أيها الكرد السورييون اتحدوا ( ١٣ )

صلاح بدرالدين

بين تمثيل الشعب والتمثيل عليه
منذ نحو عشرة أعوام بدأ الصراع الحزبي يحتدم في ساحتنا الكردية السورية ، وكامتداد لمواجهات المحاور الكردستانية بين كل من حزب الاتحاد الديموقراطي الذي ظهر كفرع سوري لحزب العمال الكردستاني – تركيا ، والحزب الديموقراطي الكردستاني – سوريا الذي يصنف نفسه تابعا للحزب الديموقراطي الكردستاني – العراق ، اما المسائل الخلافية بين الطرفين واعتمادا على مخرجات اتفاقيات أربيل ودهوك ، انطلقت من الصراع على النفوذ ، وتركزت على موضوع – المحاصصة – بسلطة الامر الواقع التي استاثرت بها جماعات – ب ك ك – وامتيازاتها الوظيفية ، والمالية ، ولم تظهر خلال حواراتهما اختلافات سياسية كبرى حول المصير الكردي ، والموقف من نظام الاستبداد الحاكم آنذاك ، وقضايا الازمة العاصفة بالحركة الكردية السورية ، وسبل حلها ، بل كان الموقف العام لهما هو تجاهل ازمة الحركة ، والتعتيم على كل الأصوات وخصوصا على مشروع حراك ” بزاف ” المنشور ، والمطروح مبكرا ، والداعي الى إعادة بناء الحركة عبر المؤتمر الكردي السوري الجامع ، وهكذا وفي هذا المجال كان يتنازع خلال ذلك العقد في الساحة الكردية مشروع الأحزاب غير المستقلة الباحثة عن النفوذ وتقسيم الوظائف ، ومشروع الوطنيين المستقلين باسم حراك ” بزاف ” الساعي الى توفير شروط عقد المؤتمر الجامع المنشود لاعادة البناء ، وحل الازمة .
تواصل مع الاشقاء في الاقليم
ولان الاشقاء في أربيل كانوا معنيين بمايجري في ساحتنا ، واحتضانهم لاحد الفريقين ، وتوسطهم للحوار بينهما ، فقد تواصل ممثلو حراك ” بزاف ” مع الأخ الرئيس مسعود بارزاني الممسك بالملف لعشرات المرات ، وقدموا له أيضا اكثر من ثلاثين مذكرة ( جميعها موثق وبعضها منشور ) وكلها تتعلق بمطالبته بدعم مشروع عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع في كردستان العراق لانه الحل الوحيد لمعالجة الازمة .
سارت الأمور على هذا المنوال حتى سقوط نظام الاستبداد الذي فاجأ كل الكيانات السياسية السورية بما في ذلك – قسد ومسد ، وكل المسميات الأخرى المرتبطة بحزب العمال ، وكذلك الأحزاب الكردية برمتها ، والتي كانت اما على تواصل مع النظام المنهار او مراهنة على العودة الى احضانه ، مما شكل سقوطه خلطا للأوراق ، واثار قلقا في اوساطها خاصة عندما اعلن العهد الجديد عن حل كل الكيانات السياسية في البلاد ، وعدم التعامل مع الفصائل العسكرية ، والمنظمات الحزبية ، ( بعض مسؤولي تلك الأحزاب حاول الاتصال بالإدارة الانتقالية ولم تفلح ) وقد كان ذلك كفيلا باضطرار الأحزاب الكردية الى التعامل مع موضوعة – وحدة الحركة الكردية – بل ابعد من ذلك دعواتها المتباينة – لعقد المؤتمر الكردي السوري – الذي كان من المحظورات في اعلامها خلال عقد من الزمن ، وحتى تناولها الالتفافي الاضطراري الأخير كان من اجل اثبات الذات ، ومن منطلق المصلحة الحزبية الضيقة ، وبوسائل ملتوية اساءت – لجوهر – المؤتمر المنشود ، فلو كانت نيات هذه الأحزاب صادقة تجاه مسالة المؤتمر لاعلنت الاعتذار لحراك ” بزاف ” واعترفت بصدقية ، وتاريخية مشروعه بهذا الخصوص ، ولشعرت بنوع من تانيب الضمير بسبب رفضها لعشرات المبادرات ، وعدم ردها على العديد من رسائل حراك بزاف بخصوص الحوار ، وترتيب البيت الكردي واللقاءات التشاورية .
حذارى من التورط في الفتن الطائفية
يواجه العهد الجديد بعد انجاز اهم واعظم الواجبات الوطنية باسقاط نظام الاستبداد العديد من التحديات الداخلية من جانب موالي النظام المنهار وبعض التيارات ، والمجموعات الباحثة عن مصالح ضيقة ، والخارجية من الأطراف الإقليمية والدولية التي تضررت ، وخسرت نفوذها على حساب السيادة الوطنية للشعب السوري بسقوط صنيعتها نظام الأسد مثل النظامين الإيراني ، والروسي ، وميليشيات حزب الله ، والحشد الشعبي العراقي .
