال خبرة متراكمة، تعود إلى لا أقل من أربعة آلاف عام، ويوظّفون تلك الفنون كل مرة بما يحقق أهدافهم الدفينة. وفي المعلومات التي ساقها اليعقوبي اثنان من تلك الفنون:

1 – فن التعميم: فـالخبر يفيد أن (الأكراد) كلهم من غليظي الأكباد.

2 – فن الخداع اللغوي؛ فاليعقوبي – وهو مؤرخ وجغرافي- تعامل مع وصف البلاد بطرائق شتّى: مرة اكتفى بوصف سلبيات البيئة فقط. ومرة أضاف عبارة (الجافية الأهل) إلى سلبيات البيئة. أما عندما تناول وصف منطقة الجبال (موطن الكرد في العراق وشمال غربي إيران) فقد علت نبرته التهجمية أكثر، ووصف الكرد بـ (الغليظي الأكباد)؛ أي القساة جداً.

· قال المسعودي في معرض الإشادة بالعرب، والربط بين طباعهم ونزولهم في البوادي: ” ولذلك جانبوا فَظاظةَ الأكراد وسكّان الجبال من الأجيال الجافية وغيرهم الذين مساكنهم حُزُون [= أماكن مرتفعة وعرة] الأرض”. (المسعودي: مروج الذهب، ج 2، ص 121).

تعليق: مارس المسعودي أيضاً فن التعميم؛ إذ جعل (الفظاظة) صفة عامة في (الأكراد). ومارس فن الخداع اللغوي؛ إنه استعمل في وصف الكرد صفة (فظاظة)، أما مع الآخرين من سكّان البيئات الجبلية الوعرة فاستعمل صفة أخفّ وطأة؛ وهي (الجافية).

· قال شيخ الإسلام ابن تَيمية بشأن مهر المرأة: ” وينبغي أيضاً اعتبارُ الصّفاتِ المُعتبَرةِ فِي الكَفاءة، فإذا كان أبوها مُوسِراً ثُمّ افتقَر، أو ذا صَنْعةٍ جيّدةٍ ثُمّ تَحوَّلَ إلى دُونها، أو كانت له رئاسةٌ أو مِلْكٌ ثُمّ زالت عنه تلك الرّئاسةُ وَالمِلْكُ، فيجبُ اعتِبارُ مثْلِ هذا، وكذلك لو كان أهلُهما لهم عزٌّ في أوطانهم ورئاسةٌ، فانقلَبوا إلى بلدٍ ليس لهم عزٌّ فيه ولا رئاسةٌ، فإن المَهْر يختلفُ بمثْلِ ذلك في العادة، وإن كانت عادتُهم يُسَمُّونَ مَهْراً، ولكن لا يَستَوْفُونه قطُّ مثْلُ عادةِ أهل الجَفاءِ مِثْلُ الأكرادِ وغيرِهم، فوجودُه كَعَدَمِه “. (ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، ج 5، ص 476).

تعليق: ابن تيمية معروف بأنه (شيخ الإسلام) في عصره، بل لعله كان- طوال القرن العشرين وإلى يومنا هذا- من أكثر الأئمة تأثيراً في الفكر الإسلامي المعاصر، ولاسيما الفكر السلفي والجهادي، والمتوقّع من فقيه قدير مثله أن يقيّد لفظه، ولا يعمّم الأحكام، والمؤسف أنه لم يفعل ذلك، وها نحن نجده يعمّم صفة (الجفاء) على الكرد جميعهم، قديماً وحديثاً، صغاراً وكباراً، جهلةً ومتعلمين وعلماء، وإلى أبد الآبدين.

وإضافة إلى فن التعميم نجد في طيّات عبارة ابن تيمية فنّاً آخر من فنون خرّيجي (ثقافة إلغاء الآخر)؛ وهو فن التمويه في السرد؛ فكي يضرب مثالاً على عادة أهل الجفاء أسرع إلى التصريح باسم (الأكراد)، أما غير الأكراد فلم يصرّح بأسمائهم، وعتّم عليهم بعبارة (وغيرهم).

· قال الإمام أبو حامد الغزالي في طرائق (علاج الحرص والطمع): “الرابع: أن يُكثر تأمّلَه في تَنعُّم اليهود والنصارى، وأراذل الناس، والحَمْقى من الأكراد والأعراب الأجلاف، ومَن لا دِين لهم ولا عقل. ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء والأولياء، وإلى سَمْت الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة والتابعين، ويستمع أحاديثَهم ويُطالِع أحوالَهم. ويُخيّر عقلَه بين أن يكون على مُشابَهة أراذل الناس، أو على الاقتداء بمن هو أعزُّ أصناف الخلق عند الله “. (أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، ج 3، ص 243).

