نِليدا فوكّارو (Nelida Fuccaro)
Ethnicity and the city: the Kurdish quarter of Damascus between Ottoman and French rule, c. 1724-1946
ترجمة عن الإنكليزية: مجلة الحوار *( من مواد العدد 85)
قسم التاريخ، كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (School of Oriental and African Studies)، لندن، WC1X 9EW
Urban History, 30, 2 (2003), pp. 206–224, Cambridge University Press.
الملخّص
تتناول هذه المقالة حيّ الأكراد في دمشق، فتبحث العلاقة بين الهُويّة الجماعيّة/الإثنيّة والتنظيم المكاني والبُنى الاجتماعيّة-السياسيّة للمدينة. وهي إذ تتتبّع السيرورات التاريخيّة التي اندمجت بها الجماعة الكرديّة في الكيان السياسي لمدينة دمشق، تُنازع تصوُّر الحيّ بوصفه «تكتُّلاً إثنياً». ويُحلَّل نشوء ميادين جديدة للعمل العام في صفوف الجماعة الكرديّة إبّان الحقبة الاستعماريّة بالإحالة إلى ما برز يومئذٍ من أفكار جديدة عن الطبقة والمجتمع.
أحدثت الحقبة الاستعماريّة تغييرات مهمّة في التنظيم المكاني والاجتماعي-الاقتصادي للمجتمعات الحضريّة في مناطق كثيرة من العالم غير الأوروبي. وتعكس هذه التغييرات تحوُّل الهُويّات الجماعيّة، وتبدُّل سياقات التعبئة السياسيّة في المدن، ونشوء ميادين جديدة للعمل العام. وقد أَولى النقاش الأكاديمي حول الاستعمار والمدينة، في السنوات الأخيرة، عنايةً كبيرةً بالبُعد المكاني للهيمنة الاستعماريّة، متّخذاً من التخطيط الحضري والعمارة مجالين أساسيين للهيمنة التي فرضتها الدولة الاستعماريّة على البيئة الحضريّة1. غير أنّ هذه المقاربة المتمحورة حول الدولة تقتضي منظورات مكمِّلة «من أسفل»، تبحث في تبلور فضاءات جديدة للمواجهة والتنازع بوصفها استجابات الأهالي للمشروع الاستعماري.
ومن منظور الجماعات الحضريّة، شكّل الحكم الاستعماري قطيعةً مع ماضيها السابق على الاستعمار: فقد انتقلت من جماعات محلّيّة سابقة على التبلور القومي، تعمل ضمن شبكات عائليّة وأحياء حضريّة وروابط دينيّة، إلى تنظيمات اجتماعيّة-سياسيّة واسعة القاعدة، قادرة على التماهي مع الأيديولوجيات الحديثة وعلى الارتباط بمراكز جديدة للسلطة السياسيّة2. وإذ تُركّز هذه المقالة على الإنتاج التاريخي للفضاء المادي والسياسي والاجتماعي-الاقتصادي لجماعة حضريّة شرق أوسطيّة، وعلى إعادة تشكيله، فإنها تروم تقديم صورة أدقّ وأكثر تمايزاً للاستمراريّات والانقطاعات التي وسمت التفاعل بين البنية البشريّة للمدينة ومجالها السياسي المتغيّر بفعل التدخل الاستعماري. ومع أنّ المفاهيم الجديدة للعِرق كانت مركزيّةً في المشاريع الاستعماريّة كلّها، فإنّ أثر الفصل الحضري في التنظيم الداخلي للمدن قد اختلف اختلافاً كبيراً من منطقة إلى أخرى. ففي إفريقيا الاستعماريّة كان «خطّ الفصل اللوني» (colour line) محورَ سيرورات التحضُّر، إذ رسم حدوداً واضحةً بين أحياء السكان السود وأحياء السكان البيض. وفي الهند البريطانيّة نجم الفصل العِرقي عن إقامة حواجز ثقافيّة وقانونيّة واقتصاديّة فصلت المستوطنة الاستعماريّة، أي «المركز المدني الاستعماري» (Civil Station)، عن المدينة الأهليّة3. أمّا الاستعمار الأوروبي فلم يكن أثره في المشهد الحضري للشرق الأوسط العربي في القرن العشرين بالغ الأهمية بالقدر نفسه، وإن يكن قد شجّع النموّ الحضري وإنشاء أحياء جديدة للطبقات الوسطى المتغرّبة الناشئة. فقد كانت الأحياء الحضريّة التقليديّة تميل إلى الحفاظ على هُويّة جماعيّة متماسكة بوصفها إرثاً لقرون من الحكم الإسلامي، لم يَزُل إلا بانهيار الإمبراطوريّة العثمانيّة بعد الحرب العالميّة الأولى.
وقد بلغ نموذج «الإمبرياليّة الإسلاميّة» من الرسوخ في دراسة تاريخ مدن الشرق الأوسط حدّاً جعل التأريخَ الغربي التقليدي لأحيائها وجماعاتها يصوّر المجتمع الحضري «نظاماً فسيفسائياً» مجزّأً على أُسس دينيّة وإثنيّة وقبليّة. وعُدّت الأحياء السكنيّة تنظيمات اجتماعيّة-سياسيّة منفصلة قائمة بذاتها، تطوّرت عبر التاريخ تحت تأثير ما كثيراً ما وُصف بـ«الحضارة الإسلاميّة». وهكذا غدا الإسلام، في تجلّياته الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة، ضرباً من قوّة تفسيريّة جوهرانيّة للتطور الحضري، كثيراً ما تجاوزت الزمن والملابسات المحلّيّة وقوّة الهيمنة التي مثّلها التدخل الاستعماري. وقد سارت صياغة النمط المثالي لـ«المدينة الإسلاميّة»، الممتدّة من شمال إفريقيا إلى إيران، بموازاة المقاربات السائدة في دراسة أحياء الشرق الأوسط. وتناول المؤرخون التنظيم الداخلي للمدينة من زاوية الطوبوغرافيا الحضريّة، وهي مقاربة شدّدت على ممارسات الفصل المنسوبة إلى الحكام المسلمين، إذ أبرزت الحدود المادّيّة الفاصلة بين الأحياء التقليديّة. ثم إنّ وعياً متنامياً، منذ أواخر ستينيات القرن العشرين، باستمراريّة البُنى والعلاقات الاجتماعيّة-السياسيّة الحضريّة، وباتجاهات التعبئة السياسيّة على المستوى الشعبي، قد أخرج سيرورات تشكُّل الأحياء وتحوُّلها من الحيّز المغلق للحي السكني؛ فأُعيد النظر، تبعاً لذلك، في دور الأحياء ضمن الإطار الأوسع للكيان السياسي الحضري4.
غير أنّ أُفول نموذج «النظام الفسيفسائي» لم يُفضِ إلى مقاربة جديدة لقضايا الجماعة والمحلّيّة في البيئة الحضريّة، بل ظلّت هذه القضايا تُناقَش في الغالب ضمن إطار «التكتّلات الإثنيّة». ومع أنّ الجماعات الكبيرة غير العربيّة كانت كثيراً ما تتركّز في أحياء منفصلة، فإنّ طبيعة روابط التضامن في صفوفها كثيراً ما يُسلَّم بها، فتُحلَّل من خلال فهمٍ للهُويّة «الإثنيّة» هو في جوهره فهمٌ حديث، يتّصل بأفكار العِرق والتعبئة السياسيّة التي فرضتها الدولة الاستعماريّة بوصفها الفاعل الرئيسي للحداثة. وإذ تتّخذ هذه المقالة من أكراد دمشق دراسة حالة، فإنها تُسهم في فهم معنى العِرق والإثنيّة ضمن البُنى الحضريّة للمدينة الشرق أوسطيّة ما قبل الحديثة، وتبحث في أثر الهُويّات السياسيّة الجديدة في مشهدها المادي والاجتماعي-السياسي في العقود الأولى من القرن العشرين5.
كان أكراد دمشق أكبر جماعة غير عربيّة تقطن الحواضر السوريّة، وقد حافظوا قروناً على تنظيم مكاني شديد التلاحم في حيّ الأكراد القائم في الأطراف الشماليّة للمدينة (انظر الخريطة 1). وفي القرن الأخير من الحكم العثماني، ثم في أثناء الانتداب الفرنسي (1920–1946)، أفضت عملياتُ التحديث السياسي وإعادة التنظيم الحضري وسيروراتُ تكوين الدولة إلى تغيير طبيعة أشكال التضامن الكردي، وإلى نشوء علاقةٍ جديدة بين الدولة والجماعة الحضريّة، فكان أثر ذلك في الحي وسكانه أثراً حتمياً. على أنّ الكتابات التاريخيّة الغنيّة عن دمشق، بوصفها عاصمة ولايةٍ في الإمبراطوريّة العثمانيّة ومركزاً سياسياً للدولة السوريّة، لم تُولِ جماعاتها — ولا مجتمعها الحضري عموماً — عنايةً كافية. ومع ذلك فقد عمّقت الأدبيات المتعلّقة بالنخب الحضريّة والمجتمع الإقليمي وإدارة الدولة فهمَنا للكيان السياسي لمدينة دمشق إلى حدٍّ يعزّ أن نجد له نظيراً في سائر المناطق الحضريّة من الشرق الأوسط.
