الأيقونة البدرخانية…الأميرة روشن بدرخان

تكبير الصورة

إنها من سلالة أمراء البدرخانيين (الآزيزية)، المشهورة في كردستان ومنطقة الشرق الأوسط، وواحدة من طلائع وأقطاب الثقافة الكردية، والتي كانت تتكلم بلغة (الأمير بدرخان) مع ولديها الأميرة سينم خان والأمير جمشيد رغم الهجرة القسرية والبعد عن كردستان… كون المتبقون من البدرخانيون نسوا لغتهم الأم، حيث يتكلمون بلغات أخرى متعددة مثل (أحمد ونجله علي بدرخان)، اللذين يعتبران من بين أشهر نجوم الإخراج السينمائي في القاهرة، وعائلة (والي) التي تعيش في مصر مدينة (الفيوم). ومن ناحية أخرى هناك البدرخانيون الذين يعيشون في تركيا حيث أرغموا على تغيير لقبهم وحملوا لقب (جنار) بدلاً من (بدرخان)، إضافة إلى بدرخانيين آخرين يحملون لقب (كوتاي).

رغم أن الأميرة روشن بدرخان كانت قد بلغت /83/ عاماً، كان يقف المرء مدهوشاً أمام ذاكرتها الحية، ونباهتها وفراستها وإخلاصها للغتها القومية وفي تعاملها مع الوطنيين من أبناء جلدتها.

ولدت روشن بدرخان يوم (11 تموز 1909م) في مدينة قيصري، حينها كان والدها (الأمير صالح بدرخان) منفياً هناك، وهي بدرخانية أماً وأباً، أمضت أربع سنوات من سني طفولتها في إسطنبول. وفي عام 1913م، نفي الأتراك البدرخانيون مرة أخرى إلى مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، حينها اضطرت إلى الاستقرار في دمشق، برفقة والدها الأمير صالح وأعمامها مثل يوسف بدرخان.

ووالدها هو الأمير محمد صالح بدرخان، من مواليد مدينة اللاذقية 1874م، درس المرحلة الابتدائية في اللاذقية والمتوسطة في إسطنبول ودمشق.. تزوج من سامية، ابنة خاله بدري باشا بدرخان الذي كان متصرفاً على حوران السورية.. حينها رافق خاله بدري باشا وعمل معه فترة من الزمن في حوران. وفي عام 1900م، أصدر في القاهرة صحيفة (أوميد). بسبب مواقفه المناهضة للسلطان عبد الحميد اعتقل عدة مرات ونفي إلى جزيرة (رودوس) اليونانية.

في عام 1908م، بعد المشروطية رجع إلى إسطنبول، وبدأ بنشر الكثير من المقالات في الصحف الكردية آنذاك مثل: كردستان ويكبون وروزي كرد وهتاوي كرد.. الخ. في عام 1909م تم نفيه إلى مدينة قيصري التركية، وفيها رزقه الله بابنته (روشن)، التي نحن بصدد ترجمتها.. توفي الأمير محمد صالح بدرخان عام 1915م، في دمشق.

درست الأميرة روشن بدرخان في مدارس دمشق حتى أكملت دراستها في دار المعلمات عام 1923م، حيث كانت من أوائل المعلمات السوريات، وقد عملت فترة من الزمن في شرق الأردن وفي مدينة عمان والكرك ما بين عامي 1925م ـ 1928م، وفي عام 1928م عادت إلى دمشق ودرست اللغة الفرنسية في مدرسة (اللاييك) الفرنسية وبعدها عينت معلمة في مدارس دمشق مثل مدرسة (خولة بنت الأزور) ومديرة لمدرسة (ليلى الأخيلية)، وفي عام 1934م انتسبت إلى جمعية (الاتحاد النسائي السوري) ومثلت سوريا في مؤتمر القاهرة عام 1944م، وفي عام 1947م عملت في الإذاعة السورية حيث كانت تروي قصصاً وحكايات في ركن الأطفال، ولها العديد من القصص والمحاضرات أذيعت ونشرت في الصحف والمجلات المختلفة. وفي عام 1935م تزوجت من ابن عمها الأمير جلادت بدرخان الباحث والعالم اللغوي، بعد إن تم طلاقها من زوجها الأول عمر مالك حمدي، وخلفت منه ابنة هي (أسيمة خان)، عام 1931م، تزوجت بـ (زهير علي آغا زلفو)، وعاشت معه في دمشق والقاهرة، وكانت تتكلم الكردية بطلاقة وتردد دائماً: (أنا ربيبة الأمير جلادت بدرخان..) وهكذا أمضت الأميرة روشن بدرخان سبعة عشر عاماً مع الأمير جلادت بدرخان، لغاية وفاة الأمير جلادت بدرخان يوم 15 تموز 1951م في بئر القدر بقرية هيجانة القريبة من دمشق، وانجبت منه ابنة هي سينم خان 21/3/1938م، وابن هو جمشيد من مواليد دمشق 9/11/1939م. والذي أكمل دراسته في الطب بألمانيا وتوفي يوم 10/12/1999م في البرازيل وتم دفنه في ألمانيا، مدينة كوبلنز.