تعليق: الإمام أبو حامد الغزالي (وهو فارسي من مدينة طُوس) عَلَم آخر كبير جداً وشهير جداً من علماء الثقافة الإسلامية، وها نحن نراه يضع (الأكراد والأعراب) عامة- بعد وصفهم بالحماقة- في خانة اليهود والنصارى، وهؤلاء كفّار وضالّون بحسب معايير الغزالي وكثيرين من أعلام الثقافة الإسلامية، وما اكتفى الغزالي بذلك، بل جعل الأكراد في خانة واحدة مع الأراذل والحمقى والأجلاف، فالأكراد والأعراب بشر مستباحون، ولا حرج عند الإمام الغزالي في أن يصفهم بما يطيب له. وما يُلفت الانتباه أكثر أنه قدّم (الأكراد) على (الأعراب) في صفة الحماقة.

· قال عبد الرؤوف المِناوي (والدته من حفيدات الحافظ الكردي الشهير زَين الدين العراقي) في شرح الحديث النبوي الخاص بمكانة الشيخ في قومه: ” (الشيخ في أهله)، وفي رواية في قومه (كالنبيّ في أمته)؛ أي يجب له من التوقير مثلُ ما للنبي- صلّى الله عليه وسلّم- في أمته منه؛ أو المراد: يتعلمون من علمه، ويتأدّبون من أدبه، لزيادة تجربته التي هي ثمرةُ عقله؛ ولذلك ترى الأكرادَ والأتراك وأجلاف العرب- مع قُرب رُتبتهم من البهيمة- يُوقِّرون الشيخَ بالطبع “. (المناوي: فيض القدير، ج 7، ص 3696).

تعليق: مهمة المناوي في كتابه (فيض القدير) هي شرح الأحاديث النبوية التي جمعها السُّيُوطي في كتابه (الجامع الصغير)، ويُفترَض ممّن يتعامل مع الأحاديث النبوية شرحاً وتفسيراً أن يكون تقياً ومهذَّباً، ولا يستعمل الألفاظ الجارحة إزاء الأفراد، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بأمم وجماعات؟!

لكن يبدو أن خرّيجي (ثقافة إلغاء الآخر) لهم معايير خُلقية غير التي سنّها الله لعباده الصالحين، فها هو ذا المناوي لا يتحرّج في وضع (الأكراد والأتراك وأجلاف العرب= الأعراب) في خانة قريبة من خانة (البهائم)، والملاحظ أن قدّم (الأكراد) على (الأتراك) و(الأعراب)، تنبيهاً لنا بأن للأكراد الأسبقية في تلك الخانة.

· قال الجاحظ: في رسالة مناقب التُّرك: ” وكذلك الترك أصحابُ عَمَدٍ، وسكّان فَيافٍ [= صحارى]، وأربابُ مواشٍ، وهم أعراب العجم، كما أن هُذَيْلاً أكرادُ العرب “. (الجاحظ: رسائل الجاحظ، ج 1، ص 71).

تعليق: لا يتضح البعد الحقيقي لما يريده الجاحظ بقوله هذا ما لم نعرف من هي (هُذَيْل)؛ إنها قبيلة عربية بدوية، كانت تسكن بعض جبال الحجاز، وكانت معروفة بالفقر، وشدّة البأس، وكثرة الصعاليك وممارسة الغزو، وقد جمع السُّكّري أشعار تلك القبيلة في ديوان ضخم اسمه (ديوان الهُذَلِيِّين)، وكي يُقرّب الجاحظ فهمَ حقيقة قبيلة هُذِيْل العربية إلى الأذهان شبّهها بـ (الأكراد)؛ وهذا يعني أن (الأكراد) كانوا معروفين، في الوسط الثقافي خاصة والاجتماعي عامة، بأنهم مَضرِب المثل في الفقر وشدة البأس والسطو على ممتلكات الآخرين.

· ذكر الراغب الأصفهاني أن صبياً قرأ على معلم: ” (عليها ملائكةٌ غِلاظٌ شِدادٌ يَعصُون الله ما أمرهم ولا يفعلون ما يؤمرون). فقال: هؤلاء أكراد لا ملائكة “. (الراغب الأصفهاني: محاضرات الأدباء، ج 1، ص 54). والمقصود هو الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [سُورة التَّحْرِيم، الآية 6].

