الإثنية والمدينة: حي الأكراد الدمشقي خلال الحكمين العثماني والفرنسي[1] – الجزء الأول

تكبير الصورة

نيليدا فوكارو[2] [3]

ترجمة عن الإنكليزية: راج آل محمــــــــــــد

الملخص: تركز هذه المقالة على حيّ الأكراد في دمشق، وتدرس العلاقة بين الهوية المجتمعية/الإثنية، والتنظيم المكاني، والبنى الاجتماعية والسياسية للمدينة. وتطرح المقالة فكرة مغايرة لفكرة أن الحي هو مجرد “تجمع إثني”، من خلال تحليل العمليات التاريخية لاندماج المجتمع الكردي في الكيان السياسي لدمشق. تم تحليل ظهور مجالات جديدة للشأن العام في المجتمع الكردي خلال الفترة الاستعمارية من خلال الرجوع إلى ظهور أفكار جديدة حول الطبقة والمجتمع.

جلب عصر الاستعمار معه تغييرات مهمة في التنظيم المكاني والاجتماعي-الاقتصادي (الاجتصادي) للمجتمعات الحضرية في العديد من مناطق العالم خارج أوروبا. وتعكس تلك التغييرات تحولا للهويات المجتمعية، وتغير سياقات التعبئة السياسية الحضرية، وظهور مجالات جديدة للشأن العام. ركز النقاش الأكاديمي حول الاستعمار والمدينة في السنوات الأخيرة، بشكل كبير على البعد المكاني للهيمنة الاستعمارية، واهتم بالتخطيط العمراني والهندسة المعمارية باعتبارهما المجالين الأساسيين للسيطرة التي فرضتها الدولة الاستعمارية على البيئة الحضرية[4]. إلا أن هذا النهج المتمحور حول الدولة يحتاج إلى وجهات نظر تكميلية من القاعدة، تبحث في كيفية ظهور فضاءات جديدة للمواجهة والمعارضة كاستجابات محلية للمشروع الاستعماري.

من منظور المجتمعات الحضرية، شكّل الحكم الاستعماري قطيعة مع ماضيهم ما قبل الاستعماري: من جماعات محلية ما قبل قومية كانت تعمل ابتداءً ضمن الشبكات الأسرية، والأحياء الحضرية والجمعيات الدينية وصولاً إلى تنظيمات اجتماعية-سياسية (اجتماسية) عريضة قادرة على التعاطي مع الإيديولوجيات الحديثة وربطها بمراكز للسلطة السياسية الجديدة[5]. من خلال التركيز على الانتاج التاريخي وإعادة تشكيل الفضاء المادي والسياسي والاجتماعي–الاقتصادي لمجتمع حضري في الشرق الأوسط، يهدف هذا المقال إلى تقديم صورة أكثر دقة للاستمرارية والانقطاع اللذان ميزا التفاعل بين البنية البشرية للمدينة ومجالها السياسي المتغير نتيجة التدخل الاستعماري. ورغم أن المفاهيم الجديدة للعرق كانت محورية في جميع المشاريع الاستعمارية، إلا إن تأثير الفصل العنصري الحضري على التنظيم الداخلي للمدن اختلف اختلافًا كبيرًا من منطقة إلى أخرى. كان “خط اللون” محوريًا في عمليات التمدن في أفريقيا الاستعمارية عبر ترسيم حدود واضحة المعالم للأحياء الخاصة بالسود والبيض. وفي الهند البريطانية، تم الفصل العنصري عبر خلق حواجز ثقافية وقانونية واقتصادية وفُصِلتْ المستوطنة الاستعمارية (المحطة المدنية)[6] عن المدينة الأصلية[7]. لم يكن للاستعمار الأوروبي أثراً مماثلاً على المشهد الحضري في الشرق الأوسط العربي في القرن العشرين، رغم أنه شجّع النمو الحضري وإنشاء أحياء جديدة للطبقات الوسطى المتغربة الناشئة. لقد حافظت الأحياء التقليدية على هويتها الجماعية القوية باعتبارها حاملة لتركة قرون من الحكم الإسلامي، وهو لم يتلاشَ إلا مع انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.

