على الرغم من إهمالهم، يظل الكرد حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة

تكبير الصورة

بقلم: مانيش راي

خلال الحرب الأمريكية الإيرانية التي انتهت جزئياً مؤخراً، شنت إيران ووكلائها في العراق أكثر من 850 هجوماً بالصواريخ والطائرات المسيرة على إقليم كردستان العراق. وعلى الرغم من أن إيران أطلقت آلاف المقذوفات باتجاه إسرائيل ودول الخليج، وهو ما حظي باهتمام دولي أوسع، إلا أن الهجمات التي شُنت على إقليم كردستان العراق من قبل الإيرانيين ووكلائهم لم تنل سوى النزر اليسير من الاهتمام. ومقارنة بالردود الانتقامية الإيرانية ضد شركاء الولايات المتحدة الآخرين، فإن هذه الهجمات ضد كردستان العراق كانت متميزة من حيث النوعية؛ ففي كردستان، مرت المقذوفات الإيرانية دون رادع إلى حد كبير بسبب غياب قدرات دفاع جوي مماثلة، على العكس من أجزاء أخرى في المنطقة حيث جرى اعتراض الغالبية العظمى منها. ولا تهدف هذه الهجمات إلى تقويض المجهود الحربي الأمريكي من خلال إحداث أضرار اقتصادية عالمية، كما نشهد في حالة الهجمات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة في الخليج. وخلافاً للرشقات الصاروخية الموجهة نحو إسرائيل، فإنها ليست ردوداً انتقامية على تورط الإقليم في الصراع أيضاً، بل إن الهجمات الإيرانية على إقليم كردستان العراق هي محاولة لإجبار أحد أقرب شركاء أمريكا في المنطقة على التخلي عنها، وطرد الولايات المتحدة من آخر موطئ قدم متبقٍ لها في العراق، وتعزيز النفوذ الإيراني على جيرانها المباشرين.

ولا ينبغي تفسير الضربات الإيرانية ضد الجماعات الكردية الإيرانية المتمركزة في إقليم كردستان على أنها احتواء استباقي لهذه الجماعات المعارضة، إذ إن استمرار استهداف الإقليم، حتى بعد وقف إطلاق النار الذي تم بوساطة قطرية، يشير إلى أجندة أعمق. ويُعد كردستان الإقليم الأكثر ازدهاراً واستقراراً في العراق، وقد حافظت علاقات كردستان القوية مع الولايات المتحدة ومساعدتها في مكافحة الإرهاب على هذا الوضع. ويستضيف الإقليم الآن كافة قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، والبالغ عددها 2500 جندي والمستقرة في قاعدة “حرير” الجوية ومطار أربيل الدولي، وذلك في أعقاب إعلان العراق الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من أراضيه الاتحادية. علاوة على ذلك، ومع إعلان حكومة إقليم كردستان عن صفقة طاقة بقيمة 100 مليار دولار مع شركتين أمريكيتين إضافيتين، هما “شيفرون” و”إكسون موبيل” في عام 2025، فإن هذه الشركات تمتلك حصصاً كبيرة في المنطقة. فضلاً عن ذلك، فإن كردستان هي المنطقة الوحيدة في العراق التي لم تتمكن إيران والميليشيات التابعة لها من تأسيس وجود سياسي واقتصادي قوي فيها. ومنذ 7 أكتوبر 2023، تضاءلت الجماعات الوكيلة لإيران في الشرق الأوسط بشكل ملحوظ؛ ونتيجة للعمليات الإسرائيلية التي ألحقت أضراراً جسيمة بحركتي حماس وحزب الله، أصبحت طهران تعتمد بشكل متزايد على حلفائها داخل الحشد الشعبي العراقي، الذين ظلوا بمنأى عن الأذى نسيباً. وقد أصبح كردستان العراق ساحة المعركة الرئيسية لقوات الحشد الشعبي لاستهداف القوات والمصالح والشركاء الأمريكيين، لا سيما منذ انسحاب الولايات المتحدة من شمال شرق سوريا. ويقر مسؤولون أمريكيون كبار بالفعل بأن العراق أصبح “ساحة معركة رئيسية بالوكالة” بين واشنطن وطهران.

