*بقلم مانیش راي
دارت معركة ألتون كوبري الشهيرة، المعروفة بالكردية باسم برْده، بين قوات البيشمركة الكردية والجيش العراقي، الذي تلقّى الدعم من قوات الحشد الشعبي. وعلى الرغم من التفوق العددي الكبير للقوات المهاجمة وافتقار قوات البيشمركة إلى التجهيزات الكافية، تمكنت الأخيرة من هزيمة قوة عسكرية كبيرة. وقد غدا هذا الصمود الملحمي رمزاً للشجاعة الكردية. واتسمت المواجهة الختامية لقوات البيشمركة بالشراسة، رغم قصر أمد المعركة. وكان الاستفتاء على استقلال كردستان في أيلول 2017 الشرارة التي أشعلت فتيل الصراع، إذ دفع رئيس الوزراء العراقي آنذاك حيدر العبادي إلى إصدار أوامره للقوات الاتحادية باستعادة المناطق المتنازع عليها والمناطق المنتجة للنفط، التي كانت القوات الكردية تسيطر عليها منذ عام 2014، عبر عمليات عسكرية. وتتميز بلدة ألتون كوبري بتنوع سكانها، إذ تضم التركمان والكرد والعرب. وتقع البلدة على بُعد نحو 20 ميلاً شمال كركوك، وتُعد المحطة قبل الأخيرة ضمن الأراضي العراقية الاتحادية على الطريق السريع الرابط بين أربيل وكركوك. وأثار تحرك القوات الحكومية العراقية ووحدات الحشد الشعبي شمالاً، عقب انسحاب قوات البيشمركة من كركوك، مخاوف من شن هجوم على أربيل، عاصمة إقليم كردستان. وفي لحظة مفصلية من المقاومة، تحولت لاحقاً إلى محطة تاريخية، قررت قوات البيشمركة خوض معركتها الأخيرة في بلدة ألتون كوبري يوم 20 تشرين الأول 2017، حيث اشتبكت في مواجهة ضارية مع الجيش العراقي ومقاتلي الحشد الشعبي.

وشكّلت المواجهة بين قوات البيشمركة والجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي لحظة مفصلية في مسار المقاومة، وذلك بعد أيام قليلة من الانسحاب الكارثي من كركوك. وتمكنت البيشمركة، رغم تفوق القوات العراقية عليها بفارق كبير في العدد، من إحباط هجوم عسكري عراقي واسع النطاق كان على وشك التوغل مجدداً في عمق أراضي إقليم كردستان. وجسّد الصراع شعار كردستان: «لن نركع في وجه الشدائد»، مؤكداً إصرارها الراسخ على الصمود. وبدأت المواجهات عند الساعة السابعة صباحاً، حين شنّ نحو 12 ألف جندي عراقي ومقاتل من الحشد الشعبي هجوماً منسقاً. وعلى الرغم من التفوق العددي الكبير للقوات المهاجمة، نجحت قوات البيشمركة في تنفيذ هجمات مضادة فعّالة، حتى في ظل تعرضها لنيران القناصة المتطورة التي أعاقت تحركاتها.
وخلال الساعتين الأوليين، دمّرت قوات البيشمركة أربع دبابات وعربات مدرعة تابعة للجيش العراقي. وأفادت مصادر عراقية بأن الصواريخ الألمانية الصنع المضادة للدبابات والموجّهة من طراز ميلان عطّلت دبابتين على الأقل من طراز إم 1 إيه 1 أبرامز، وهما من دبابات القتال الرئيسية التابعة للجيش العراقي. وفي الوقت نفسه، حاولت القوات العراقية اختراق دفاعات البيشمركة من ثلاثة محاور مختلفة. ولعرقلة تقدم الجيش العراقي الأكبر حجماً، اعتمد القادة الميدانيون للبيشمركة كتائب صغيرة ومتحركة، وعدّلوا خططهم مع تصاعد حدة المواجهات. وكان التكيف التكتيكي والإصرار العاملين الحاسمين في المعركة. كما دمّرت القوات الكردية دبابة أبرامز إضافية كانت قوات الحشد الشعبي تستخدمها، وذلك في أقل من أربع ساعات من القتال. وأدى هذا التطور إلى تراجع معنويات القوات المهاجمة بصورة ملحوظة. وخلال المواجهة التي استمرت عشر ساعات، تضررت عشر دبابات وعربات مدرعة، وقُتل 155 عنصراً من الجيش العراقي والحشد الشعبي. وعجزت القوات العراقية عن التقدم أمام المقاومة الفعّالة لقوات البيشمركة، ما اضطرها إلى الانسحاب جزئياً. وأسهمت هذه المواجهة في وقف التقدم المحتمل باتجاه أربيل، عاصمة كردستان. وقد أصبح هذا الانتصار، الذي تحقق تنفيذاً للأوامر المباشرة الصادرة عن القيادة العليا في كردستان بالدفاع عن الأرض الكردية، فصلاً آخر يبعث على الفخر في مسيرة نضال كردستان من أجل التحرر، مجدداً التأكيد على عزم الإقليم على حماية أراضيه وحقوقه في مواجهة ظروف بالغة الصعوبة. كما أحبط صمود قوات البيشمركة الشجاع مخطط القضاء على الكيان السياسي لإقليم كردستان. ويستحضر المجتمع الكردي هذه المعركة باستمرار، ويحيي ذكراها سنوياً باعتبارها محطة حاسمة أسهمت في الحفاظ على الحكم الذاتي لإقليم كردستان، ويُطلق عليها اسم «ملحمة برْده» أو «ملحمة كاسري أبرامز».
*مانيش راي محلل جيوسياسي متخصص في شؤون الشرق الأوسط، ومؤلف كتاب بعنوان «البيشمركة: رحلة استثنائية من حرب العصابات إلى الجندية».
المقالة مترجمة عن النص الأصلي الانكليزي على الرابط التالي:
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