تعليق: واضح من هذه المعلومة أن الحديث عن (الأكراد) كان مادة صالحة للفكاهة والإضحاك، ووسيلة فعّالة لتوضيح المفارقات، فالملائكة النورانيون لا نقيض لهم في غربي آسيا، بل في العام كله، إلا (الأكراد) الشيطانيون، وحينما يكون الأمر متعلقاً بتبشيع صورة الكرد يصبح كل شيء مباحاً؛ وحتى الآيات القرآنية (كلام الله) يجوز التلاعب بها، وإخراجها عن مساراتها الصحيحة، وتوظيفها بما يحقق أهداف الناشطين في مجال تعميم مشروع (أبلسة الكرد).

· ذكر ابن عَساكِر الخبر السابق برواية أخرى، مفادها أن الصبي قرأ على المعلم: (عليها ملائكةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعصون الله ما أمرهم ويَفعلون ما يَأمُرون). فقال له: يا ابن الخبيثة، ما هؤلاء إلا أكراد شَهْرَزُور، وليس هؤلاء ملائكةٌ “. (ابن عَساكر: تاريخ دمشق ج 68، ص 73).

تعليق: الملاحظ هنا أن الشيطانية (نقيض نورانية الملائكة) صارت صفة لأكراد شَهْرَزُور خاصة، وليست صفة للأكراد عامة. وكان اسم شَهْرَزُور يُطلَق على المنطقة التابعة لمدينة سُليمانية الحالية في إقليم كردستان- العراق، وكانت مدينتها الكبرى تسمّى شَهْرَزُور.

 

جهالة وسذاجة

جاء في عدد من مصادر التراث الإسلامي وصف الكرد بالجهالة والسذاجة والغفلة، وفيما يلي بعض تلك الأقوال:

· قال الآبي (أبو منصور سعد بن الحسين): ” وسأل كِسرى مَوْبَذه [= المَوْبَذ: كبير رجال الدين الزردشتي]: أيُّما أكثر: الشياطين أو الناس؟ فقال: إن حَسَبْتَ الأكرادَ والرعاةَ والعامّةَ وأهلَ الأسواق من الناس فإن الناس له كثيرٌ “. (الآبي: نثر الدر، ج 2، ص 51).

تعليق: إذاً فـ (الأكراد)- من بين جميع شعوب غربي آسيا على أقل تقدير- هم في الدرك الأسفل جهالة وتخلفاً، وهم معدودون من الشياطين، وليس لهم مكان في خانة البشر الصالحين؛ هكذا كان حكم الموبذ، حسبما تفيد الرواية، وظل هذا الحكم حياً في ذاكرة مثقفي غربي آسيا من أمثال الآبي، وصحيح أن الموبذ يُعّد من (الضالّين) حسب التوصيف الإسلامي، لكن ما دام الخبر يصب في طاحنة القائمين على مشروع أبلسة الكرد فأقوال (الضالين!) لا تفقد جاذبيتها، وتظل صالحة للرواية.

· قال الإمام أبو حامد الغزالي في بيان علاج الغضب: ” بل ينبغي أن يعالَج هذا الجاهلُ بأن تُتْلى عليه حكاياتُ أهل الحِلم والعفو، وما استُحسِن منهم من كَظْم الغَيْظ، فإنّ ذلك منقولٌ عن الأنبياء والأولياء، والحكماء والعلماء، وأكابر الملوك الفُضلاء. وضدُّ ذلك منقولٌ عن الأكراد والأتراك والجهلة والأغبياء؛ الذين لا عقولَ لهم ولا فضلَ فيهم”. (أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين ج 3، ص 172 – 173).

تعليق: الملاحظ أن الغزالي جعل الأكراد والأتراك في خانة الجهلة والأغبياء، تلك الخانة التي تعدّ نقيضاً لخانة أهل القداسة من الأنبياء والأولياء، ونقيضاً لخانة أهل المعرفة من الحكماء والعلماء، وبدا حريصاً على أن يجعل للكرد قَصَب السَبْق في هذا المجال.

· قال ابن تَيْمِيَة بشأن مسألة خَلْق القرآن: ” وكان بعضُ أهل الحديثِ إذْ ذاك أطلقَ القولَ بأنّ لَفْظِي بِالقُرآن غيرُ مَخلوقٍ؛ مُعارَضةً لِمَن قال: لَفْظِي بالقُرآن مَخلوقٌ، فبَلغَ ذلك الإمامَ أحمد [= ابن حَنْبَل]، فأَنْكَرَ ذلك إنكاراً شديداً، وبَدَّعَ مَن قال ذلك، وأَخْبرَ أنّ أحداً مِن العلماء لم يَقُلْ ذلك، فكيف بِمَنْ يَزعم أنّ صوتَ العبدِ قديمٌ؟ وأقبحُ من ذلك مَن يَحْكي عن بعض العلماء أنّ المِدادَ الذي في المُصحَف قديمٌ، وجميعُ أئمّة أصحابِ الإمامِ أحمد وغيرُهم أَنكَروا ذلك، وما عَلِمتُ أنّ عَالِماً يقول ذلك إلا ما يَبْلُغُنا عن بعض الجُهّال مِن الأكراد ونَحوِهم “.(ابن تيمية: مجموع فتاوى ابن تيمية، ج 3، ص 29).