والتحدي الأكبر الذي تواجهه الإدارة الانتقالية هو النجاح في تحقيق اهداف ثورة السوريين في الحرية ، والكرامة ، والديموقراطية ، والعدالة الانتقالية ، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية بما في ذلك البرلمان ، وصياغة الدستور الجديد ، وابرام العقد الاجتماعي الجديد بين المكونات الوطنية ، ووضع اللبنات الأساسية للنظام السياسي بصورة توافقية ، وعلى قاعدة التشاركية ، والعيش المشترك ، وذلك يتطلب حرص الجميع على السلم الأهلي ، وتعزيز سلطة القانون ، وتسهيل عمل الدولة ، وبسط السيادة الوطنية على كل الأراضي ، واحتكار السلاح .
ليس خافيا ان سلطات الامر الواقع في بعض المناطق ، والمحافظات ، باشكالها الإدارية ، والعسكرية ، والحزبية ، والمذهبية التي ظهرت في عهد النظام السابق المنهار ، وكذلك مجموعات من خلايا نظام الأسد المسلحة التي تعمل بالخفاء ، ولم تستجب لعملية – التسويات – تتنشط الان في مناطق الساحل ، ان هذه المجموعات تنتمي بكليتها الى القومية الحاكمة ، وليست لديها قضية وحقوق قومية كما هو الحال في القضية الكردية السورية بحقوقها المشروعة ، والبعض منها لديها نوايا تآمرية لاعادة عقارب الساعة الى الوراء ، والبعض الاخر يمكن معالجة مطالبها عبر حقوق المواطنة ، وحرية المعتقد ، والنظام السياسي الديموقراطي .
هناك معلومات متواترة ، وتسريبات إعلامية لانعلم مدى دقتها تشير الى تورط جهات حزبية باسم الكرد بتقديم الدعم المالي ، والمعنوي لمجموعات مذهبية سورية ، وتشجيعها على التمرد بوجه العهد الجديد ، وكما يبدو فان مماطلتها بشان المؤتمر الكردي تعود الى انتظار حدوث هزات وردات ، نقول ان صحت هذه المعلومات فان المتورطين لايعبرون عن مصالح الكرد السوريين ، ويلحقون الضرر بحركتنا السياسية ذات التقاليد الوطنية والديموقراطية ، وعليهم التوقف عن اللعب بالنار ونذكر الجميع بان من مهامنا العاجلة ، واولوياتنا ترتيب البيت الكردي من خلال توفير شروط عقد المؤتمر الجامع .

اتفاقية دمشق – قسد سيزيل عقبة امام المؤتمر الكردي الجامع
مااعلن البارحة العاشر من آذار من اتفاق بثمانية بنود موقع بين رئيس الجمهورية ، وقائد – قسد – يأتي في سلسلة حل الفصائل العسكرية المسلحة على الأرض السورية ، وضمها الى وزارة الدفاع ، والمؤسسات الشرعية الانتقالية ، اسوة بعشرات الفصائل التي استجابت لنداء الإدارة الانتقالية منذ بداية اسقاط نظام الاستبداد ومن خلال مؤتمر النصر الذي انعقد بدمشق وبعده ، حيث لم يدع اليه حينها – قسد – ، هذا الفصيل العسكري الذي يضم افرادا بغالبية عربية ، وكذلك مجموعات من الكرد ، والمسيحيين في عدة محافظات ( شمال شرق سوريا ) ، ويقوده كما هو معروف كوادر من حزب العمال الكردستاني – ب ك ك – ، ويدعمه – عسكريا – التحالف الدولي بهدف محاربة – داعش – .
مااردنا من المقدمة أعلاه التأكيد على امرين : الأول – ان – قسد – ليست جزء من الحركة الكردية السياسية ، وهي لم تدعي ذلك يوما لافي برنامجه ، ولا في سياساته ، وماحصل ليس اتفاقا بين ممثلي الكرد السوريين ودمشق ، والبنود الثمانية لاتتعلق بوضع الكرد وحركتهم التاريخية ، وحقوقهم كشعب من السكان الأصليين ، وحل قضيتهم حسب ارادتهم الحرة ، والامر الثاني – ان انهاء الحالة الميليشياوية ، وسلطات الامر الواقع ، في عموم سوريا يصب لمصلحة كل السوريين وخصوصا الكرد بداعي إحلال السلام ، ومن اجل التفرغ لمعالجة كل القضايا العالقة ، وان انضمام قوات – قسد – المتواجدة في بعض المناطق الكردية الى الجيش السوري في سوريا الجديدة سيضع حدا للتوترات العسكرية ، والمصادمات التي يدفع ثمنها المدنييون الكرد من اهل المنطقة ، كما سيزيل عقبة كأداء امام مساعي عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع خاصة عندما تزول مظاهر – العسكرة – وتطبق القوانين الكفيلة بحرية العمل السياسي ، وعقد الاجتماعات والمؤتمرات ، وبعد ان يحل الحوار السلمي الحر مكان إجراءات المنع ، والقمع بسبب الاختلافات الفكرية والسياسية .
