الأحد, أبريل 21, 2024

مسلسل “الحشاشين”.. الخرافة في خدمة الدعاية السياسية

القسم الثقافي

عدنان نعوف

يستحق المسلسل التلفزيوني “الحشاشين” لقب “صانع المتاهات”، ففي حين انهمك مُروِّجُون لأعمال درامية أخرى بتناول جوانب فنية، بَدَت الماكينة الإعلامية المرافقة لـ”الحشاشين” مشغولة بشد عصب الانتماء لدى المُشاهد ولو عبر إشعال أكثر من جبهة جدلية، والمُسارعة لإسكات أعداء المسلسل المُفترَضين.

يتطرق العمل إلى قصة حسن الصباح، مؤسس الطائفة الإسماعيلية النزارية، أو “الحشاشين” بحسب تسمية أشاعها رحالة أوروبيون، وجرى استخدامها في أوساط عربية لاحقاً.

أساطير إسلامية؟

لعل أشهر المعارك الإعلامية التي أحاطت بالعمل كانت حول استعمال اللهجة المصرية بدل العربية الفصحى. بعدها تمّ تبرير تشويه الأحداث بالقول: “إن المسلسل من وحي التاريخ. يعني مش وثيقة تاريخية” مثلما ذكرَ المخرج “بيتر ميمي” في تصريحات صحفية. جاء ذلك وسط أخذ وردّ شاع معه استعمال كلمة “أساطير” لوصف المادة الدرامية لـ “الحشاشين”.

هنا دخل الجدل متاهة التوصيفات نظراً لأن فكرة “الحدث التاريخي” في الإسلام قد يحكمها أساساً سحر الروايات الشفهية وسردها، إذ يستطيع الراوي- اعتماداً على مشاعر الجمهور- أن ينقل للناس قصة “الإسراء والمعراج” أو الملائكة في “غزوة بدر” على أنها وقائع مؤرّخة، فيما يَصفُ أحداثاً مرتبطة بجماعة ما بأنها “أساطير”!.

ومع الأخذ بالاعتبار أن قصص الإسماعيليين النزاريين في فترة قلعة “آلموت” حفلت بتحوّلات، وألهمت بطبيعتها روائيين وكتّاب ورحالة أوروبيين كالإيطالي ماركو بولو، يبقى الوَصف الأدق لحكايات من قبيل تناول مقاتلين لنبات مخدر هو “خرافات”. ومن هذا المصطلح يمكن التمييز بينَ: حكاية قد تشكّل مادة للفنتازيا كنوع أدبي، وفبركة سياسية لتبرير إدانة جماعة على أساس عقائدي. وفي حالة الإسماعيليين الأوائل اجتمع النوعان الأول والثاني وامتزجت المادة الروائية الخيالية المنسوجة عنهم بالدعاية الرسمية الموجهة ضدهم، فكانت النتيجة تصويرهم إما كتنظيم خبيث من القَتَلة المدمنين، أو استخدام وصف”حشيش” – دون اتهام مباشر لأتباع المذهب باستعماله – لوصمهم بأنهم”متساهلون بالمبادىء الأخلاقية”. وفوق ذلك أضافت اختزالات شعبية تتغذى من فتاوى حمولتها العنصرية، وهو ما يؤدي عادةً إلى فرز الناس لبعضهم البعض عبر مسميات مثل “روافض، نواصب، ملاحدة، عبدة عجل، أحفاد خنازير، إرهابيون” والتي اختبرها أهالي المنطقة كأداة للقتل “الحلال” في حروب أهلية.

صراعات سياسية.. بلا أخيار وأشرار

تكمن مشكلة الشرق الأوسط في سهولة مزج التاريخ القديم بالحديث اعتباطياً. ما يؤدي إلى نزاع هوياتي بدائي يرفض اتخاذ مسافة من مراحل تاريخية بعيدة. وبالمحصلة يستعر من وقت لآخر تنافس التفوق الانتمائي والمظلومية.

وبناءً عليه فإن الإسماعيليين النزاريين (نسبةً إلى نزار ابن الخليفة الفاطمي الثامن؛ المستنصر) ومن ينتمي منهم للمذهب عقيدةً أو فكراً ليسوا استثناءاً ضمن تجاذبات الهويات. لكن ذلك لا يمنع تتبع جذور الحملات ضدهم ضِمنَ صراعات دَعَويّة وسلطويّة وَصَلت إلى ما نشهده اليوم من تحليلات مثيرة للشفقة لِفرط سُخفها تُشبّههم بحركة “الإخوان المسلمين”!.