الخريطة 1: دمشق خلال الانتداب الفرنسي، نحو 1936.
المصدر: مقتبس بتصرّف عن P. Khoury, Syria and the French Mandate. The Politics of Arab Nationalism 1920–1945 (London, 1987).
وتصل هذه المقالة عدداً من التطورات الاجتماعيّة-الاقتصاديّة والسياسيّة، التي رُسمت معالمها باستفاضة على المستوى الكلّي، بأكراد دمشق بوصفهم جماعةً إثنيّة، فتُبرز ما للإثنيّة من طبيعةٍ متعدّدة الأوجه، من حيث إنها وفّرت اللَّبِنات الأساسيّة للولاءات الاجتماعيّة-الاقتصاديّة والولاءات السياسيّة والبُنى المكانيّة داخل المدينة الحديثة الناشئة6.
حيّ الأكراد: المجال والبنية الاجتماعيّة
تركّز السكان الأكراد في دمشق في الأطراف الشماليّة للمدينة في العصر الوسيط، حيث نشأ حيّ الأكراد من مستوطنة عسكريّة أُسست في القرن الثاني عشر على سفوح جبل قاسيون. وقد اتّسع الحي في المقام الأول بفعل الهجرة من النواحي الريفيّة، فكان نموّه نمواً عفوياً دعمه استقرار جماعات كرديّة وتركمانيّة قادمة من شمال سوريا والأناضول. ولم يتشكّل حيّ الأكراد نتيجةً لسيرورات الفصل والتخصُّص الاجتماعي-الاقتصادي، بخلاف الحي المسيحي في باب توما وحيّ اليهود، اللذين كانا يقعان داخل المدينة القديمة7.
وفي القرن الثامن عشر شهد حيّ الأكراد توسُّعاً ملحوظاً، وهي سيرورةٌ يمكن تتبُّعها في الخرائط التاريخيّة للمدينة؛ إذ دفع ازديادٌ عامٌّ في انعدام الأمن في الأرياف كثيراً من الفلاحين والجماعات القبليّة إلى التماس الملاذ في أطراف دمشق. وبعد أن استقرّ المهاجرون في المنطقة، واصل كثيرٌ منهم الاشتغال بتربية الحيوان والزراعة، لعجزهم عموماً عن الاندماج في الأصناف الحِرَفيّة المحلّيّة. ولعلّ محاولات الإدارة العثمانيّة توطينَ قبائل شمال سوريا، حرصاً على تأمين طريق الحج إلى مكة، قد أدّت هي الأخرى دوراً كبيراً في هذه السيرورة في الفترة نفسها. وعلى هذا يمكن أن يُفسَّر تطوُّر هذا الحي بالرغبة في الفرار من انعدام الأمن الريفي، لا بالحاجة إلى الحماية في البيئة الحضريّة، وهي الحاجة التي كثيراً ما اقترنت بالأحياء التقليديّة في مدن الشرق الأوسط8.
وعلى غرار حيّ الميدان في الأطراف الجنوبيّة لدمشق، غدا حيُّ الأكراد ملتقًى مهمّاً للمبادلات بين المدينة والريف، وهي مبادلات رفدت سكان أحياء المدينة الداخليّة؛ فمن خلاله كان الفلاحون وأبناء العشائر يصلون إلى موارد المدينة ويُحسّنون أوضاعهم الاقتصاديّة. ومنهم من ظلّ على زراعة الكفاف وتربية المواشي، ومنهم من انخرط في أنشطة أوفر ربحاً كتجارة الماشية التي كانت تُموِّن أسواق الأحياء المركزيّة. على أنّ هذه المبادلات لم تكن اقتصاديّةً وحسب، فقد كان حيُّ الأكراد كذلك خزّاناً مهمّاً لتجنيد العسكريين في خدمة المدينة الداخليّة؛ إذ مثّل الالتحاق بالقوات العسكريّة وشبه العسكريّة، في نظر كثير من الأكراد، مدخلاً إلى العيش في المدينة، لا يُتيح فرصةَ الحصول على دخل ثابت فحسب، بل يُتيح أيضاً — كما سيأتي — فرصةَ اكتساب الثروة والنفوذ السياسي9.
وفي أوائل القرن التاسع عشر أُخذ حيُّ الأكراد يُسجَّل بوصفه حارةً تابعةً للصالحيّة، وهي منطقة كثيفة السكان تقع غربيَّ المستوطنة الكرديّة. ومع أنّ الصالحيّة كانت تفصلها عن المدينة المسوّرة أراضٍ خالية كثيراً ما استُخدمت بوصفها بساتينَ وأراضيَ زراعيّةً ومقابر، فقد أظهرت سماتٍ معماريّةً واجتماعيّة-اقتصاديّةً شبيهةً بسمات المدينة الداخليّة. وفي هذا الترتيب الإداري الجديد ما يُبرز تطوّرين مهمّين: أوّلهما أنّ حيّ الأكراد كان قد اتّصل بالقسم الشرقي من الصالحيّة بفعل تمدُّده في اتجاه شرقي/غربي؛ وثانيهما أنّ المستوطنة الكرديّة كانت قد بدأت سيرورة الاندماج الإداري في دمشق العثمانيّة، وهي سيرورة استمرّت مع توسُّع المدينة الحديثة. وفي سنة 1832، جاء إنشاء «دمشق الكبرى» على يد المصريين، الذين كانوا قد احتلّوا سوريا لتوّهم، تالياً لإعادة تنظيم المدينة في ثمانية أقسام عُرفت بالأثْمان، أي الأقسام الثمانية للمدينة (athman). ووُضع حيُّ الأكراد تحت الإدارة المباشرة لثُمْن الصالحيّة، الذي أخذ يشمل المناطق السكنيّة الشماليّة كلَّها. وتشير سجلّات الضرائب إلى أنّ الأكراد كانوا، بحلول ذلك الوقت، يمثّلون نصف سكان الصالحيّة. وكان القرن التاسع عشر مرحلةَ تحديثٍ حضريٍّ بلغت ذروتها بإنشاء مجلس بلدي في عهد الوالي محمد رشيد باشا في أواخر ستينيّاته. وتطوّرت الإدارة البلديّة أكثر في عهد الانتداب الفرنسي (1920–1946)، حين رُبطت الأحياء الشماليّة مباشرةً بالمدينة القديمة عبر العمران الاستعماري؛ فأُقيمت، على الأراضي المكشوفة التي كانت تفصل شمال دمشق عن المدينة المسوّرة، مناطق جديدة آوت المؤسسات الإداريّة لسلطات الانتداب والمقيمين الأوروبيين، هي الجسر والعرنوس والشهداء10.
وفي مطلع القرن العشرين، دعم التوسُّعَ الحضري طفرةٌ في هجرة الفلاحين؛ فقد ازداد سكان دمشق زيادةً كبيرةً بين عامي 1885 و1912، وكادوا يتضاعفون في أثناء الانتداب. وظلّ حيُّ الأكراد نقطةً محوريّةً لاستقرار الجماعات القبليّة والفلاحيّة الساعية إلى الفرار من الحرمان الريفي11. وقد عكس مشهد الحي الظروف الخاصة التي رافقت نموّه. ففي وصفٍ للحي الكردي نشره سنة 1931، ركّز ر. تومين على التكوين المكاني المتنوّع لشمال دمشق؛ فالصالحيّة، التي أُسست سنة 1156، كانت تضمّ مساجدَ كثيرةً ومدارسَ دينيّةً شكّلت نوىً لامتداد العمران، وذلك عبر الرعاية المعماريّة والدينيّة التي اضطلع بها علماء دين أثرياء مقيمون في المدينة القديمة. وكانت شوارع الصالحيّة الضيّقة، ومبانيها السكنيّة العالية، ومؤسساتها الدينيّة، تشبه نظائرها في وسط دمشق. أمّا حيّ المهاجرين، الواقع قرب الصالحيّة على سفح الجبل، فكان منطقةً سكنيّةً «بُنيت خصيصاً»، أُقيمت في أواخر القرن التاسع عشر لإيواء اللاجئين المسلمين من كريت ومن ولايات أوروبيّة أخرى تابعة للدولة العثمانيّة؛ وبحلول ثلاثينيّات القرن العشرين كان التخطيط البلدي الواسع والمضاربةُ على الأراضي قد حوّلاه إلى حيّ حديث ذي شبكة طرق منتظمة ومناطق سكنيّة راقية للطبقة الوسطى. وينظر تومين إلى حيّ الأكراد بوصفه بيئةً حضريّةً غير نمطيّة، تتباين مع «النظام» الإسلامي المنتظم للصالحيّة، ومع التخطيط العقلاني ذي الطراز الغربي في حي المهاجرين. وبعبارته هو، فإنّ طبوغرافيّة حيّ الأكراد ضربٌ من «الخيال الحرّ» (libre fantaisie)، إذ تتبع الطرق الاتجاه العشوائي للقنوات الجوفيّة التي كانت تستجرّ مياه نهر يزيد. وقد بدا تخطيطُ المنطقة للمراقب الفرنسي قائماً على الإفادة القصوى من الموارد المائيّة، وعلى استثمار الحماية التي توفّرها سفوح جبل قاسيون. ومن تواضع حجم المنازل كلّها استنتج تومين كذلك انتفاء أيّ تمايز اجتماعي-اقتصادي واضح المعالم بين سكان الحي؛ كما عُدّ غياب المباني الدينيّة الظاهرة للعِيان مؤشراً على ضعف نفوذ المؤسسة السياسيّة والدينيّة التي كانت تسيطر على بقيّة المدينة12.
