مراد سليمان علو
الحكمة الكرمانجية القديمة تقول:
“تختبئ معاناة الطين في الحَنْجَرة”.
ولكن المثير في شرعنا، تنتهي المعاناة عندما يقرع عابر سبيل باب البيت الذي بناه (الإله أنليل) بيديه؛ ليسمع (شمّو كامو) وهو يغنّي من الفلكلور الشنكالي الأصيل.
ويستيقظ أهل كوجو قبل العصافير، يتناولون خبزهم، وببركة (خدلياس) يتوجهون إلى مزارعهم، ولكنهم لا يعودون إلى منازلهم هذه المرّة.
هاتِ يدكِ يا (نادية)، لنسير معا صوب قرانا التي خُلعت أبواب بيوتها، وسرقت شبابيكها، ولا تنسي أن تشطبي على التاريخ، فقد خالفوا أوامر (الإله أنليل).
هات يدكِ؛ لندخل ديوان (العمّ أحمد جاسو) وهو يوّزع قهوته للضيوف، ونكتشف سرّ ابتسامته للمرة الأخيرة في هذا الصباح.
يا أعداء الله، كم (نوبلا) يحتاج (جبل شنكال)؛ ليقنع الحجول بالرجوع من المنافي؟
كم جائزة تحتاجها قرانا المهدمة؛ لتقنع أسراب السنونو بالبقاء فيها هذا الموسم؟
يا أعداء الإنسانية، كم جائزة يجب أن تنالها (كوجو)؛ لتقدم لكم المزيد من القرابين!؟
بين القرى الطينية المذبوحة من الطين إلى الطين، وباحة المزارات التي يغني فيها الشنكاليون؛ يضع (إيزيدي ميرزا) علامات فسفورية على جباه غرقى (بحر إيجه)، كي لا يضيعون دروبهم في ظلامها، وهم ذاهبون لتلقي معونة (التافل) من الدوتشلاند.
أما ناشطونا، ورؤساء عشائرنا، فيقسمون بأغلظ الإيمان أنهم قدموا أفخر أنواع (قلائد التين الشنكالي)، وأفخم طبقات (تتن كرسى الكسكون)، رشوة (للإله بوسيدون)، وبأن جميع الغرقى سيحتفلون في الثالث من تشرين الأول ـ أكتوبر. بيوم الاتحاد الألماني في (هانوفر ـ عاصمة أيزيدخان) الجديدة.
ولكن من سيقنع (خيري الشيخ خدر) أسد القيران، أن يعلن الهدنة، ويترك الجبل، ومن سيقنعه أن (الموشخوشو) الأمين يحرسنا، وجميع أطفال (كوجو) يذهبون إلى المدرسة ويشربون الحليب صباحًا، وما حدث كان مجرد حلم سيء.
اليوم آهات (كوجو) وحدها تهدهد أيام عمرنا الحزين.
الأماكن كانت تراجي في آذان ليالينا الصيفية، والزمان كان حارسًا على بيادرنا الذهبية، والمرايا كانت تحكي قصص حبّ الصبايا في الأعراس والأعياد، وتشهد على ذلك سيباى، وكرزرك.
كوجو ذاكرة شنكال، ذاكرتنا، ولن تمحى الذاكرة. كوجو عروس قرى شنكال، ولكنها اختطفت، وفي هذه السنة عند قيام مهرجان المدارس الرياضي في ساحة ثانوية شنكال ستغيب مدرسة كوجو ولن يعلن معلم الرياضة (الأستاذ أديب) اسم بطل الساحة والميدان، وسيرجع صديقي وجاري (شهاب أحمد) مكسور الخاطر إلى البيت دون ميدالية الفوز كبطل للساحة والميدان هذه السنة.
هذا الموسم (عامر خان) سيجعل (نادية مراد) بطلة فلمه القادم؛ لنشتري بريع الفلم صحون من القيمر من جمّاسة الموصل لجوعى النازحين من شنكال ومومباي.
الفلم سيكون مثيرًا، بتوقيع (عامر خان) وسيغني فيه (حمّاد أسماعيل القيراني) أغان شجية يتفوق فيها على (دارشيل سفاري)، وستبكي (نادية مراد) على ذبح عشيرتها في نهاية الفلم.
ننتظر تصريحًا من (بوليوود) تؤكد بأن ما جري في (كوجو) هو ليس فلما من أفلامها الذي دخل سوق (البوكس أوفيس) إنما كان (عملا هوليووديا) بامتياز، وبما إنه من أنتاج هوليوود فلن ينتهي وسيكون هناك جزء ثانيًا، وثالثًا، وستستمر السلسلة؛ لأنها ستكون ناجحة، وحسب استفتاء موقع (الطماطم الفاسدة).
بين كل شجرة تين شنكالية، وعلبة بيرة ألمانية، يرقص مهاجر أيزيدي، على أنغام (خيري مراد علي حربا)؛ فلقد فازت برشلونة، ولكن لم يتحقق السلام بعد.
الروح مخضبة بذكرى قرية كان أهلها يزرعون الفرح والسلام والأغاني.
ونحن أبطال الفلم نخاف أن نسأل، الأسئلة ممنوعة؛ لذلك هربنا وعدّ المنتج هروبنا جزء لا يتجزأ من السيناريو.
الآن، صديقي (أسماعيل قيراني) يغني في ساحة مخيم (جم مشكو) ل (كوجو) البعيدة، وأنا أدوّن الأوقات المناسبة للهجرة، وأضيفها على رواية جديدة عن (كوجو) الشهيدة.
ننتظر (جائزة نوبل) القادمة، وننتظر (جوائز الأوسكار) التي سيفوز بها فلمنا، وبانتظار إصدار الجزء الثاني من المغامرة.
وما يملأ قلبي قيحا مكتوب في (تتر) النهاية:
سلام على بيوت كوجو الجميلة التي كانت مليئة بالفرح.
سلام على أهلها المغدورين الذين كانوا رسلا للسلام.
وأكتب أنا في مذكراتي:
“سلام على بقايا كوجو، وأخواتها من القرى التي ستذكرنا بغدر الجار لنا ما حيينا، وستذكرنا بسوء إخراج هذا الفلم”.
والمشكلة الأكبر، لم تنزل كلمة (النهاية) عندما أشعلت الأضواء، بل كلمات بقلمي تقول:
قبل أن تشعل أمّي تنورها
وقبل تدخيني لفّافتي الأخيرة
نُحرتْ كوجو
وفي دمها غرقت الأمنيات
فمن يا ترى طُعنت مثلها؟
أربع وسبعون مرّة في الخاصرة
كوجو يا أمّ القرى
النزيف شلّال لا قطرات
ويقولون لنا
كل شيء تحت السيطرة
هنا مقبرة
وهناك مقبرة
وفي كوجو كانت المجزرة
حلمنا مبتور الساقين
جيش دون ميمنة
ودون ميسرة.