كان نموذج الامبراطورية الإسلامية بارزًا جدًا لدى دراسة تاريخ مدن الشرق الأوسط لدرجة أن التأريخ الغربي التقليدي لأحيائها ومجتمعاتها صوّر المجتمع الحضري على أنه “نظام فسيفسائي” مقسّم على أسس دينية وإثنية وقبلية. وتم اعتبار الأحياء السكنية تنظيمات سياسية-اجتماعية مستقلة تطورت عبر التاريخ تحت تأثير ما أُطلق عليه غالبًا اسم “الحضارة الإسلامية”. وهكذا، أصبح الإسلام، في تجلياته الثقافية والاجتماعية والسياسية، بمثابة قوة “رئيسية” للتطور الحضري، غالبًا ما تجاوزت الزمن، والظروف المحلية، والقوة المهيمنة للتدخل الاستعماري. وبات الطراز المثالي “للمدينة الإسلامية” الممتدة من شمال إفريقيا إلى إيران مماثلاً للمقاربات السائدة تجاه أحياء الشرق الأوسط. تعامل المؤرخون مع التنظيم الداخلي للمدينة بالتركيز على الطوبوغرافيا الحضرية، وهو منهج شدد على ممارسات الحكام المسلمين في العزل عبر التأكيد على الحدود المادية التي تفصل الأحياء التقليدية. منذ أواخر الستينيات، أدى الوعي المتزايد باستمرارية البنى والعلاقات الاجتماعية-السياسية، وكذلك تحليل اتجاهات التعبئة السياسية على المستوى الشعبي داخل النسيج الحضري، قد سلّط الضوء على عمليات تشكيل الأحياء وتحولها خارج الفضاء المغلق للحي السكني. ونتيجة لذلك، أعيد النظر في دور الأحياء ضمن الإطار الأوسع للجسم السياسي الحضري[8].

غير أن زوال نموذج “النظام الفسيفسائي” لم يؤدِّ إلى مقاربة جديدة لقضايا المجتمع و[النزعة]المحلية في البيئة الحضرية، والتي لا تزال تُناقَش إلى حد كبير في إطار “التجمعات العرقية/الإثنية”. على الرغم من أن الجماعات غير العربية الكبيرة تتمركز غالبًا في أحياء منفصلة، فإن طبيعة تضامنها مع بعض تُعتبر أمرًا مسلَّمًا به في كثير من الأحيان، وتُحلَّل وفق فهم “الهوية” العرقية الذي هو في جوهره [مفهوم] حديث، ومرتبط بأفكار العرق والتعبئة السياسية التي فرضتها الدولة الاستعمارية بوصفها العامل الرئيس للحداثة. ومن خلال دراسة حالة أكراد دمشق، يُقدِّم هذا المقال إسهامًا في فهم معنى العرق والإثنية داخل البنى الحضرية للمدينة الشرق أوسطية ما قبل العصر الحديث، ويبحث [المقال] أثر الهويات السياسية الجديدة على المشهد المادي والاجتماعي-السياسي في العقود الأولى من القرن العشرين[9].

شكّل أكراد دمشق أكبر مجموعة غير عربية تعيش في المدن السورية. وقد حافظ الأكراد على مدى قرون، على تجمع مكاني متماسك في “حي الأكراد”، الكائن في الطرف الشمالي للمدينة (انظر الخريطة ١). أدى التحول في النظام السياسي، وإعادة التنظيم المدَني من جهة، وعمليات تشكُّل الدولة من جهة أخرى، خلال القرن الأخير من الحكم العثماني وأثناء الانتداب الفرنسي (١٩٢٠-١٩٤٦)، إلى تغيير في طبيعة علاقات التضامن الكردية، وأوجدت علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع المدني، مما أثَّر بشكل حتمي على الحي وسكانه. إن التأريخ الغني لدمشق بوصفها عاصمة إقليمية للدولة العثمانية ومركزًا سياسيًا للدولة السورية لم يُعطِ اهتمامًا كافيًا لمجتمعاتها، وبشكل أعم لمجتمعها المدني. لقد عمَّقت الكتابات المتعلقة بالنخب المدنية والمجتمع المحلي والإدارة الحكومية فهمنا للمجتمع السياسي لمدينة دمشق بشكل لا مثيل له تقريبًا مقارنة بالمناطق الحضرية الأخرى في الشرق الأوسط.