ومن هذه الرؤية الواقعية فان الاتفاقية المبرمة ببنوده الثمانية والواضحة جدا موضع الترحيب ، ومانتمناه ، ونطالب به هو التزام الجميع بتنفيذ بنوده خلال المهلة المعطاة وهي الأشهر التسعة الباقية من هذا العام .
عدم وضوح في تفسير بنود الاتفاقية
يبدو الجانب الحكومي بدمشق اكثر وضوحا بشان مااتفق عليه حيث اعلن بوسائل الاعلام عن حل – قسد – وضم مسلحيه الى قوى الدولة ، والنجاح في إزالة عقبة امام وحدة سوريا ، ووحدانية القوات العسكرية ، ووقوف الجميع ضد خلايا النظام البائد ، اما الطرف الآخر فكانه اختلطت عليه الأمور ، وتتفاوت مواقف – مسد – مع موقف –، مسؤولي حزب الاتحاد الديمقراطي ، فالاول اصدر بيانا فوقيا متصنعا باعتبار الاتفاق بين ( جنرال ) وبين السلطة الحاكمة من دون ذكر حتى اسم رئيس الجمهورية الموقع على الاتفاقية ، وإظهار الامر بغير محمل الجد ، والثاني اعلن وعلى لسان مسؤول العلاقات الخارجية بانهم باتوا شركاء في كل شيئ : الدولة ومؤسساتها ، ومصدر قراراتها ، ويتحملون مسؤولية صيانة الوضع والحفاظ عليه ، وذلك من دون اية إشارة ولو من بعيد الى القضية الكردية السورية ، والحقوق المشروعة .
ما يتجاهله جانب – قسد –
من الملاحظ ان اعلام – قسد – ومسمياتها الأخرى وفي أجواء من الغموض ، والارتباك ، والتناقض تمضي في تجاهل الحقائق ، وتزييف الوقائع ، :
١ – المبالغة في التعظيم ، والتبجيل ، ووضع هالة خيالية على إنجازات لم تتحقق .
٢ – التباين في تفسير الاتفاقية بين من يعتبرها انتصارا وطنيا سوريا نحو الشراكة الحزبية في الدولة ، وبين من يعتبرها ( حلا ) للقضية الكردية ، وكلا التفسيرين يفتقران الى الدلائل الواضحة .
٣ – من جهة يعتبرها البعض تنفيذا لاوامر القائد اوجلان الذي قرر حل – ب ك ك – وكل التشكيلات المرتبطة به بما فيها المتواجدة في سوريا ، ومن جهة ينفي البعض الاخر اية صلة بقرار ( آبو ) .
٤ – يحاول الجميع إخفاء الدور الخارجي وخاصة التحالف الدولي الذي وحسب المصادر العليمة اخطر – قسد – منذ نحو عشرين يوما بضرورة التفاهم مع دمشق ، واعطاها مهلة شهرين لتنفيذ ذلك ، كما يتجاهلون حقيقة الدور التركي المشجع لتلك الاتفاقية ، وتصريحات المسؤولين الاتراك بانهم منحوا المهلة الكافية للإدارة بدمشق للتفاهم مع – قسد – ، وكذلك الدور العربي – التركي والذي تجسد في قمة عمان ( السياسية العسكرية الأمنية ) قبل أيام .
٥ – يتهرب الجميع من حقيقة بطلان الادعاء بتمثيل الكرد او التفاوض لحل قضيتهم ، فلو كانت الاتفاقية بمثابة نتيجة للحوار الكردي الشرعي مع دمشق لتضمن الوفد المفاوض شخصيات مناضلة اصيلة في العمل الوطني الكردي ، ولقام – مظلوم عبدي – باستشارة الكرد السوريين ولو من باب الاعتراف بجميلهم في إيواء الوافدين من قنديل وبينهم عبدي نفسه .
مرة أخرى فان الاتفاقية بالرغم من كل الملابسات مرحب بها من غالبية الكرد السوريين وكذلك الاطياف الوطنية السورية ، وكما نرى فان حظوظ عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع باتت اوفر الان ، ونجدد نداءنا لكل الخيرين بالعمل معا وسوية من اجل تحقيق هذه المهمة النبيلة كطريق وحيد للانقاذ ، وحل الازمة .