ولسوء الحظ، فإن الهدف الإيراني يجري تسهيله بفعل غياب رد أمريكي جوهري ودعم لحكومة إقليم كردستان في أعقاب هذه الهجمات. وفي سياستها تجاه الكرد، كانت الولايات المتحدة مدفوعة بالاعتبارات الاستراتيجية، حيث لم تدعم التطلعات الكردية إلا عندما تتماشى مع أهدافها. لقد كان هذا نمطاً متكرراً من تمكين الكرد بشكل عابر، يليه عدم استقرار وتراجع في الحكم الذاتي. لقد كانت حكومة إقليم كردستان واحدة من أكثر شركاء واشنطن موثوقية في الشرق الأوسط، حيث ساعدت في جهود مكافحة الإرهاب وجعلت المنطقة أكثر استقراراً، وإن السماح بجعلها عرضة للخطر في أعقاب هذا الصراع سوف يؤدي إلى تقويض مصداقية الولايات المتحدة وإضعاف أحد نماذج الحكم القليلة الفعالة والمتحالفة مع الغرب في المنطقة. وفي العراق، لا ينبغي أن تكون هناك مخاطر وجودية مرتبطة بالالتزام بالشراكة مع الولايات المتحدة. وباعتبارهم شريكاً أثبت كفاءته في تعزيز الاستقرار الإقليمي، يُعد الكرد أحد آخر الركائز الحيوية للنفوذ الأمريكي في العراق، والسماح بإضعافهم سيمكن طهران من تحقيق نصر استراتيجي سيكون من الصعب للغاية، إن لم يكن من المستحيل، التراجع عنه.

تمر العلاقات بين إقليم كردستان والولايات المتحدة حالياً بمنعطف حرج، إذ تتزايد التوترات بسبب تغير أولويات الولايات المتحدة، على الرغم من أن التاريخ المشترك يغذي هذه الروابط. إن هذا الوضع المحفوف بالمخاطر يحمل في طياته احتمالية تفجر العنف، وعدم الاستقرار، والأزمات الإنسانية، أو التراجع عن المكاسب السياسية والاقتصادية والأمنية التي حققها الكرد. ولن يؤدي هذا التراجع إلى إقصاء شريك أمني رئيسي للغرب فحسب، بل إنه سيعوق أيضاً انتشار الديمقراطية في منطقة تحكمها أنظمة سلطوية، كما يمكن أن يكون له تأثير كبير على سمعة أمريكا العالمية كحليف موثوق. وبناءً على ذلك، يتعين على الولايات المتحدة إبداء المزيد من الالتزام بالدفاع عن إقليم كردستان، وستكون الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي تزويد الإقليم بأنظمة دفاع جوي قادرة على اعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ التي تطلقها إيران ووكلائها. ويسعى مسؤولو حكومة إقليم كردستان للحصول على مثل هذا الدعم منذ فترة طويلة، لكنهم غالباً ما يصطدمون بالإحباط بسبب القيود البيروقراطية التي تتطلب موافقة الحكومة الاتحادية في بغداد، حتى بالنسبة للقدرات الدفاعية. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي لواشنطن أن تتخذ نهجاً استباقياً نحو إرساء اتفاق طويل الأجل بين بغداد وأربيل فيما يتعلق بإدارة النفط وتصديره، وتخصيص الميزانية، وتقاسم السلطة. وبما أن الولايات المتحدة تمتلك نفوذاً دبلوماسياً وسياسياً ومالياً كبيراً على الحكومة العراقية، فإن بإمكانها الضغط على بغداد لقبول المطالب المشروعة لحكومة إقليم كردستان. ولضمان استقرار حكومة الإقليم وقدرتها على العمل كشريك أمني إقليمي، فمن الضروري حل مشكلاتها المالية المزمنة.

(الكاتب محلل جيوسياسي أسترالي وكاتب عمود متخصص في شؤون الشرق الأوسط)

Despite their neglect, the Kurds remain a strategic ally of the USA

× Zoomed Image
Scroll to Top