تربط هذه المقالة عدداً من التطورات الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية، التي تم تناولها على نطاق واسع، بأكراد دمشق باعتبارهم مجموعة إثنية [متمايزة]. وتسلط الضوء على الطبيعة المتعددة الأوجه للإثنية باعتبارها توفر اللبنات الأساسية للولاءات الاجتماعية – الاقتصادية، والانتماءات السياسية، والبنى المكانية داخل المدينة الحديثة الناشئة[10].

حي الأكراد: الفضاء والبنية الاجتماعية

في العصور الوسطى تركّز أكراد دمشق في الأطراف الشمالية للمدينة. نشأ حي الأكراد من مستوطنة عسكرية أقيمت على سفوح جبل قاسيون في القرن الثاني عشر. وقد توسع الحي عبر الهجرة من المناطق الريفية بشكل رئيسي، وقد كان نمو الحي تلقائياً نتيجة استقرار مجموعات كردية وتركمانية قادمة من شمال سوريا والأناضول. ولم يتشكل حي الأكراد على هذا النحو نتيجة عمليات الفصل المكاني والتخصص الاجتماعي – الاقتصادي، كما هو الحال مع حي باب توما المسيحي وحي اليهود الواقعين داخل المدينة القديمة[11].

بدأ حي الأكراد في التوسع بشكل ملحوظ خلال القرن الثامن عشر، وهي عملية يمكن تتبعها في الخرائط التاريخية للمدينة. انعدام الأمن المتزايد في الريف أجبر العديد من الفلاحين والجماعات القبلية على البحث عن مأوى في ضواحي دمشق. لدى استقرارهم في المنطقة، ظل العديد من المهاجرين يعملون في تربية الحيوانات والزراعة، لعجزهم، بشكل عام، عن الاندماج في المهن المحلية. وفي الفترة نفسها، ربما جرت محاولات الإدارة العثمانية لتوطين القبائل في شمال سوريا، بهدف تأمين طريق الحج إلى مكة ولعبت دوراً كبيراً في هذه العملية. يمكن إرجاع تطور هذا الحي برغبة الأهالي في الهروب من انعدام الأمن في الريف وليس الحاجة إلى الحماية في البيئة الحضرية، وهي سمة كثيراً ما ارتبطت بالأحياء التقليدية في مدن الشرق الأوسط[12].

تطور حي الأكراد، مثل حي الميدان في الطرف الجنوبي من دمشق، ليصبح مكانًا مهمًا للمبادلات الحضرية/الريفية، مما دعم سكان المنطقة الداخلية [ضمن أسوار المدينة]. فمن خلال [حي] الأكراد، تمكن الفلاحون وأفراد القبائل من الوصول إلى موارد المدينة وتحسين أوضاعهم الاقتصادية. إذ واصل بعضهم ممارسة زراعة الكفاف وتربية الماشية، بينما انخرط آخرون في أنشطة أكثر ربحاً مثل تجارة المواشي التي كانت تزوّد أسواق الأحياء المركزية بالمؤن. غير إن المبادلات لم تكن اقتصادية فقط، بل عمل حي الأكراد أيضًا كخزان مهم لتجنيد الأفراد العسكريين لصالح المدينة داخل السور. كان الانضمام إلى القوات العسكرية وشبه العسكرية، بالنسبة للعديد من الأكراد، بمثابة جواز سفر للعيش في المدينة، ولم يوفر ذلك فرصة لكسب دخل ثابت فحسب، بل أيضًا، كما سنرى، لاكتساب الثروة والنفوذ السياسي[13].