وينصبُّ وصف تومين الثاقب لحيّ الأكراد على قسمه الشرقي، الذي كان تاريخياً وِجهةً للهجرة من النواحي الريفيّة؛ فقد جعل تناثرُ المنازل وانخفاضُ أسعار الأراضي تلك المنطقة جذّابةً للوافدين الجدد، الذين كان بوسعهم الاستقرار فيها بسهولة على نحو دائم أو شبه دائم. وفي المقابل، تُظهر الشواهد أنّ القسم الغربي من الحي كان كثيف السكان، ويشبه الصالحيّة التي لم تعد لها، بحلول أوائل الثلاثينيات، حدودٌ محددة مع حيّ الأكراد. وفي تباين البيئات المبنيّة ما يُنبئ بحدود مرنة داخل أحياء شمال دمشق وفيما بينها. وفضلاً عن ذلك، توحي اللغةُ التي كان يتكلّمها سكان حيّ الأكراد بصلةٍ مباشرةٍ بين الأشكال العمرانيّة والحفاظ على الخصوصيّة الإثنيّة؛ فقد كانت العربيّة غالبةً في المنطقة المتاخمة للصالحيّة، في حين ظلّت الكرديّة في الشرق تُستخدم لغةً أولى13.
وكان التنظيم المكاني واللغة سمتين مهمّتين من سمات التماسك الجماعي الكردي في دمشق في ظل الحكم الفرنسي، وهذا مؤشر أوّل على نمط مغاير من اندماج الجماعة في الفضاء الحضري العربي. وفي هذا الصدد، تثير مناقشة تومين للبُنى الاجتماعيّة والميول الدينيّة في الحي مسألةً مهمّة، هي العلاقة بين الجماعة الإثنيّة والكيان السياسي الحضري لمدينة دمشق. يرى تومين أنّ الفضاء المادي لحيّ الأكراد انعكاسٌ لعلاقات اجتماعيّة-سياسيّة كانت مبنيّةً حول روابط تضامن قبليّة، ويشدّد على أنّ تسوية المنازعات كانت تجري وفق خطوط نسبٍ أبويٍّ صارمة، وعلى دفع الدية. ويردّ معظم الممارسات الدينيّة لسكان الحي إلى مظاهر الثقافة الشعبيّة، مثل تبجيل الأشجار والأحجار، والإيمان بالكائنات الخارقة للطبيعة، أي الجنّ؛ وفي ذلك الوسط الريفي البعيد عن التديّن القائم على النصوص والدرس العلمائي، الذي ارتبط به الحي بوضوح، ما يوفّر السياق لتفسير غياب المساجد والمدارس الدينيّة على السواء14.
ويؤكّد فهم تومين للفضاء والجماعة في الحي الكردي الفصلَ بين الحضري والريفي، وبين التدين المعياري والتدين المغاير، وبين العربي وغير العربي في البيئة الحضريّة. ولعلّه، بوصفه فرنسياً يراقب أكراد دمشق، قد تأثّر بصعود القوميّة العربيّة في مدن سوريا، ذلك الصعودِ الذي جعل الهُويّات القبليّة والريفيّة والإثنيّة تكتسب طابعاً سياسياً على نحو متزايد، وهي سيرورة سترد معالمها فيما يأتي. وتكتسب روايته أهميّةً أيضاً في ضوء التكوين السياسي لدمشق، ولا سيما من حيث التفاعل بين الكيان السياسي الحضري والطابع القبلي والريفي للحي. وقد شارك حيُّ الأكراد سائرَ أحياء دمشق بنيةَ الرعاية/التبعيّة المرتكزة إلى الحي، تلك البنيةَ التي ظلّت قروناً تُسند التنظيم السياسي والاجتماعي-الاقتصادي للمدينة. وفي حيّ الأكراد كانت التحالفات تُعقد عموماً داخل الجماعة الإثنيّة الأوسع، إذ كانت كثيراً ما تترسّخ بفعل اعتبارات قبليّة. وفي عهد الانتداب، واصل كثيرٌ من أعيان الحي التماهي مع القبائل الكرديّة الكبيرة في شمال سوريا وشمالها الشرقي، في حين احتفظت غالبيّة السكان بقدرٍ من الوعي بأصولها القبليّة، ولا سيما المهاجرون الأحدث عهداً؛ فالقادمون الجدد من وحدات قبليّة صغيرة، أو ممّن لا خلفيّة قبليّة لهم، كانوا عند وصولهم إلى دمشق يدخلون في حماية أكثر الأعيان الأكراد نفوذاً في ذلك الوقت، ثم يتماهَون بعد ذلك مع الأصل القبلي لراعيهم. وقد مثّل وجود قبائل فعليّة أو مُدّعاة في الحي علامةً بارزةً على أواصر التضامن الكردي في المدينة15.
النخب الكرديّة في العهد العثماني
عمل أكثر الأعيان الأكراد نفوذاً، في أواخر العهد العثماني وفترة الانتداب، في سياقات متعددة. ففي حيّ الأكراد كانوا كثيراً ما يستخدمون الانتماء القبلي للحفاظ على أتباعهم واكتساب أتباع جدد، أمّا خارج الحي وما وراء نطاقه، فقد طوّروا تحالفات أفقيّة مع جماعات حضريّة مؤثّرة، وشغلوا مواقع بارزة في المؤسسة العسكريّة/البيروقراطيّة للمدينة. وقد استمدّوا نفوذهم السياسي من موقعهم بوصفهم أعياناً. وعلى امتداد معظم العهد العثماني، شكّل الأعيان الحضريون الركائز الأساسيّة للفصائل السياسيّة التي كان لها دور حاسم في الإبقاء على الحكم الإمبراطوري في المدن السوريّة، وتوسّطوا بين الحكومة العثمانيّة وسكان المدن. ومع أنّ القنوات التي تمكّنوا من خلالها من الحفاظ على سلطتهم لا تزال موضع نقاش، فإنّ الأعيان لم يكونوا قوّةً سياسيّةً واجتماعيّةً متجانسة؛ بل اختلفت أسس شرعيّتهم اختلافاً كبيراً، انعكاساً للطابع غير الرسمي للمؤسسات الحضريّة، وكان يمكن لها أن تتغيّر مع مرور الزمن حتى داخل المجموعات العائليّة نفسها16.
وفي ما يخصُّ القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، تستخدم ليندا شيلشر المقولة التحليليّة «الشرائح، أو المراتب الاجتماعيّة» (estates) لتفسير شبكة العلاقات الاجتماعيّة والعائليّة المعقّدة التي أسندت النخب الدمشقيّة. وإذ تصفها بأنها «شرائح اجتماعيّة ذات استمراريّة تاريخيّة»، تميّز شيلشر بين شرائح الأغوات والعلماء والأشراف، وتُقرّ بأهمية جماعات المكانة المرتبطة بالمؤسسة الدينيّة الرسميّة للمدينة، أي العلماء والأشراف، وبالدور البارز الذي أدّاه القادة العسكريون، أي الأغوات. أمّا عن الفترة التي أعقبت سنة 1860، فيناقش فيليب خوري نفوذ الأعيان في سياق العائلات المالكة للأرض ذات المكانة الدينيّة، والعائلات المالكة للأرض ذات الموقع البيروقراطي. وفي بروز ملكيّة الأرض أهمَّ قاعدةٍ للموارد لدى نخب دمشق ما يعكس، على نحو بيّن الدلالة، التحولات الاجتماعيّة-الاقتصاديّة والسياسيّة الكبرى التي نجمت عن تضافر المركزيّة العثمانيّة والتغلغل الاقتصادي الأوروبي17.
ويرتبط ظهور جماعات النفوذ والمصالح، التي تمكّن من خلالها أفراد من خلفيّة كرديّة من ترسيخ مواقعهم في أوساط الأعيان الدمشقيين، ارتباطاً وثيقاً بتطور السلطة العسكريّة في البيئة الحضريّة. فمنذ القرن السادس عشر، برز الأكراد بوضوح في القوات الإمبراطوريّة والمحلّيّة معاً، وهي القوات التي شكّلت الجهاز العسكري غير المتجانس لدمشق العثمانيّة. وقبل منتصف القرن التاسع عشر، كان الحفاظ على الحكم العثماني يقتضي درجةً عاليةً من عسكرة المجتمع الحضري؛ ولا سيما حين كانت الدولة العثمانيّة تُضطر إلى اختيار ولاتها الإمبراطوريين من أوساط محلّيّة، إذ كان التوازن الدقيق بين الفاعلين السياسيين المحليين والإمبراطوريين والأجانب يُصان باستخدام قوات عسكريّة كبيرة. وفي ذلك الوقت، انضمّ كثير من الأكراد القادمين من الظهير الريفي لسوريا إلى فيالق الإنكشاريّة المحلّيّة، أي اليَرْلِيّة (yerliyye). ووصل آخرون، ممّن تدرّبوا في إسطنبول، إلى دمشق بوصفهم أعضاءً في الإنكشاريّة الإمبراطوريّة، أي القَبيقول (qapi-qul). وبوصفهم جزءاً من هذه الجماعات التي شكّلت نواة الجهاز العسكري العثماني في الولايات العربيّة، تمكّن عدد متزايد من الأفراد الأكراد من تأسيس شبكات دعم بين السكان المحليين، عبر المشاركة في التجارة وفي تنظيم الأصناف الحِرَفيّة.
