الكاتب: فؤاد طه
يُعد كتاب “أرشيف نامة” (الرسائل المؤرشفة أو أرشيف الرسائل)، للمؤلف والكاتب والصحفي وأحد شخصيات مدينة أربيل البارزة إحسان رشاد المفتي، رداً بليغاً وتفنيداً تاماً لمن يزعمون بأن ليس للكرد أرشيف تاريخي، وتأكيداً قاطعاً على امتلاكهم أرشيفاً غنياً وثرياً لا يستهان به.
يُمثل هذا الكتاب وثيقة تاريخية هامة انضمت مؤخراً إلى المكتبة الكردية، لتكون ملاذاً ومصدراً غنياً للباحثين والشغوفين بجمع الوثائق التاريخية. ويسعى الكاتب من خلال مؤلَّفه هذا، الذي يقع في 600 صفحة، إلى دحض المزاعم التي تدعي افتقار الكرد للأرشيف. وقد استند إحسان رشاد المفتي في إنجاز هذا العمل على وثائق تاريخية جمعها على مدى عقود طويلة، موثقاً إياها بالصور والمخطوطات الأصلية، ومتخذاً من القصاصات الورقية، واللقاءات، وأحاديث المجالس مصدراً أساسياً لتدوين هذا الأرشيف.
وكما يوضح الكاتب في مقدمته، فإن “أرشيف نامة” هو مؤلَّفه الثاني بعد كتاب “رسائل كاكه حمد الشيخ”، كتب في خلال أعوام (١٨٧٨-١٨٨٦)وهو ثمرة عقود من الجهد الشاق في حفظ الوثائق بعناية، لتتحول في النهاية إلى هذا الكنز الوثائقي المطبوع في حُلّة مرموقة.
جمالية التصميم ودلالات الغلاف
صُمم عنوان الكتاب وغلافه بعناية فائقة ليتناغما مع المحتوى الداخلي، مشيرين بوضوح إلى طبيعة الوثائق التاريخية التي يضمها:
الغلاف الأمامي: يوضح الكاتب أن محتوى الكتاب عبارة عن مختارات من أرشيفه التاريخي الممتد عبر عقود. وقد زُيّن الغلاف الأول بوثيقة خطية نادرة لـ مولانا خالد النقشبندي، الشخصية الدينية البارزة للطريقة النقشبندية، والذي كان ولا يزال يتمتع بمكانة دينية مرموقة لدى الكرد والمسلمين حول العالم. كما وضع الكاتب صورة لأول ختم لمولانا خالد يعود تاريخه إلى سنة 1809، صُنع أثناء تواجد الشيخ في الهند.
الغلاف الخلفي: قدم فيه الكاتب ملخصاً للمؤلَّف بثلاث لغات، واصفاً إياه بأنه: “رحلة نصف قرن في عالم الكتابة والوثائق والمخطوطات، في أجواء دينية وتاريخية من رحاب قلعة أربيل…”. وبجوار صورة قلعة أربيل التاريخية، أدرج الكاتب بالتنسيق مع مصمم الغلاف مخطوطتين؛ إحداهما رسالة مفتى ديار المكة ١٨٨١ احمد بن زين الدحلان يثني فيها على الشيخ عمر ملا أبو بكر الكردي الأربيلي) موكدا الهوية الكوردية لهذه الاسرة في أربيل .
وقد صاغ الكاتب مقدمة دقيقة وموجزة، وأرفق فهرساً مفصلاً ليكون بمثابة بوابة للقارئ يلج منها إلى عالم “أرشيف نامة”، حيث قسّم الكتاب إلى أربعة أجزاء رئيسية وفقاً للمراحل التاريخية المختلفة، موثقاً فيها 53 موضوعاً تاريخياً رُتبت حسب تاريخ صدورها أو تبعاً للأحداث التي عاصرها الكاتب.
فصول الكتاب وأجزائه الأربعة
الجزء الأول: عبق التاريخ ومكتبة رشاد المفتي
يعرّف الكاتب هذا الجزء بأنه “مختارات من الأرشيف التاريخي للمؤلف”، ويستعرض فيه وثائق تاريخية هامة من القرون الماضية؛ أبرزها وثيقة بيع منزل في قلعة أربيل تعود للقرن السابع عشر (حُدد فيها السعر بـ 15 قرشاً)، وهي وثيقة ثمنية احتفظت بها العائلة وتوارثتها عبر الأجيال في “مكتبة رشاد المفتي”. كما يؤرخ هذا الفصل للأزمات المعيشية وسنوات القحط والغلاء التي عصفت بالمنطقة (مثل أعوام 1756 و1880، والأزمة الكبرى التي تلت الحرب العالمية الأولى عام 1917). ويضم الفصل أيضاً وثائق تتعلق بـ “قاموس الأعلام” للمؤلف شمس الدين سامي، ووثائق أخرى تؤكد هوية كركوك الكردستانية منذ أكثر من قرن.