وعقب وفاة الأمير جلادت أصبحت الأميرة روشن سكنى للآلام والهموم، وفريسة للمتاعب وخاصة بعد أن ذهب الأمير جمشيد إلى ألمانيا لمتابعة دراسته الجامعية في الطب عام 1958م وزواج الأميرة سينم خان بصلاح سعد الله عام1961م، ورغم المشقة مشت في الطريق الذي سلكه ابن عمها الأمير جلادت بدرخان. ففي عام 1955م ساهمت مع مجموعة من المثقفين الكرد في دمشق بتأسيس (جمعية إحياء الثقافة الكردية: أنجومن)، ومنهم أوصمان صبري، والدكتور نوري ديرسمي، وعبد الحميد حاج درويش وغيرهم… وفي عام 1956م شاركت إلى جانب الدكتور نوري ديرسمي، وحسن هشيار وآخرين في حلب ودمشق بتأسيس جمعية (المعرفة والتعاون الكردي)، وبواسطة الأميرة روشن وصداقتها المتينة بالصحافي اللبناني (يوسف ملك)، صديق العائلة البدرخانية، توطدت علاقات الجمعية مع حزب (ايوكا) اليوناني المناهض للعنصرية. وفي عام 1957م نتيجة نشاطات الجمعية، كانت الأميرة روشن بدرخان الكردية الوحيدة التي ذهبت إلى اليونان لتمثل شعبها الكردي في مؤتمر (مكافحة الاستعمار والعنصرية).

وأيضاً نتيجة فعاليات الجمعية، أرسل البروفيسور قناتى كردو في عام 1956م رسالة إلى أعضاء الجمعية يقول فيها: (أيها الأخوة! أشكر لكم نضالكم.. مهما كانت الصعوبات تعيق طريقكم، يجب عليكم أن ترفعوا عالياً اسم كردستان في كل نشرة ومجلة وصحيفة، صغيرة كانت أم كبيرة. نحن في القرن العشرين، قرن التقدم العلمي والذرة، فالشعوب التي لا تطالب بحريتها اليوم تذوب وتضمحل بسرعة، إن لم يبك الطفل لا ترضعه والدته رغم حنانها..). ولها اسم بارز في كتاب (الكاتبات السوريات: 1892-1987م) للمؤلفين: مروان المصري ومحمد علي علاني، حيث خصصا لها صفحة كاملة عن سيرة حياتها وأعمالها الأدبية باعتبارها من الكاتبات السوريات الأوائل.

وبالإضافة إلى لغتها الأم – الكردية – كانت المرحومة تجيد اللغات التالية: العربية والفرنسية والتركية والإنكليزية مع بعض الإلمام بالألمانية. ومما يعرف عنها هو بروزها في مجال الترجمة من الكردية والتركية إلى اللغة العربية، إضافة إلى التأليف ولغاية اليوم الأخير من حياتها، كانت تمارس هذه المهنة المقدسة وكانت تقوم بترجمة وتأليف وإعداد لم تكتمل مثل: جلادت بدرخانكما عرفته (تأليف) والعوامل الحقيقية لسقوط أدرنة (ترجمة) ومذكرات روشن بدرخان.

في يوم الاثنين 1-6-1992 وافت المنية الكاتبة والأميرة روشن بدرخان وشيعها سكان مدينة بانياس السورية في حشد كبير الى جوار جدها (بدرخان باشا) في مقبرة الشيخ خالد النقشبندي بحي الكرد في مدينة دمشق.

“من مقال مطول للكاتب الكردي كوني رش. مجلة الحوار – العدد /80/ – السنة 29- 2022م”

 

صحيفة روناهي

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

× Zoomed Image
Scroll to Top