وخلال حكم أسرة العظم (1724–1780)، وفّر قادةُ الإنكشاريّة من فيالق اليَرْلِيّة والقَبيقول العمودَ الفقري للتنظيم العسكري شبه المستقل للأحياء الحضريّة، وهي مؤسسة تعود إلى فترة ما قبل السيطرة العثمانيّة على المدينة. وبهذه الصفة عُرفوا باسم الأغوات، أي قادة القوات شبه العسكريّة. وقد مكّنت العضويّةُ في فيالق الإنكشاريّة وقيادةُ جماعات الأغوات أفراداً أكراداً طموحين من دخول صلب السياسة الدمشقيّة. ورسّخت الفصائليّة السياسيّة في عهد العظم تحالفاً بين الولاة المحليين وشرائح الأغوات، وكان بعض هذه الشرائح يقوده أكراد ذوو قواعد دعمٍ قويّة في الأحياء الشعبيّة الواقعة جنوب المدينة المسوّرة وشمالها، ولا سيما في الميدان والصالحيّة/الأكراد18. وأصبحت السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي في ظهير دمشق، ولا سيما في المناطق التي كانت تزوّد المدينة بالمنتجات الزراعيّة والرعويّة، سمةً حاسمةً في المكانة السياسيّة للنخب العسكريّة الحضريّة. ففي الربع الأول من القرن الثامن عشر، حين منحت الحكومةُ العثمانيّة ولاةَ دمشق إشرافاً مباشراً على قافلة الحج، غدت حراسةُ المناطق الواقعة على امتداد طريق القافلة عنصراً محورياً في استمرارهم في المنصب. وبعد خمسينيّات القرن التاسع عشر، حين أصبح منصب أمير الحج، أي الشخص المكلّف بقيادة القافلة، منصباً ذا راتب، وحتى الحرب العالميّة الأولى، حين أُلغي المنصب، احتكره الأغوات الأكراد من دمشق19.
وقد ساعدت فترةُ الإصلاح العثماني، المعروفة بالتنظيمات (1839–1876)، على استمرار الدور السياسي لشرائح الأغوات الأكراد، على الرغم من المحاولات العثمانيّة لتفكيك الفصائليّة السياسيّة عبر إنشاء مؤسسات حضريّة وولائيّة جديدة. ولا يزال مدى نجاح المركزيّة الإداريّة والسياسيّة للتنظيمات في تقليص مجال العمل المستقل للجماعات الوسيطة موضع نقاش. ومن المؤكد أنّ عهد التنظيمات أطلق سيرورةً واسعةً من العثمنة، وأنّ جماعات كثيرة من طبقة الأعيان القديمة تمكّنت من ترسيخ مواقعها في الريف. فعلى سبيل المثال، أتاح مجلس ولاية دمشق، الذي أُنشئ في أربعينيّات القرن التاسع عشر، لكثير من الأعيان الدمشقيين إحكام قبضتهم على المناطق الزراعيّة باكتساب الملكيّة الخاصة للضِّياع الريفيّة. وقد تكرّر ذلك بوتيرة متزايدة بعد صدور قانون الأراضي العثماني سنة 1858، حين بدأ مجلس الولاية يشرف مباشرةً على تسجيل العقارات والأراضي وبيعها بالمزاد. وبحلول ثمانينيّات القرن التاسع عشر، يبدو أنّ الأغوات الأكراد كانوا أكبر الفئات استفادةً من هذه التطورات20.
كما ساعد تحديثُ الجيش العثماني على تعزيز موقع الجماعات الكرديّة شبه العسكريّة، التي واصلت السيطرة على ميليشيات كبيرة تابعة للأحياء، عُرفت محلياً باسم الجماعات ، وأصبحت بعد سنة 1832 الفاعلَ الرئيس في الأمن الحضري بوصفها أغوات الأثْمان .وكانت الجماعات تعمل بوصفها قوّاتٍ سياسيّةً وعسكريّةً مستقلّةً إلى حد كبير، وبحلول منتصف القرن التاسع عشر كانت ميليشيات الأحياء قد غدت قوّةَ إسنادٍ ضروريّةً للحامية العثمانيّة، نتيجة إخفاق العثمانيين الجزئي في إعادة تنظيم جيش إمبراطوري21. وكانت سبعٌ من العائلات الإحدى عشرة غير المنتمية إلى السلك الديني، التي اندمجت في النخب الجديدة المالكة للأرض في عهد التنظيمات، ذاتَ خلفيّةٍ أسريّةٍ من طبقة الأغوات، وواصلت تلقّي الدعم من تلك «القوى ذات النزعة المحلّيّة» التي كانت متمركزةً في الأحياء الجنوبيّة والشماليّة للمدينة. وكانت أربعٌ من هذه العائلات كرديّةً ومرتبطةً ارتباطاً وثيقاً بالصالحيّة وحيّ الأكراد، هي: يوسف، وشمدين ، وأغريبوز ، وبوزو . وعلى الرغم من أنّ قاعدة نفوذها ظلّت في الأحياء الشماليّة من دمشق، فإنها بنت مجمّعات عائليّةً في منطقة ساروجة، التي آوت غالبيّة المسؤولين العثمانيين. وكان انتقالها إلى سوق ساروجة ذا دلالة، إذ عكس موقعها المكتسب حديثاً في النخبة البيروقراطيّة/العسكريّة العثمانيّة. وأصبحت عائلتا يوسف وشمدين أكثر المجموعات نفوذاً، وتوضّح تواريخ هذه العائلات مدى اكتساب الأعيان الأكراد النفوذ السياسي عبر اندماجهم في البُنى العسكريّة والسياسيّة المتغيّرة لدمشق في القرن التاسع عشر22.
الإثنيّة والسياسة في المدينة
شهد القرن العشرون ظهورَ جماعات سياسيّة جديدة، وهي سيرورة أثّرت في جميع شرائح المجتمع الحضري. ففي العقود الأخيرة من الحكم العثماني، كانت معظم النخبة المالكة للأرض في دمشق قد تبنّت النزعة العثمانيّة، وهي الأيديولوجيا الإمبراطوريّة الجديدة التي خدمت توثيق صلاتها بالدولة العثمانيّة. وأطلقت سيرورةُ تتريك الدولة العثمانيّة، التي بدأت سنة 1908 مع تأسيس جمعية الاتحاد والترقي في إسطنبول، تطوُّرَ أفكار سياسيّة حديثة جعلت الإثنيّة في صدارة التطور السياسي للمنطقة. أمّا العروبة، التي تطورت من حركة نهضة ثقافيّة في القرن التاسع عشر، فقد برزت تدريجياً في الولايات السوريّة بوصفها المبدأ السياسي الجديد الذي كان سيقود المقاومة المحلّيّة لحكم الانتداب الفرنسي في فترة ما بين الحربين. وبوصفها أيديولوجيا قوميّة، أخذت العروبة تترسّخ في وسط حضري/فكري، وغدت الأداةَ التي حافظ من خلالها الأعيانُ الدمشقيون على مصالحهم وعزّزوها داخل الدولة السوريّة التي أنشأتها فرنسا سنة 1920. وفي سنة 1931، وفّر ظهورُ تنظيم سياسي باسم الكتلة الوطنيّة الإطارَ لحركة المقاومة المناهضة للاستعمار. وإلى حد بعيد، خدم نضالُ الكتلة من أجل إنفاذ دستور وإنشاء برلمان مصالحَ الفصائل السياسيّة القديمة التي سعت جاهدةً إلى مواصلة سياسات الرعاية الزبائنيّة عبر مؤسسات حديثة. وغدت دمشق، بوصفها عاصمة الدولة السوريّة، مركزاً لهذا النمط الجديد من السياسة23.
كان أكراد سوريا عُرضةً على نحو خاص للتطورات السياسيّة في عهد الانتداب. فقد عكست السياساتُ الإثنيّة الفرنسيّة توطُّدَ حركةٍ قوميّةٍ كانت تتماهى على نحو وثيق مع غالبيّة السكان العرب السنّة ومع المدن. وفي سنة 1922، كان إنشاءُ جيوب إداريّة منفصلة لما سُمّي «الأقليات المتراصّة» (compact minorities) — العلويون والدروز، وهما جماعتان مسلمتان غير سنّيتين — أوّلَ نتائج سياسات «فرّق تسُد» التي أحدثت صدعاً بين المناطق الحضريّة والريفيّة. وفي شمال شرق سوريا، الذي لم يخضع للسيطرة الفرنسيّة الكاملة إلا سنة 1930، كانت السلطات العسكريّة الفرنسيّة قد شجّعت التطلعات السياسيّة للجماعتين المسيحيّة والكرديّة لموازنة النفوذ المتنامي للقوميين العرب في دمشق وحماة وحمص وحلب. وعلى النقيض من ذلك، في دمشق، بؤرةِ الحركة القوميّة العربيّة الصاعدة، سار تسييسُ الإثنيّة الكرديّة جنباً إلى جنب مع استمرار سياسات الرعاية القديمة التي ظلّت تهيمن على الحي24.