تعليق: مرة أخرى عمد ابن تيمية إلى توظيف الحيل السردية، فصرّح باسم (الأكراد)، وأدرج الآخرين من الجهّال تحت بند (ونحوهم)، باعتبار أن الأكراد (جدارهم وَطيء)، أما جدران الآخرين فمرتفعة.

· قال ابن منظور الإفريقي: ” الرَّشْمُ أن تُرشَمَ يد الكُرْدِيِّ والعِلْجِ كما تُوشَمُ يدُ المرأة بالنِّيل [= صبغ أزرق] لكي تُعرف بها، وهي كالوَشْمِ “. ( ابن منظور: لسان العرب، مادة رشم).

تعليق: كي يوضّح ابن منظور معنى (الرَّشْم) ضرب مثالاً من الواقع، وهو رشمُ يد الكردي والعِلج، والرشم نوع من الخَتْم كانت السلطات تَختم به أيدي بعض الناس المغضوب عليهم، كي يكونوا معروفين أينما كانوا، وكي يسهل القبض عليهم عند اللزوم، وكان الحجّاج بن يوسف الثَّقَفي أشهر من مارس ذلك بحق النَّبْط (سكان جنوبي بلاد الرافدين).

والمهم في هذه المعلومة اللغوية أن الكردي والعِلْج هما في خانة واحدة من حيث الإذلال والاتهام، ويتّضح الأمر أكثر إذا أخذنا في الحسبان أن معنى (عِلْج) في العربية هو (حمار الوحش) الضخم القوي، وفي العهد الإسلامي الأول أُطلق لقب (عِلْج) على أعداء العرب المسلمين من الفرس والروم، والجمع (علوج)؛ بمعنى الناس الكفّار والمنحطّون والأراذل.

· قال أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي، وهو شاعر عراقي بغدادي (ت 393 هـ = 1003 م):

وأنا دَعِيٌّ في البلاغة، مُلْصَقٌ

في الشعر، مُنسلِخٌ من الآدابِ

ويُباع في الأكراد شعري إنّه

يَغْلُو إذا ما بِيعَ في الأعرابِ

(الثعالبي: يتيمة الدهر، ج 2، ص 414).

تعليق: إن الشاعر يُقرّ بأن شعره رديء، لكن له سوق رائجة بين (الأكراد)، باعتبار أنهم أناس جهلة وساذجون، وكل ما هو رديء مقبول عندهم، وكل حيلة تنطلي عليهم، وهذا يذكّرنا بالمقولة الدارجة- إلى يومنا هذا- في بلاد الشام ومصر (هل تَستكردني؟)؛ أي (هل تظن أنني كردي؟)، وتقال هذه العبارة عادة لمن يظن أنك ساذج غافل، ويحاول الاحتيال عليك.

هذه بعض اللوحات المشوّهة في مصادر التراث الإسلامي.

وسنستكملها في حلقة قادمة.

المراجع

1. الآبي: نثر الدُّر، كتاب إلكتروني، موقع الوَرّاق، http://www.alwarraq.com

2. ابن تَيْمِيَة: الفتاوى الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1987.

3. ابن تيمية: مجموع: مجموع فتاوى ابن تيمية، كتاب إلكتروني، موقع الإسلام، http://www.al-islam.com

4. الثَّعالِبي: يتيمة الدهر، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1973.

5. الجاحظ: رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1979.

6. الإمام أبو حامد الغَزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، 1982.

7. الراغب الأَصْبَهاني: محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء، د. م، د. ن، 1970.

8. الطبري: تاريخ الطبري: تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1979.

9. ابن عَساكر: تاريخ مدينة دمشق، تحقيق محبّ الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العَمروي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1995.

10.المَسْعُودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت، 1982.

11.المِناوي: فيض القدير في شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير، تحقيق حمدي الدمرداش محمد، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1998.

12.ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، 1970.

13.اليَعْقوبي: البلدان، كتاب إلكتروني، موقع الوَرّاق، http://www.alwarraq.com

 

وإلى اللقاء في الحلقة الثالثة عشرة

د. أحمد الخليل في 22 / 3 / 2009