وبالعودة إلى البدايات، “وباعتبار أن الإسماعيليين كانوا منذ وقت مبكر الفئة الأكثر ثورية في الإسلام الشيعي وتمتلك برنامجاً يهدف إلى اقتلاع العباسيين وإعادة الخلافة إلى خط من الأئمة العلويين، فقد أثاروا عداء المؤسسة السنية الحاكمة ضدهم. ومع الوقت وخصوصاً بعد تأسيس الدولة الفاطمية عام 909 م شنّ العباسيون وعلماؤهم من السنة ما بلغ مبلغ حملة دعائية رسمية مناوئة للاسماعيليين بهدف الانتقاص منهم وإدانتهم كهراطقة”، بحسب الأكاديمي الإيراني فرهاد دفتري. كما وضع الأوروبيون لمستهم في العصور الوسطى (على أثر الحروب الصليبية ومواجهاتهم مع الإسماعيليين)، وقاموا بفبركة عدد من الحكايات حول ممارسات سرية لمَن يسمون بـ”الحشاشين”.

إذاً، يفسّر العامل السياسي الدعاية الموجهة ضد الإسماعيليين وأشكال الصِّدام معهم والذي لم يرتبط بمذهب أو دين، فحتى في ظل الحكم الصفوي الشيعي الإثني عشري في فارس تعرّضوا للاضطهاد. أي أنهم كانوا طرفاً في معادلات سياسية فيها المعارك والتحالفات والاغتيالات والقتل المتبادل، وإنْ ارتسمت في ذهن الناس (بدفع من قوى سلطوية) وكأنها صراع بين أخيار وأشرار.

لكن وبعيداً عن التشويق الدرامي في حكاياهم، يَبرُزُ هنا السؤال:”لماذا ظلّ الإسماعيليون محور سجالات حتى بعد زوال دولهم؟ ربما قارَبَ المفكر السوري جورج طرابيشي السبب بأفضل طريقة عندما أشار في كتابه “نقد نقد العقل العربي: العقل المستقيل في الإسلام؟” إلى أن:” الإسماعيلية ليست فرقة عادية كعشرات غيرها من فرق الإسلام. فلئن تكن فرقة دينية بالمعنى القديم للكلمة، فهي أيضاً مذهب أيديولوجي بالمعنى الحديث للكلمة. وبقدر ما يمكن تعريف الإيديولوجيا بأنها منظومة فكرية متكاملة لتفسير الكون والتاريخ معاً، فإنه قد يكون مشروعاً الكلام عن إيديولوجيا إسماعيلية مبكرة سبقت بعشرة قرون ظهور الإيديولوجيات الحديثة”.

الإرث ومواكبة العصر

لم يجد الكثير من الإسماعيليين السوريين حالياً ممن استخدموا وسائل التواصل للرد على مسلسل “الحشاشين” جديداً في أساليب الطعن بإرثهم أياً كانت أهداف الجهة المروجة. وسواء تمّ اعتبار مذهبهم إيديولوجيا ماركسية إسلامية مُبكرة أو حركة صوفية أو طائفة شيعية إمامية، فالأكيد أنهم كباقي مكونات المنطقة يستحقون معرفة المزيد عنهم، وعدم التلطي خلف “الجهل” لتسويغ عمليات التشويه بحقهم. وإذا كان الانتماء الجمعي في دول عربية لا يستقيم دون الغَرف الدائم من التاريخ فليس بالضرورة نسف إسهامات فكرية لفئة لصالح أخرى واتباع أسلوب التجييش الغرائزي بإقناع جمهور معين بأنهم “أهل الحق” وما سواهم “أهل باطل”، ثم التفاجؤ بأن بلادنا تصدّر المتطرفين!.

وعلى أرض الواقع لم يعد الإسماعيليون المعاصرون يَرَون في قلاعهم في “آلموت” و”مصياف” و”الكهف” إلا أثاراً من مرحلة غابرة مضت. وبينما تشغلهم في مجتمعاتهم الحالية قضايا كمواكبة العصر والانفتاح على العالم والمساواة بين المرأة والرجل، وسوى ذلك مما يعزز الشراكة الوطنية والإنسانية ويعطي وجهاً حضارياً للطائفة، تنشغل مؤسسات رسمية عربية كما يبدو بمحاربة طواحين الهواء، أو محاصرة قلاع خاوية، ظناً منها ربما بأنها تستطيع ضبط مزاج جماهيرها في القرن الحادي والعشرين بجرعات متفاوتة من تنوير مُتأخّر ومن شوفينية دينية وقومية.

المصدر: نورث برس

شارك هذا الموضوع على