وفي أوائل عهد الانتداب، نظرت السلطات الفرنسيّة إلى حيّ الأكراد بوصفه جيباً إثنياً متراصّاً في الوسط الحضري. وكانت الخطط الموضوعة للحي الكردي ترمي إلى تحويل المنطقة إلى مركز لمقاومة النفوذ العربي/القومي العربي. وكان من شأن تطوير حيّ الأكراد إلى وحدة سياسيّة وإداريّة منفصلة أن يوفّر منصّةً ممتازةً لنشر الدعاية المؤيّدة لفرنسا في شمال سوريا وشمالها الشرقي، وفي ولاية الموصل، التي كانت فرنسا قد تنازلت عنها لبريطانيا العظمى في كانون الأول/ديسمبر 1918. وقد جرى تصوُّر الخطط الخاصة بحيّ الأكراد بوصفها جزءاً من مجال السياسة الريفيّة/الإثنيّة، وهو تطوّر ينعكس في وصف تومين للمكان والبنية الاجتماعيّة في الحي. وكان من المقرر أيضاً أن يصبح حيّ الأكراد مقرّاً للجيش الفرنسي في دمشق، ومركزاً لجمعية سياسيّة مؤيّدة لفرنسا يقودها زعماء أكراد بارزون. وكانت إقامةُ مدرسة فرنسيّة، والتوزيعُ المنتظم للطعام على الفقراء، محاولتين إضافيتين لضمان دعم الشرائح الدنيا من السكان25.
ويبدو أنّ هذا المخطط قد جرى التخلّي عنه نتيجةً للثورة السوريّة الكبرى (1925–1927) التي أرغمت فرنسا على إعادة النظر في سياساتها تجاه الأقليات. غير أنّ الاتصالات الفرنسيّة بالأعيان المحليين حقّقت قدراً من النجاح. ففي أثناء الثورة، قدّم حسين إيبش وعمر آغا شمدين، وهما الزعيمان الكرديان الأكثر نفوذاً في تلك الفترة، قوّاتٍ من الحي لقمع الثورة. ويفسّر الاهتمام الفرنسي بحيّ الأكراد، جزئياً، العزلةَ النسبيّة للحي داخل الحركة القوميّة السوريّة في السنوات اللاحقة. والواقع أنّ مشاركة قطاعات من سكان دمشق في الثورة، وما أعقب ذلك من قمع عسكري قاسٍ، كما بيّن فيليب خوري، قد أسهما في إضعاف ولاءات الأحياء، إذ بدأت قطاعات واسعة من سكان دمشق تتماهى على نحو متزايد، وبقوة، مع القضية القوميّة26.
وحتى سنة 1918، حافظت العائلات الكرديّة الكبرى في دمشق على ولائها للدولة العثمانيّة، شأنها في ذلك شأن سائر النخب المالكة للأرض والمرتبطة بالبيروقراطيّة. وكانت العثمنة قد عجّلت اندماجها الاجتماعي-الاقتصادي والسياسي في طبقة الأعيان. وكان محمد باشا اليوسف (ت 1896–1897)، وهو أحد أبرز الأعيان الأكراد في جيله، يعرف العربيّة والتركيّة إلى جانب الكرديّة، وأدّى دوراً بارزاً في الأوساط الثقافيّة-الدينيّة في دمشق أواخر العهد العثماني. وصاهر ابنُه عبد الرحمن باشا اليوسف (ت 1920) أسرةَ العظم، التي كانت قد حافظت على ثروتها ومكانتها الاجتماعيّة، فضلاً عن صلاتها الوثيقة بإسطنبول. وبعد سنة 1908، أصبح عبد الرحمن اليوسف عضواً في البرلمان العثماني، فعارض الانفصاليّة العربيّة بشدة، ودعم حركة اللامركزيّة (la-markaziyya) داخل الحكم العثماني، شأنه شأن كثير من الأعيان الدمشقيين27.
وفي عهد الانتداب، آل بعضُ الأعيان الأكراد إلى مصير سائر أفراد النخبة القديمة المالكة للأرض، الذين أفضى بهم وضعُهم بوصفهم ملّاكاً غائبين يعيشون نمط حياة مكلفاً إلى تراجعهم التدريجي بوصفهم جماعةً اقتصاديّةً وجماعةَ مكانة. فعلى سبيل المثال، أثقل الدَّينُ كاهلَ محمد سعيد، الابن الأكبر لعبد الرحمن، فاضطُرّ في الثلاثينيات إلى الاعتماد على حسين إيبش، الذي كانت تربطه بأسرة يوسف صلةُ مصاهرة، والذي كان قد أصبح بحلول ذلك الوقت أغنى مالك أراضٍ في إقليم دمشق. وشغل أفرادٌ آخرون من أسر يوسف وبوزو وأجلياقين (Ajilyaqin)، ممّن تلقّوا تعليماً حديثاً، مناصبَ عدّةً في الإدارة الإقليميّة وفي البرلمان السوري وفي الجيش. وقد وفّرت ملكيّةُ الأرض استمراريّةً لشبكات الرعاية الراسخة في حيّ الأكراد، كما توحي بذلك السلطةُ التي مارسها عمر آغا شمدين وحسين إيبش وعلي آغا زِلفو ، وهو أحد الأعيان الأكراد ممّن سيرد ذكرهم فيما يأتي. غير أنّ من المهم الالتفات إلى قواعد تأييدهم في الحي، حيث كانت قوًى سياسيّةٌ واجتماعيّةٌ جديدة قد أخذت في الظهور منذ أواخر عشرينيّات القرن العشرين28.
وكان للتغيُّر الاجتماعي-الاقتصادي الذي أصاب دمشق في عهد الانتداب أثرٌ في تطور المواقف السياسيّة في الحي بطريقتين مهمّتين. أولاً، زادت هيمنةُ رأس المال الاستعماري إفقارَ شرائح واسعة من السكان، فأوجدت أرضيّةً خصبةً لانتشار الأفكار الشيوعيّة. وثانياً، أدّى انتشارُ التعليم الحديث إلى نشوء طبقة وسطى مُلِمّة بالأفكار السياسيّة الحديثة، انجذب أفرادها إلى القوميتين العربيّة والكرديّة. وفي سنة 1928، أُنشئ في الحي فرعٌ لجمعية كرديّة سرّية تُعرف باسم خويبون (Khoybun). ومع أنّ خويبون كان مقرّها في بيروت، وكان يمثّلها في المدن السوريّة الكبرى أعضاءٌ من النخبة المثقفة الكرديّة، فإنّ برنامجها كان يقوم على تعبئة الزعماء القبليين إعداداً لانتفاضة كرديّة. وبعد حلّ خويبون سنة 1930، واصل جلادت بدر خان، وهو أحد أعضائها السابقين، أنشطته من حيّ الأكراد. وبين سنتي 1932 و1935، أصدر مجلّةً شهريّةً اسمها هاوار (Hawar)، وفّرت منبراً للنقاش في اللغة واللسانيات الكرديّة والأدب والقضايا الاجتماعيّة. ولم تؤدِّ هاوار دوراً محورياً في إرساء معايير اللغة الكرديّة فحسب، بل أرست أيضاً جانباً كبيراً من أسس المضمون الثقافي للقوميّة الكرديّة29.
ودعمت السلطات الفرنسيّة أنشطة جلادت بدر خان في دمشق. وبحلول ثلاثينيّات القرن العشرين، كان المناخ السياسي قد تغيّر تغيُّراً كبيراً، وكانت فرنسا بحلول ذلك الوقت مستعدّةً لتشجيع القيم الثقافيّة الكرديّة كبحاً للتطلعات القوميّة للأعضاء المسيّسين في الجماعة. وخلال الحرب العالميّة الثانية، تولّى جلادت بدر خان البثَّ باللغة الكرديّة عبر راديو ليفان (Radio Levant)، لنشر الدعاية المؤيّدة للحلفاء بين أكراد سوريا وتركيا والعراق. وبعد أن نالت سوريا استقلالها سنة 1946، أظهر الإحياءُ الثقافي الكردي درجةً ملحوظةً من الاستمراريّة؛ فظهرت في الحي عدّةُ جمعيات، لعلّ جمعية صلاح الدين الأيوبي كانت أوسعها أثراً، إذ كانت تهدف إلى رفع مكانة الأكراد في الشرق الأوسط كلّه30.