في أوائل القرن التاسع عشر، بدأ تسجيل حي الأكراد كحارة تابعة للصالحية، وهي منطقة كثيفة السكان تقع إلى الغرب من المستوطنة الكردية. ورغم أن الصالحية كانت تفصلها عن المدينة المسوّرة أراضٍ خالية، غالبًا ما تستخدم كبساتين وأراضٍ زراعية ومقابر، إلا أنها أظهرت سمات معمارية واجتماعية-اقتصادية مماثلة لتلك الموجودة في المدينة الداخلية [داخل السور]. يسلط هذا الترتيب الإداري الجديد الضوء على تطورين مهمين: أولاً، كان حي الأكراد قد شكّل امتداداً للقسم الشرقي من الصالحية عن طريق التوسع باتجاه الشرق-غرب. ثانيًا، كانت المستوطنة الكردية قد بدأت عملية الاندماج الإداري في دمشق العثمانية والتي استمرت مع توسع المدينة الحديثة. في عام 1832، وفي أعقاب احتلال المصريين لسوريا، بدأ إنشاء “دمشق الكبرى” من خلال إعادة تنظيم المدينة إلى ثماني مناطق (Althman). وُضع حي الأكراد تحت الإدارة المباشرة لثُمن thumnالصالحية الذي ضم جميع المناطق السكنية الشمالية. وتشير السجلات الضريبية إلى أن الأكراد كانوا يشكّلون في ذلك الوقت نصف سكان الصالحية. كان القرن التاسع عشر فترة تحديث حضري الذي بلغ ذروته في إنشاء مجلس بلدي في عهد الوالي محمد راشد باشا في أواخر ستينيات القرن التاسع عشر. وقد تطور الحكم المحلي للبلديات بشكل أكبر خلال فترة الانتداب الفرنسي (1920-1946) عندما تم ربط الأحياء الشمالية مباشرة بالمدينة القديمة من خلال التطوير الحضري الاستعماري. على أراضٍ مكشوفةٍ قسّمت دمشق الشمالية عن المدينة المسوّرة، تم بناء أحياء جديدة هي الجسر والعرنوس والشهداء، والتي ضمّت مؤسسات وسلطات الانتداب والمقيمين الأوروبيين[14].

في مطلع القرن العشرين، تم رفد التوسع الحضري من خلال طفرة هجرة الفلاحين؛ حيث ازداد عدد سكان دمشق بشكل ملحوظ بين عامي 1885 و1912، وتضاعف تقريبًا خلال فترة الانتداب. واصل حي الأكراد في كونه نقطة محورية لاستيطان المجتمعات القبلية والريفية التي كانت تحاول الهرب من الحرمان في المناطق الريفية[15]. تعكس طبيعة حي الأكراد الظروف الخاصة لنموه. يركز ر. تومان R. Thouminفي بحثه عن حي الأكر اد الذي نُشر عام 1931على التشكيل المكاني المتنوع لشمال دمشق. كان حي الصالحية، الذي تأسس عام 1156، يضم العديد من المساجد والمدارس الشرعية madrasas التي عملت كمراكز لامتداد النسيج العمراني من خلال الإشراف المعماري والديني الذي قام به علماء دين ulamaأغنياء مقيمون في المدينة القديمة. وباتت أزقة الصالحية الضيقة ومبانيها السكنية المرتفعة ومؤسساتها الدينية شبيهة بمثيلاتها في وسط دمشق [دمشق القديمة]. أما حي المهاجرين، الواقع قرب الصالحية على سفح الجبل، فقد أُنشئ في أواخر القرن التاسع عشر كمنطقة سكنية “بُني لغرض” إيواء اللاجئين المسلمين من كريت ومن مقاطعات أوروبية أخرى تابعة للدولة العثمانية. وبحلول ثلاثينيات القرن العشرين، حوّل التخطيط البلدي الشامل والمضاربات العقارية حي الصالحية إلى حي عصري للطبقة المتوسطة الراقية مزود بشبكة طرق منتظمة. يرى تومان أن حي الأكراد يمثل بيئة عمرانية شاذة تتناقض مع الطراز الإسلامي الأنيق للصالحية والتخطيط الرشيد لحي المهاجرين ذي النمط الغربي. ووفق تعبير تومان، فإن طبوغرافية حي الأكراد هي “خيال حر”، حيث تتبع الطرق الاتجاه العشوائي للقنوات الجوفية التي كانت تجمع مياه نهر يزيد. وقد أوحى التوزع المكاني للمنطقة المراقب الفرنسي [تومان] إلى ضرورة تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد المائية ومن الحماية التي توفرها سفوح جبل قاسيون. واستنتج تومان أيضًا، من خلال صغر حجم جميع المنازل، غياب أي تمايز اجتماعي-اقتصادي واضح بين سكان الحي. وبالمثل، فقد اعتبر غياب المباني الدينية الواضحة مؤشرًا على عدم وجود نفوذ للمؤسسة السياسية والدينية التي كانت تسيطر على بقية المدينة[16].