الجزء الثاني: حقبة الانتداب والعهد الملكي (1918 – 1958)
سلط الكاتب الضوء في هذا الجزء على الأهمية السياسية والاجتماعية لمدينة أربيل إبان عهد الانتداب البريطاني والمملكة العراقية. ويروي أحداثاً تاريخية موثقة؛ منها دور متصرف أربيل في اتفاقية الشيخ محمود الحفيد مع السلطات الإنجليزية عام 1927، بالإضافة إلى زيارة الملك لقلعة أربيل وإقامته في منزل كبير علماء أربيل والكرد (ملا أفندي 1863 – 1942) الذي كان عميد لاسرتهم آنذاك. كما يشتمل الفصل على وثائق حول حركة مايس عام 1941 (حركة رشيد عالي الكيلاني)، وجانباً من نشاطات أول متصرف لأربيل، محمود أحمد عثمان.
الجزء الثالث: العهد الجمهوري والتعايش السلمي (1958 – 1991)
تناول هذا الجزء الحقبة الممتدة من قيام الجمهورية وصولاً إلى الانتفاضة الكبرى عام 1991. ونشر فيه الكاتب حوارات وروايات تاريخية مستقاة من أجواء المساجد ومجالس والده القاضي رشاد مفتي، والتي كانت ملاذاً لحل مشكلات الناس، لا سيما في مجلس يوم الجمعة الذي كان يُعقد قبل الخطبة للاستماع إلى شكاوى المواطنين.
كما أشار إلى دور شخصيات كردية بارزة في الإدارة والسياسة والمجتمع الكردي عامة وأربيل خاصة، مثل: مصطفى العزيري وشمس الدين المفتى في الحركة الكوردية والشيخ محمد الخال وهو غنى عن التعريف ناشرا رسالة أدبية بالغة كتبة الخال للكاتب عام ١٩٨٢ . وأفرد الكاتب مساحة مميزة لدور القاضي رشاد مفتي في تعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي بين الأديان، مستشهداً بمواقف عايشها بنفسه؛ مثل صلاة القاضي في الكنيسة أثناء تشييع جثمان صديقه الصيدلاني الأول في أربيل (السيد بولس المسيحي)، ومشاركة غير المسلمين في زيارة الجامع.
وفي لفتة شخصية، يستذكر الكاتب أول مرة ذُكر فيها اسمه في الصحافة الكردية وهو في سن السادسة، عندما كتب والده قصيدة باسمه في مجلة “هتاو” (الشمس) عام 1960، ثم نشره لأول مقال عن أربيل باللغة العربيك في مجلة “مجلتي” عام 1970 وهو في سن السادسة عشرة، وصولاً إلى كتاباته في مجلة “كاروان” عام 1984.
الجزء الرابع: مرحلة ما بعد الانتفاضة (1991 – حتى صدور الكتاب)
خصصه الكاتب للمرحلة التي تلت انتفاضة عام 1991، مستعرضاً محطاته المهنية، ولقاءاته الصحفية، ومقابلاته الخاصة. ويبرز في هذا القسم زيارة الرئيس الراحل جلال الطالباني (مام جلال) للمرحوم رشاد المفتي، والحديث الذي دار بينهما حول “قاموس الأعلام” وحول كردستانية كركوك بالوثائق والأدلة.
الخاتمة
ختاماً، فإن صفحات كتاب “أرشيف نامة” تثبت بالأدلة الدامغة أن للكرد إرثاً أرشيفياً غنياً ونادراً، مؤكدةً على ضرورة العمل المستمر لحفظه وتوثيقه. نجح المؤلف بعكتابه الجديد الذى نال اعجاب القراء في دحض كل الادعاءات التي تزعم ضعف الأرشيف التاريخي الكردي، ليبقى الكتاب شاهداً حياً يوثق جانباً مشرقاً ومهماً من التاريخ الثقافي والسياسي والاجتماعي الكرد