وأصبحت اللغةُ الكرديّة عاملاً حاسماً في إعادة توجيه الولاءات السياسيّة نحو حركة قوميّة كرديّة ناشئة في سوريا. ومع أنّ ذلك النمط من القوميّة الثقافيّة الذي روّج له جلادت بدر خان لم يجد قنوات تعبير وافية على مستوى مؤسسات الدولة، فإنه نشّط وعياً بالأكراد بوصفهم جماعةً إثنيّة-لغويّةً متميزة، اشتدّ على نحو خاص في حيّ الأكراد. وقد ساعد وجودُ طبقة شابة متعلمة تتكلّم الكرديّة لغةً أولى على انتشار أفكار تقرير المصير الكردي. وعلى الرغم من صعوبة تقدير عدد المتكلمين بالكرديّة، يبدو أنّ نحو 60 في المئة من السكان الأكراد في دمشق كانوا لا يزالون يستخدمون الكرديّة في بيئتهم العائليّة وفي المعاملات الاجتماعيّة اليوميّة. وفضلاً عن ذلك، أصبحت الفروقُ اللغويّة علامةً مهمّةً على الهُويّة الإثنيّة، إذ أخذت تميّز بين الأكراد الناطقين بالكرديّة وفئةٍ من الأكراد المستعربين المتعلّمين؛ وهي فئة جديدة من أصحاب المهن، ينحدرون في الغالب من خلفيّة متواضعة، وكانوا يؤدّون دوراً مهماً في الحركة المناهضة للاستعمار بحلول ثلاثينيّات القرن العشرين31. وكان التطورُ الرئيس الآخر الذي أثّر في حيّ الأكراد هو صعود الحزب الشيوعي السوري، الذي كان مؤسسه وزعيمه خالد بكداش، وهو كردي مستعرب من الحي. وقد وجدت قطاعات واسعة من السكان، ممّن تأثّروا بتسارع الهجرة من الريف إلى المدينة وبانحسار الحِرَف التقليديّة، سهولةً في التماهي مع رسالة بكداش؛ فأُنشئت النواة الشيوعيّة الأولى في الحي سنة 1930، واستخدم بكداش على نطاق واسع علاقاته الشخصيّة والاجتماعيّة لتوسيع المشاركة في الحركة. وعلى امتداد مسيرته، تلقّى بكداش دعماً مستمراً من حيّ الأكراد، الذي ظلّ دائماً أهمَّ قواعد تأييده32.
وقد زاد ظهورُ الحركة القوميّة الكرديّة وانتشارُ الأفكار الشيوعيّة من عزلة حيّ الأكراد عن سياسة الكتلة الوطنيّة، وهي سيرورة بدأت مع الثورة السوريّة الكبرى. وبدأت النخب السياسيّة العربيّة في الحقبة الاستعماريّة تنظر إلى القوميين الأكراد بقدر كبير من الريبة. وقد هدّدت الدعايةُ الشيوعيّة، بمخاطبتها الجماهير الحضريّة مباشرةً، قاعدةَ النفوذ التي قامت عليها سياسات الرعاية، والتي كانت لا تزال تُسند كثيراً من قادة الكتلة الوطنيّة. وفضلاً عن ذلك، باتت الحركة المناهضة للاستعمار تقتضي، على نحو متزايد، دعمَ قواعد التأييد الحضريّة الفقيرة، إذ أصبحت التعبئةُ الجماهيريّة والاحتجاجُ الشعبي أداتين حاسمتين في مقاومة الحكم الفرنسي. ومما له دلالته أنّ السياسات الاقتصاديّة التي دعت إليها الكتلة الوطنيّة ضد هيمنة رأس المال الفرنسي يمكن أن تُعدّ محاولةً لصرف انتباه الجماهير الحضريّة عن الصراع الطبقي33.
ويقدّم خالد بكداش ونور الدين ظاظا ، وهو كردي من تركيا وصل إلى دمشق في نهاية سنة 1930، شهادةً مباشرةً عن حيّ الأكراد في الفترة الحاسمة بين عامي 1925 و1930. ويصف نور الدين ظاظا أنشطة علي آغا زِلفو، وهو مالك أراضٍ كردي ثري كانت أسرته من مُلتزمي الضرائب في ظهير دمشق منذ جيلين على الأقل؛ وكانت لعلي آغا زِلفو، الشخصيّة المحوريّة في رواية ظاظا، صلاتٌ شخصيّةٌ وسياسيّةٌ قويّةٌ بخالد بكداش. فقد دعم علي آغا زِلفو تعليمَ خالد بكداش في مدرسة الحقوق بدمشق، واستمرّ في متابعة مسيرته السياسيّة، حتى دعم في عامي 1943 و1954 حملته الانتخابيّة لعضوية مجلس النواب السوري34.
وتبدأ روايةُ بكداش عن أوج نشاط الحزب الشيوعي السوري في حيّ الأكراد بوصفٍ مؤثّر للثورة الكبرى، التي كان لها أثرٌ عميقٌ في مشاعره المناهضة للاستعمار، وهي مشاعرُ وازاها تطورُ أفكاره الشيوعيّة في سنوات تكوينه. وينقل بكداش صوراً موحشةً للحي الكردي في أثناء الأعمال القتاليّة؛ فقد كان حيُّ الأكراد «منطقةً فاصلةً لا يسيطر عليها طرف» (no‑man’s land)، فضاءً اختلطت فيه الولاءات السياسيّة، وكان القتال والهدن فيه موضعَ تفاوضٍ مستمرٍّ بين السلطات العسكريّة الفرنسيّة والقادة المحليين. وفي نهاية المطاف، يشدّد بكداش على عموم الشعور المناهض للفرنسيين، بما ينسجم مع تصوُّره هو للصراع35.
ويوضّح وصفُ نور الدين ظاظا لعلي آغا زِلفو الولاءاتِ البراغماتيّة التي نسجها أحدُ الأعيان الأكراد التقليديين. فقد واصل زِلفو استقبال الأتباع والضيوف في حيّ الأكراد، وإن كان يقيم رسمياً في سوق ساروجة، مقرِّ النخبة العثمانيّة القديمة. ويذكر نور الدين ظاظا أنه اطّلع للمرة الأولى على القوميّة الكرديّة في ديوان زِلفو، الذي كان منبراً مهماً لأنشطة جلادت بدر خان ولعدد من الزعماء الأكراد المرتبطين بخويبون. غير أنّ زِلفو يقدّم صورةً أكثر دقّةً لميوله السياسيّة حين يورد روايته الخاصة عن الثورة الكبرى؛ فقد ذكر أنه قاتل الفرنسيين على رأس كتيبة من المتطوعين الأكراد دفاعاً عن الحقوق الوطنيّة والحريات المدنيّة، كما يبرّر موقفه على أسس اقتصاديّة بالتلميح إلى السياسات الجبائيّة الجائرة التي انتهجتها السلطة الاستعماريّة، والتي مسّت أيضاً أتباعه الكثر. وتوحي ظروفُ توقُّف زِلفو عن كفاحه المسلح ضد الفرنسيين ببداية سياسة «التعاون المشرّف» التي ميّزت العلاقات بين الكتلة الوطنيّة الناشئة وفرنسا بعد الثورة36. وتوضّح صلاتُ زِلفو الوثيقة بخالد بكداش، الذي كان في كنف رعايته، وبالقوميين الأكراد من الأوساط الفكريّة والقبليّة على السواء، وانخراطُه في استراتيجية الكتلة الوطنيّة تجاه الفرنسيين، ديمومةَ سياسات الرعاية القديمة، والدورَ المحوري الذي أدّاه حيُّ الأكراد بوصفه ملتقًى لشبكات العلاقات الشخصيّة. ويبدو أنّ عمر آغا شمدين قد شارك زِلفو براغماتيته؛ فكما ذُكر أعلاه، زوّد شمدين السلطات الفرنسيّة بمقاتلين أكراد في أثناء الثورة الكبرى، ومع أنّ المفوض السامي الفرنسي عدّه أحد أبرز أنصار فرنسا في دمشق، فقد كان قريباً جداً من الفصائل القوميّة العربيّة، حتى وردَ سنة 1929 ضمن أعضاء فرع دمشق لجمعية خويبون37.
الخاتمة
شهد معنى الهُويّة الإثنيّة عند أكراد دمشق تغيُّراتٍ بعيدةَ المدى في الفترة قيد البحث، ولا سيما إذا نُظر إلى الإثنيّة الكرديّة بوصفها مصدراً لأشكال التضامن السياسي. فعلى المستوى الاجتماعي-الاقتصادي، كانت العواملُ الرئيسة التي أسهمت في الحفاظ على جماعة كرديّة في دمشق هي وجودُ شبكات رعاية على مستوى المدينة، ووجودُ حيٍّ ظلّ يُعرَّف بوصفه كردياً. وفضلاً عن ذلك، كان تطورُ الحي بوصفه وحدةً سكنيّةً نتاجاً ثانوياً لاتجاهات مخصوصة في الاقتصاد السياسي للعلاقات بين المدينة والريف، وهي اتجاهات هيمنت على المنطقة ككل قروناً عدة. وفي الدور الحاسم الذي أدّاه الحي في المبادلات مع الظهير الريفي ما يؤكّد أهمية القوى الاجتماعيّة-الاقتصاديّة والسياسيّة المنبثقة من مركز دمشق. وفي أوائل القرن العشرين، عزّز المعنى السياسي الجديد الذي اكتسبته العلاقاتُ بين المدينة والريف، نتيجةً للممارسات الاستعماريّة وللتطورات الخاصة داخل القوميتين العربيّة والكرديّة على السواء، موقعَ الحي بوصفه وسيطاً بين المدينة والريف؛ فغدا الحي مركزاً لشبكات كرديّة عابرة للأقاليم وللحدود الوطنيّة، ذاتِ صلات قويّة بالنواحي الريفيّة التي يسكنها الأكراد.