يركز وصف تومان العياني لحي “الأكراد” على القسم الشرقي منه، الذي كان تاريخياً وِجهة للهجرة من المناطق الريفية. فالمنازل المتباعدة عن بعضها وانخفاض أسعار الأراضي جعلا هذه المنطقة جاذبة للوافدين الجدد، الذين استطاعوا الاستقرار فيها بكل يسر بشكل دائم أو شبه دائم. وعلى النقيض من ذلك، ثمة أدلة تُظهر أن القسم الغربي من الحي كان كثيف السكان وشبيهاً بحي الصالحية، الذي لم تكن له حدود فاصلة محدَّدة المعالم بوضوح مع حي الأكراد حتى بداية الثلاثينيات من القرن العشرين. ومما يعكس وجود حدود مرنة بين أحياء دمشق الشمالية والداخلية هو وجود ذلك التباين في نسيجها المعماري. وعلاوة على ذلك، وفي حالة حي الأكراد، تُظهر اللغة التي يتحدث بها سكانه عن وجود صلة مباشرة بين الأشكال العمرانية والحفاظ على الخصوصية الإثنية. ولئن كانت اللغة العربية هي السائدة في المنطقة المجاورة للصالحية، فإن اللغة الكردية كانت لا تزال اللغة الأولى في الشرق.[17]

شكَّل التنظيم المكاني واللغة سمةً هامة من سمات الروح الجماعية لدى كرد دمشق تحت الحكم الفرنسي، وهو أول مؤشر على اندماج مختلف للجالية [الكردية] في المدينة العربية. وفي هذا السياق، فإن مناقشة تومان للبنى الاجتماعية والميول الدينية في الحي تطرح قضية هامة تتمثل في العلاقة بين الجماعة الإثنية والنظام السياسي الحضري لدمشق. يرى تومان أن الفضاء المادي لحي الأكراد هو انعكاس للعلاقات الاجتماعية والسياسية التي كانت منظمة حول تضامنات قبلية. ويؤكد على تسوية النزاعات التي كانت تتبع خطوطاً عصبية صارمة (أي على أساس النسب الأبوي)، وعلى دفع الدية. كما يربط معظم الممارسات الدينية لسكان حي الأكراد بمظاهر الثقافة الشعبية، مثل تبجيل الأشجار والأحجار، والإيمان بالكائنات الخارقة (الجن) إن الوسطين اللاقرآني والريفي اللذين ارتبطا بوضوح بالحي ، يوفّران السياق لتفسير غياب المساجد والمدارس الدينية[18].

