دانية الشماس
في كل غرزة تطريز حكاية، وفي كل قطعة قماش تقليدية ذاكرة، وفي كل تصميم مستوحى من التراث الكردي أثرٌ من تاريخ تناقلته الأجيال. لكن خلف جمال الأزياء والمشغولات اليدوية، تقف حرفيات يمتلكن مهارات ثمينة، ويواجهن تحدياً حقيقياً يتمثل في كيفية الحفاظ على هذه المهن وتطويرها في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتغير فيه أذواق المستهلكين.
في أربيل، حيث يلتقي الموروث الثقافي بالحياة العصرية، تبرز قضية تستحق الاهتمام: كيف يمكن تحويل الحرف اليدوية الكردية من موروث يخشى البعض تراجعه إلى فرص اقتصادية وثقافية تفتح أبواب المستقبل أمام النساء والشباب؟
التراث الكردي… هوية تُصنع باليد
تمثل الحرف اليدوية جانباً مهماً من الهوية الثقافية الكردية، بدءاً من تطريز الأقمشة وصناعة الأزياء التقليدية، وصولاً إلى الحلي والمشغولات والزخارف المستوحاة من البيئة المحلية.
ولا تقتصر قيمة هذه الأعمال على جمالها، بل تمتد إلى المهارات والمعارف التي تنتقل من جيل إلى آخر، وإلى القصص الاجتماعية التي تحملها التصاميم والألوان وأساليب الصناعة.
غير أن استمرار هذا الإرث يحتاج إلى أكثر من الاحتفاء به في الأعياد والمناسبات؛ فهو يحتاج إلى حرفيين وحرفيات قادرين على مواصلة العمل، وإلى زبائن يقدّرون قيمة الصناعة اليدوية، وإلى فرص حقيقية لتسويق المنتجات.
الحرفيات الكرديات… بين المهارة وتحديات السوق
بالنسبة إلى النساء اللواتي يعملن في التطريز وصناعة الملابس والمشغولات التقليدية، يمكن أن تكون الحرفة وسيلة للحفاظ على التراث ومصدراً للدخل في الوقت نفسه.
لكن تحويل المهارة إلى مشروع ناجح قد يواجه تحديات، من بينها كلفة المواد الأولية، والوقت الذي تتطلبه الصناعة اليدوية، والمنافسة مع المنتجات المصنعة بكميات كبيرة، وصعوبة الوصول إلى أسواق جديدة.
وهنا يبرز سؤال يستحق أن يُطرح على الحرفيات في أربيل: هل يحصل العمل اليدوي على التقدير المادي الذي يستحقه، أم أن طول ساعات العمل لا ينعكس دائماً على الأرباح؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب الاستماع مباشرة إلى النساء العاملات في هذا المجال، والتعرف إلى تجاربهن اليومية، وما يحتجن إليه للاستمرار وتطوير أعمالهن.
هل تستطيع التكنولوجيا إنقاذ الحرف التقليدية؟
قد تبدو التكنولوجيا، للوهلة الأولى، بعيدة عن عالم الحرف القديمة، لكنها يمكن أن تتحول إلى وسيلة مهمة لإحيائها.
فمن خلال تيك توك وإنستغرام وفيسبوك، تستطيع الحرفيات تصوير مراحل العمل، وشرح طرق التطريز، وعرض المنتجات، والتواصل مع زبائن جدد.
كما يمكن تطوير تصاميم تجمع بين النقوش الكردية والأزياء العصرية، أو إنتاج إكسسوارات وحقائب وقطع ديكور مستوحاة من التراث، بما يجعل هذه الفنون أقرب إلى اهتمامات الأجيال الجديدة.
لكن النجاح الرقمي لا يتحقق بمجرد نشر الصور؛ بل يحتاج إلى جودة المنتج، وتسعير عادل، وتصوير جيد، وخدمة موثوقة، وقدرة على إيصال الطلبات إلى الزبائن.
من حرفة منزلية إلى مشروع اقتصادي
يمكن أن تسهم الحرف اليدوية في خلق فرص عمل ودعم المشروعات الصغيرة، خصوصاً عندما تتوافر برامج تدريب وتسويق وتمويل مناسبة.
ومن المبادرات التي تستحق الدراسة في أربيل تنظيم معارض دورية للمنتجات التراثية، وإقامة ورش لتدريب الفتيات والشباب، وتوفير مساحات لعرض المنتجات المحلية، وربط الحرفيات بالمصممين وأصحاب المتاجر.
كما يمكن للمؤسسات الثقافية والتعليمية والجهات المعنية بالمشروعات الصغيرة أن تؤدي دوراً في دعم هذه المبادرات، بما يضمن استمرار المهارات التقليدية وتحويلها إلى أنشطة اقتصادية قابلة للنمو.
أسئلة تنتظر إجابات من الميدان
لكي لا يبقى الحديث عن الحرف اليدوية مجرد احتفاء بالتراث، يحتاج هذا الملف إلى تحقيق ميداني يجيب عن أسئلة أساسية:
كم عدد الحرفيات اللواتي يعملن في هذا المجال في أربيل، وما طبيعة أعمالهن؟
ما أبرز الصعوبات التي تواجههن في شراء المواد الأولية وتسويق المنتجات؟
هل تحقق الحرفة دخلاً كافياً، أم أنها تحتاج إلى مصادر دخل إضافية؟
هل توجد برامج تدريب أو دعم تساعد النساء على تطوير مشروعاتهن؟
كيف ينظر الشباب إلى الأزياء والمشغولات التراثية؟ وهل يرغبون في تعلم صناعتها؟
ما الدور الذي يمكن أن تؤديه المنصات الرقمية في توسيع سوق المنتجات اليدوية؟
إن الحصول على إجابات موثقة عن هذه الأسئلة سيمنح التحقيق عمقاً أكبر، ويساعد على الانتقال من وصف المشكلة إلى طرح حلول عملية.
الخاتمة: حين يصبح التراث فرصة للمستقبل
إن الحفاظ على الحرف اليدوية الكردية لا يعني إبقاءها أسيرة الماضي، بل منحها القدرة على الاستمرار والتطور من دون فقدان هويتها.
فكل امرأة تتعلم حرفة تقليدية، وكل شاب يبتكر تصميماً مستوحى من تراثه، وكل زبون يختار منتجاً يدوياً ويقدّر الجهد المبذول فيه، يساهم في إبقاء هذا الإرث حياً.
إن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه أربيل اليوم ليس كيف نحافظ على التراث في ذاكرتنا فحسب، بل كيف نجعله جزءاً من اقتصادنا وحياتنا ومستقبل أبنائنا؟
فقد تكون غرزة صغيرة في قطعة قماش بداية مشروع، وقد يتحول تصميم تقليدي إلى علامة تجارية ناجحة، وقد تصبح حرفة ورثتها امرأة عن أمها مصدراً للاستقلال الاقتصادي لجيل جديد.
التراث لا يحتاج إلى من يتذكره فقط؛ إنه يحتاج إلى من يعمل به، ويطوره، ويمنحه فرصة جديدة للحياة
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