غير أنّ وسم حيّ الأكراد بـ«التكتُّل الإثني» يظلّ إشكالياً، إذ كانت حدودُ الحي وحدودُ الجماعة الإثنيّة في حالة تبدُّل. فلم يقتصر الأمر على انجذاب حيّ الأكراد المتزايد إلى فلك دمشق العثمانيّة والعربيّة واستعراب بعض سكانه، بل إنّ معنى أن يكون المرء كردياً أخذ بدوره يكتسب دلالات مختلفة في الزمان والمكان. فعلى سبيل المثال، بينما كان كونُ المرء كردياً، حتى عهد التنظيمات، قد ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالعضوية في الشرائح العسكريّة، أخذت العضويّة في الجماعة الإثنيّة، في عهد الانتداب، تُعرَّف على نحو متزايد باللغة، التي غدت مورداً حاسماً للتعبير عن أنواع مختلفة من الهُويّات السياسيّة الحديثة. وفضلاً عن ذلك، وعلى امتداد الطيف الاجتماعي، لم تكن الهُويّة الكرديّة (Kurdishness) تُطرح بوصفها مسألةً ذات شأنٍ إلا حين تُوضَع في سياق الحي. وكان الأعيان يلجؤون إلى روابطهم القبليّة في الغالب عند التعامل مع أتباعهم في حيّ الأكراد، في حين كان نمط حياتهم في أماكن أخرى متماهياً مع نمط حياة النخبة الحضريّة، عثمانيّةً كانت أم سوريّة. وإضافةً إلى ذلك، عاش كثير منهم خارج الحي بوصفهم من أعيان المدينة.
وبوصفه حيّاً فقيراً، أصبح حيُّ الأكراد عُرضةً على نحو خاص للتحولات الاجتماعيّة-الاقتصاديّة والفوران الأيديولوجي في عهد الانتداب. وبدأت الولاءاتُ تُوجَّه نحو نمط جديد من السياسة، من دون أن تنقطع دائماً عن بُنى الرعاية القديمة. ويبدو أنّ صمود شبكات الرعاية في وجه ظهور التنظيمات السياسيّة الحديثة كان بارزاً في الحي، وهو تطوّر يبدو أنّ بقية المجتمع الدمشقي قد شهدته بوتيرة مختلفة. أمّا الرعاةُ والأتباع في أجزاء أخرى من المدينة، وفي مدن سوريّة أخرى، ممّن استطاعوا التماهي التامّ مع الأيديولوجيا الجديدة للمقاومة المناهضة للاستعمار، فقد كان الانتقال في كثير من الأحيان أكثر سلاسةً بكثير، إذ أمكن إعادة توجيه الولاءات بسهولة نحو المراكز الجديدة لسلطة الدولة. أمّا في حالة الأكراد، فلم يكن الأمر بهذه البساطة؛ فقد وجدت الولاءاتُ القديمة قنوات تعبير متنوعة في ظل القوى الجديدة التي أطلقتها السياسةُ الجماهيريّة، بما أفضى إلى تبلور أفكار جديدة عن الطبقة والمجتمع. ولعلّ هذا هو السبب في أنّ انتقال السياسة من إطار الحي إلى الأطر الوطنية الحديثة كان أبطأ في حيّ الأكراد منه في الأحياء التقليديّة الأخرى (بتصرّف عن عبارة فيليب خوري). وفي هذا الصدد، ظلّ حيُّ الأكراد، إلى حد بعيد، جزءاً من ذلك الفضاء المحليّ النزعة في المدينة، الذي كان قد بدأ بالفعل يؤدّي دوراً بارزاً في السياسة الحضريّة خلال عهد العظم في مطلع القرن الثامن عشر. وفي ظل ظروف القرن العشرين، تجلّى الطابعُ المحلي لحيّ الأكراد في تطور فضاءٍ من الوعي العام، متميّز، في نواحٍ مهمّةٍ كثيرة، عن المؤسسات السياسيّة الجديدة التي كانت تتطور في المدينة الاستعماريّة.
الهوامش
(*) تتوجّه المؤلفة بالشكر إلى فيليب خوري (Philip Khoury) وبيتر سلوغلت (Peter Sluglett) على تعليقاتهما التي حظيت لديها بعظيم التقدير، وإلى فالح عبد الجبار (Faleh A. Jabar) على ما قدّمه من عونٍ في البحث الببليوغرافي المتعلق بالحزب الشيوعي السوري. وهي مدينةٌ كذلك لريتشارد رودجر (Richard Rodger) وللمحكّم المجهول لهذه المقالة على ما أسدياه إليها من اقتراحاتٍ مفيدة.
(1) A.D. King, Urbanism, Colonialism and the World Economy: Cultural and Spatial Foundations of the World Urban System (London, 1990); M. Dossal, Imperial Designs and Indian Realities: The Planning of Bombay City, 1845–1875 (Bombay, 1991); Nezar Al-Sayyad (ed.), Forms of Dominance on the Architecture and Urbanism of the Colonial Enterprise (Brookfield, 1992); Z. Celik, Urban Forms and Colonial Confrontation: Algiers under French Rule (Berkeley, 1997).
(2) انظر على سبيل المثال: S.B. Freitag, Collective Action and Community: Public Arenas and the Emergence of Communalism in Northern India (Berkeley, 1989)، و P. Khoury, Syria and the French Mandate. The Politics of Arab Nationalism 1920–1945 (London, 1987).
(3) M. Banton, ‘Urbanisation and the colour line in Africa’, in V. Turner (ed.), Colonialism in Africa, 1870–1960 (Cambridge, 1971), 256–85؛ ومقدمة: R. Rathbone and D.M. Anderson (eds.), Africa’s Urban Past (Oxford, 2000), 7–8؛ A.D. King, Colonial Urban Development: Culture, Social Power and Environment (London, 1976).
(4) انظر: M. Haneda and T. Miura, Islamic Urban Studies (London, 1994), 1–9 و83–95؛ I.M. Lapidus, Muslim Cities in the Later Middle Ages (Cambridge, 1967); idem, ‘Muslim cities as plural societies: the politics of intermediary bodies’, in The Proceedings of International Conference on Urbanism in Islam, 4 vols. (Tokyo, 1989), vol. I, 134–63; J. Abu-Lughod, ‘The Islamic city – historic myth, Islamic essence, and contemporary relevance’, International Journal of Middle East Studies, 19 (1987), 155–76; D. Eickelman, ‘Is there an Islamic city? The making of a quarter in a Moroccan town’, International Journal of Middle East Studies, 7 (1976), 274–94.
(5) انظر: T.H. Greenshields, ‘Quarters and ethnicity’, in G.H. Blake and R.I. Lawless (eds.), The Changing Middle Eastern City (London, 1980), 120–40. ولعلّ هيمنة التحليل السوسيولوجي والأنثروبولوجي على دراسة الإثنيّة الحضريّة هي ما يُفسّر ذلك الفهم «الحداثي» للإثنيّة بوصفها مقولةً للتحليل التاريخي. وانظر مثالاً دالّاً على ذلك: S. Lewandowski, Migration and Ethnicity in Urban India: Kerala Migrants in the City of Madras, 1870–1970 (New Delhi, 1980).
(6) عن أحياء دمشق انظر: R. Danger, ‘L’urbanisme en Syrie: la ville de Damas’, Urbanisme (1937); Khoury, Syria and the French Mandate, 285–317; idem, ‘Syrian urban politics in transition: the quarters of Damascus during the French mandate’, International Journal of Middle East Studies, 16 (1984), 507–40; T. Miura, ‘The Salhiyya quarter in the suburbs of Damascus. Its formation, structure and transformation in the Ayyubid and Mamluk periods’, Bulletin d’Études Orientales, 47 (1995), 129–67؛ عبد الكريم رافق, ‘The social and economic structure of Bab Al-Musalla (al-Midan), Damascus, 1825–1875’, in G.N. Atiyeh and I.M. Oweiss (eds.), Arab Civilisation, Challenges and Responses (New York, 1988); Y. Roujon and L. Vilan, Le Midan. Actualité d’un faubourg ancien de Damas (Damas, 1997); R. Thoumin, ‘Deux quartiers de Damas. Le quartier chrétien de Bab Musalla et le quartier Kurde’, Bulletin d’Études Orientales, 1 (1931), 99–135. ومن الإسهامات الرئيسية في تاريخ دمشق بوصفها عاصمة ولاية وعاصمة دولة انظر: K. Barbir, Ottoman Rule in Damascus, 1708–1758 (Princeton, 1980); Z. Ghazzal, L’économie politique de Damas durant le XIXe siècle (Damascus, 1993); P. Khoury, Urban Notables and Arab Nationalism. The Politics of Damascus 1860–1920 (Cambridge, 1983); idem, Syria and the French Mandate؛ عبد الكريم رافق, The Province of Damascus 1723–1783 (Beirut, 1966); L. Schatkowski Schilcher, Families in Politics. Damascene Factions and Estates of the 18th and 19th centuries (Stuttgart, 1985).