يستند فهم تومان للمكان والجماعة في حي الأكراد على الفصل بين الحضري والريفي، والتقليدي وغير التقليدي، والعربي وغير العربي في البيئة الحضرية. وبصفته فرنسياً يراقب أكراد دمشق، فمن المحتمل أن تومان كان متأثراً بصعود القومية العربية في مدن سوريا، مما يعني أن الهويات القبلية والريفية والإثنية أصبحت ذات طابع سياسي متزايد، وهي عملية سنرسم ملامحها فيما يأتي. ويُعد وصفه هاماً أيضاً في ضوء التركيب السياسي لدمشق ولا سيما لجهة التفاعل بين الجماعة السياسية المدنية والروح الريفية/القبلية للحي. تقاسم حي الأكراد مع أحياء دمشقية أخرى بنية الزعيم/الأتباع التي ظلت لقرون تدعم التنظيم الاجتماعي-الاقتصادي للمدينة. كانت التحالفات في حي الأكراد تتم عادةً ضمن إطار المجتمع العرقي الأوسع، الذي كان غالبًا ما يتعزز باعتبارات قبلية. خلال فترة الانتداب، واصل العديد من الأعيان من الحي في اعتبار أنفسهم جزءاً من القبائل الكردية الكبيرة في شمال وشمال شرق سوريا. وفي الوقت عينه، ظلت غالبية السكان على معرفة بأصولهم القبلية، وخاصة المهاجرين الذين وصولوا حديثاً. كان الوافدون الجدد الذين ينتمون إلى اتحادات قبلية صغيرة أو ممن لا خلفية قبلية لهم يضعون أنفسهم، حال وصولهم إلى دمشق، تحت حماية أبرز أعيان الكرد في ذلك الوقت، ومن ثم كانوا يتعاطفون مع الأصل القبلي لزعيمهم. وقد شكّل وجود قبائل حقيقية أو افتراضية في الحي معلماً هاماً من معالم التضامن الكردي في المدينة[19].

النخب الكردية في العهد العثماني

عمل أبرز الأعيان الأكراد في أواخر العهد العثماني وفترة الانتداب في سياقات متعددة. فكانوا داخل الحي الكردي يستخدمون في الغالب الانتماء القبلي للحفاظ على اكتساب الأتباع، أما خارج الحي وما وراءه فكانوا يطورون تحالفات أفقية مع جماعات حضرية مؤثرة، ويشغلون مناصب بارزة في المؤسسة العسكرية/البيروقراطية للمدينة. وقد كان نفوذهم السياسي ينبع من موقعهم كأعيان. خلال معظم الفترة العثمانية، شكل الأعيان الحضريون اللبنات الأساسية للفصائل السياسية التي كانت حاسمة في الحفاظ على الحكم الإمبراطوري في المدن السورية. فقد توسّط الأعيان الحضريون بين الحكومة العثمانية وسكان المدن. ورغم أن القنوات التي تمكنوا من خلالها من الحفاظ على سلطتهم لا تزال محل نقاش، فإن الأعيان لم يكونوا قوة سياسية واجتماعية متجانسة. ونظراً للطبيعة غير الرسمية للمؤسسات الحضرية، فقد اختلفت أسس شرعيتها اختلافًا كبيرًا، وكان بمقدورها أن تتغير بمرور الزمن حتى داخل الأسر نفسها[20].


[1] نُشر البحث في مجلة Urban History المجلد 30، العدد 2، آب/أغسطس 2003. جزيل الشكر للصديق الدكتور نضال حاج درويش لمساعدته في تأمين المادة الأرشيفية.

[2] نيليدا فوكارو أستاذة في قسم التاريخ -مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية، لندن

[3] تود المؤلفة أن تشكر أن تشكر فيليب خوري وبيتر  سلوكليت على ملاحظاتهما القيمة، كما توجه الشكر للدكتور فالح عبدالجبار لمساعدته في البحث عن تاريخ الحزب الشيوعي السوري. كما إنني مدينة لريتشارد روجر ولقارئ مجهول للبحث وإبداءه لاقتراحات قيمة.

[4] A.D. King, Urbanism, Colonialism and the World Economy: Cultural and Spatial Foundations of the World Urban System (London, 1990), M. Dossal, Imperial Designs and Indian Realities: The Planning of Bombay Citym 1845-1875 (Bombay, 1991), Nezar Al-Sayyed (ed). Forms of Dominance on the Architecture and Urbanism of the Colonial Enterprise (Brookfieldm 1992) Z. Celik, Urban Confrontation: Algiers under the French Rule (Berkeley, 1997)

[5] S.B. Freitag, Collective Action and Community: Public Arenas and the Emergence of Communalism in Northern India (Berkeley, 1989) and P. Khoury, Syria and the French Mandate: the Politics of Arab Nationalism 1920-1945 (London, 1978)

[6] Civil Station مثلت قلب الإدارة البريطانية وكانت بمثابة عاصمة إدارية صغيرة للمقاطعة. (المترجم)

[7] M. Banton, ‘Urbanisation and Colour Line in Africa, in V. Turner (ed). Colonialism in Africa, 1870-1960 (Cambridge, 1971) 256-85 Introduction to Rathbone and D.M. Anderson (eds.), African Urban Past (Oxford, 2000) 7-8; A.D. King, Colonial Urban Development: Culture, Social Power and Environment (London, 1976).

[8] See M. Haneda and T. Miura, Islamic Urban Studies (London, 1994), 1-9 and 83-95; I.M. Lapidus, Muslim Cities in the Later Middle Ages (Cambridge, 1967); idem, ‘Muslim cities as plural societies: the politics of intermediary bodies’, in The Proceedings of International Conference on Urbanism in Islam, 4 vols. (Tokyo, 1989), vol. I, 134-63; J. Abu-Lughod, ‘The Islamic city – historic myth, Islamic essence, and contemporary relevance’, International Journal of Middle East Studies, 19 (1987), 155-76; D. Eickelman, ‘Is there an Islamic city? The making of a quarter in a Moroccan town’, International Journal of Middle East Studies, 7 (1976), 274-94.

[9]  See T.H. Greenshields, ‘Quarters and ethnicity’, in G.H. Blake and R.I. Lawless (eds.), The Changing Middle Eastern City (London, 1980), 120-40. The ‘modernist’ understanding of ethnicity as a category of historical analysis can be explained by the predominance of sociological and anthropological analysis in the study of urban ethnicity. See as an instructive example S. Lewandowski, Migration and Ethnicity in Urban India: Kerala Migrants in the City of Madras, 1870-1970 (New Delhi, 1980).

[10] On the quarters of Damascus see R. Danger, ‘L’urbanisme en Syrie: la ville de Damas’, Urbanisme (1937); Khoury, Syria and the French Mandate, 285-317; idem, ‘Syrian urban politics in transition: the quarters of Damascus during the French mandate’, International Journal of Middle East Studies, 16 (1984), 507-40; T. Miura, ‘The Salhiyya quarter in the suburbs of Damascus. Its formation, structure and transformation in the Ayyubid and Mamluk periods’, Bulletin d’Etudes Orientales, 47(1995), 129-67; ‘Abd al-Karim Rafeq, ‘The social and economic structure of Bab Al-Musalla (al-Midan), Damascus, 1825-1875′, in G.N. Atiyeh and I.M. Oweiss (eds.), Arab Civilisation, Challenges and Responses (New York, 1988); Y. Roujon and L. Vilan, Le Midan. Actualité d’un faubourg ancien de Damas (Damas, 1997); R. Thoumin, ‘Deux quartiers de Damas. Le quartier chrétien de Bab Musalla et le quartier Kurde’, Bulletin d’Etudes Orientales, 1 (1931), 99-135. As main contributions to the history of Damascus as a provincial and state capital see K. Barbir, Ottoman Rule in Damascus, 1708-1758 (Princeton, 1980); Z. Ghazzal, L’économie politique de Damas durant le XIXe siècle (Damascus, 1993); P. Khoury, Urban Notables and Arab Nationalism. The Politics of Damascus 1860-1920 (Cambridge, 1983); idem, Syria and the French Mandate; ‘Abd al-Karim Rafeq, The Province of Damascus 1723-1783 (Beirut, 1966); L. Schatkowski Schilcher, Families in Politics. Damascene Factions and Estates of the 18th and 19th centuries (Stuttgart, 1985).

[11]  See Map 1. A. Raymond ‘The Ottoman conquest and the development of the great Arab towns’, International Journal of Turkish Studies, 1 (1979/80), 84-101; Khoury, Syria and the French Mandate, 291.

[12] Muhammad Kurd, Ali, Khitet el-Sham, & volls. (Dutasya, 1925, vol. 6 Qutayba al Shihabi Dima tarikh tons (Damascus, 1996), 388, G. Bove, Follute and Teensmare in the Middle East. Studies in Social History (London, 1982), 79, Barbie, Ottoman Rule, 37-8 A Abdel Nour fitroduction à l’histoire urbaine de la Syrie Ottomane (XVI-XVille siècle) (Beirut, 1982), 74. P. Rondot, Les Kurdes de Syrie’, La France méditerranéenne et africaine, (1958), 00-101 For cartographic evidence on Damascus’ expansion see J. Sauvaget, ‘Esquisse d’une histoire de la ville de Damas’, Revue des Etudes Islamiques, 8 (1934), 421 bis-480.

[13] For urban/rural relations in Ottoman Syria see Baer, ​​Fellah and Townsman, 78-88, and Abdel Nout, Introduction to urban history, 213-53

[14]  Map 1. D. Sack, Damaskus. Entwicklung und Struktur einer Orientalisch-Islamischen Stadt (Mainz, 1989), 92; Ghazzal, L’économie politique, 39-41, particularly Table V; Abdel

[15] ازداد سكان دمشق من نحو 111,000 تقريباً في 1885 إلى نحو 286,000 في عام 1943. 11. Ghazzal, L’économie politique, 43-6; Khoury, ‘Syrian urban politics’, 536 n. 23; idem, Syria and the French Mandate, 10-12; J. McCarthy ‘The population of Ottoman Syria and Iraq 1878-1914’, Asian and African Studies, 15 (1981), 17-18.

12 Thoumin, Two Quarters’, 116, 118-31; Al-Shahabi, Damascus, 388-406.

[16]  Thoumin, Deux Quartiers, 116-118-31, Al-Shihabi, Dimashq, 388-406

[17] Nur al-Din Zaza, Ma vie de Kurde (Geneva, 1993), 70, ‘Les Kurdes du Levant français’ (typescript, 15 pages, written after 1940) 18, Archives Diplomatiques Nantes, BEY 1364 (hereafter BEY)

[18]  Thoumin, “Deux quartiers’, 131-5.

[19] للحصول على رواية مباشرة عن تنظيم أحياء دمشق في بداية القرن العشرين، انظر: عباس حلمي العلاف، دمشق في مطلع القرن العشرين (دمشق، 1976)، ص 31-32. وكذلك روندو، «أكراد سوريا»، ص 90-98؛ تومان، «Deux quarters»، ص 131-132، 135؛ «Etude de un informateur: Les Kurdes de Syrie» (مخطوطة، 33 صفحة، كُتبت بين 1921 و1924)، ص 12-28، BEY 569.

[20] On notables in Syria see D. Commins, ‘Religious reformers and Arabists in Damascus, 1885-1914’, International Journal of Middle East Studies, 18 (1986), 405-25; A. Hourani, ‘Ottoman Reform and the politics of notables’, in A. Hourani, P. Khoury and M. Wilson (eds.), The Modern Middle East: A Reader (London, 1993), 83-109; A. Marcus, The Middle East on the Eve of Modernity: Aleppo in the Eighteenth Century (New York, 1989); B. Masters, The Origin of Western Economic Dominance in the Middle East: Mercantilism and the Islamic Economy in Aleppo, 1600-1750 (New York, 1988); R. Roded, ‘The Syrian urban notables: elites, estates, class?’, Asian and African Studies, 20 (1986), 375-84; idem, ‘Ottoman service as a vehicle for the rise of new upstarts among the urban elite families of Syria in the last years of Ottoman rule’, Asian and African Studies, 17 (1983), 63-94; idem, ‘Social patterns among the urban elite of Syria during the late Ottoman period (1876-1918)’, in D. Kushner (ed.), Palestine in the Late Ottoman Period. Political, Social and Economic Transformation (Jerusalem, 1986), 146-71; Schilcher, Families in Politics; Khoury, Urban Notables; idem, Syria and the French Mandate.

 

المصدر: مدارات كرد

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

× Zoomed Image
Scroll to Top