(7) انظر الخريطة 1. A. Raymond, ‘The Ottoman conquest and the development of the great Arab towns’, International Journal of Turkish Studies, 1 (1979/80), 84–101; Khoury, Syria and the French Mandate, 291.
(8) محمد كرد علي، خطط الشام، 6 مجلدات (دمشق، 1925)، المجلد الأول، 69؛ قتيبة الشهابي، دمشق: تاريخ وصور (دمشق، 1986)، 388؛ G. Baer, Fellah and Townsman in the Middle East. Studies in Social History (London, 1982), 79; Barbir, Ottoman Rule, 97–8; A. Abdel Nour, Introduction à l’histoire urbaine de la Syrie Ottomane (XVI–XVIIIe siècle) (Beirut, 1982), 74; P. Rondot, ‘Les Kurdes de Syrie’, La France méditerranéenne et africaine, 1 (1938), 99–101. وللشواهد الخرائطية على توسع دمشق انظر: J. Sauvaget, ‘Esquisse d’une histoire de la ville de Damas’, Revue des Études Islamiques, 8 (1934), 421 bis–480.
(9) عن العلاقات بين المدينة والريف في سوريا العثمانيّة انظر: Baer, Fellah and Townsman, 78–88، و Abdel Nour, Introduction à l’histoire urbaine, 213–53.
(10) انظر الخريطة 1. D. Sack, Damaskus. Entwicklung und Struktur einer Orientalisch-Islamischen Stadt (Mainz, 1989), 92; Ghazzal, L’économie politique, 39–41، وخصوصاً الجدول الخامس؛ Abdel Nour, Introduction à l’histoire urbaine, 158 وما بعدها.
(11) ازداد عدد سكان دمشق من نحو 111,000 نسمة سنة 1885 إلى 286,000 نسمة سنة 1943. Ghazzal, L’économie politique, 43–6; Khoury, ‘Syrian urban politics’, 536، الهامش 23؛ idem, Syria and the French Mandate, 10–12; J. McCarthy, ‘The population of Ottoman Syria and Iraq 1878–1914’, Asian and African Studies, 15 (1981), 17–18.
(12) Thoumin, ‘Deux quartiers’, 116, 118–31؛ الشهابي، دمشق، 388–406.
(13) نور الدين ظاظا (Nur al-Din Zaza), Ma vie de Kurde (Geneva, 1993), 70؛ ‘Les Kurdes du Levant français’ (نص مرقون، 15 صفحة، كُتب بعد سنة 1940)، 18، الأرشيف الدبلوماسي في نانت (Archives Diplomatiques Nantes), BEY 1364 (يُشار إليه فيما يلي بـ BEY).
(14) Thoumin, ‘Deux quartiers’, 131–5.
(15) للاطلاع على شهادة مباشرة عن تنظيم أحياء دمشق في مطلع القرن العشرين انظر: عباس حلمي العلاف، دمشق في مطلع القرن العشرين (دمشق، 1976)، 31–2. وانظر أيضاً: Rondot, ‘Les Kurdes de Syrie’, 90–8; Thoumin, ‘Deux quartiers’, 131–2, 135؛ ‘Étude d’un informateur. Les Kurdes de Syrie’ (نص مرقون، 33 صفحة، كُتب بين سنتي 1921 و1924)، 12–28، BEY 569.
(16) عن الأعيان في سوريا انظر: D. Commins, ‘Religious reformers and Arabists in Damascus, 1885–1914’, International Journal of Middle East Studies, 18 (1986), 405–25; A. Hourani, ‘Ottoman Reform and the politics of notables’, in A. Hourani, P. Khoury and M. Wilson (eds.), The Modern Middle East: A Reader (London, 1993), 83–109; A. Marcus, The Middle East on the Eve of Modernity: Aleppo in the Eighteenth Century (New York, 1989); B. Masters, The Origin of Western Economic Dominance in the Middle East: Mercantilism and the Islamic Economy in Aleppo, 1600–1750 (New York, 1988); R. Roded, ‘The Syrian urban notables: elites, estates, class?’, Asian and African Studies, 20 (1986), 375–84; idem, ‘Ottoman service as a vehicle for the rise of new upstarts among the urban elite families of Syria in the last years of Ottoman rule’, Asian and African Studies, 17 (1983), 63–94; idem, ‘Social patterns among the urban elite of Syria during the late Ottoman period (1876–1918)’, in D. Kushner (ed.), Palestine in the Late Ottoman Period. Political, Social and Economic Transformation (Jerusalem, 1986), 146–71; Schilcher, Families in Politics; Khoury, Urban Notables; idem, Syria and the French Mandate.
(17) Schilcher, Families in Politics، الفصل الثالث. وفهمُنا للبُنى الاجتماعيّة-السياسيّة لدمشق العثمانيّة إنما ينصبُّ على تطور سياسات النخبة؛ وما يُسمّيه فيليب خوري «نموذج الأعيان الحضريين» (the urban notable paradigm) قد وجّه كثيراً من دراسات تاريخ المدينة. P. Khoury, ‘The urban notable paradigm revisited’, Revue du Monde Musulman et de la Méditerranée, 60–1 (1990–1), 215–28; Hourani, ‘Ottoman Reform’, 89.
(18) Schilcher, Families in Politics، الفصل الثاني و110–14. وعن «الزُّعْر»، أي الميليشيات المحلّيّة في دمشق المملوكية، انظر: Lapidus, Muslim Cities, 153–63. Schilcher, Families in Politics, 110–13; Barbir, Ottoman Rule, 89–97; Rafeq, The Province of Damascus, 24–42; idem, ‘The local forces in Syria in the seventeenth and eighteenth centuries’, in V.J. Parry and M. Yapp (eds.), War, Technology and Society in the Middle East (London, 1975), 277–307.
(19) Rafeq, The Province of Damascus, 21–2, 52–76, 21; J.-P. Pascual, ‘The Janissaries and the Damascus countryside at the beginning of the seventeenth century according to the archives of the city’s military tribunal’, in T. Khalidi (ed.), Land Tenure and Social Transformation in the Middle East (Beirut, 1984), 357–65; Roded, ‘Ottoman service’, 67–8؛ ‘Étude d’un informateur’, BEY 569; Khoury, Urban Notables, 30, 39–40.
(20) Khoury, Urban Notables, 26–9; Ghazzal, L’économie politique, 47–67; J.A. Reilly, ‘Status groups and property holding in the Damascus hinterland’, International Journal of Middle East Studies, 21 (1989), 517–39; idem, ‘Urban hegemony in the hinterland of Ottoman Damascus: villages, estates and farms in the 19th century’, in D. Panzac (ed.), Histoire économique and sociale de l’Empire Ottoman and de la Turquie (1326–1960) (Paris, 1995), 455–70; E. Thompson, ‘Ottoman political reform in the provinces: the Damascus Advisory Council in 1844–45’, International Journal of Middle East Studies, 25 (1993), 457–75. وعن المركزية في ولاية دمشق خلال فترة التنظيمات انظر: Moshe Maoz, Ottoman Reform in Syria and Palestine (Oxford, 1968), 44–74 و87–101.
(21) Ghazzal, L’économie politique, 21–2, 164–5; Maoz, Ottoman Reform, 55–60.
(22) عن آل شمدين وآل اليوسف انظر: Schilcher, Families in Politics, 147–9, 151–3; Khoury, Urban Notables, 39–40; Ghazzal, L’économie politique, 91–2; Roded, ‘Ottoman service’, 67–9؛ ‘Étude d’un informateur’, 19–23, BEY 569.
(23) درس خوري هذه التطورات في كتابه Urban Notables and Arab Nationalism (الفصلان الثالث والرابع) وفي كتابه Syria and the French Mandate. وانظر أيضاً: P. Khoury, ‘The paradoxical in Arab nationalism. Interwar Syria revisited’, in J. Jankowski and I. Gershoni (eds.), Rethinking Nationalism in the Arab Middle East (New York, 1997), 273–87، و H. Kayali, Arabs and Young Turks. Ottomanism, Arabism and Islamism in the Ottoman Empire, 1908–1918 (Berkeley and Los Angeles, 1997).
(24) عن الأكراد في سوريا خلال الانتداب انظر: Rondot, ‘Les Kurdes de Syrie’، و N. Fuccaro, ‘Die Kurden Syriens: Anfänge der nationalen Mobilisierung unter französischen Herrschaft’, in C. Borck, E. Savelsberg and S. Hajo (eds.), Ethnizität, Nationalismus, Religion und Politik in Kurdistan (Münster, 1997), 301–26.
(25) ‘Étude d’un informateur. Les Kurdes de Syrie. Conclusions politiques’, 29–33, BEY 569; P.W. Ireland, Iraq: A Study in Political Development (London, 1937), 176–7.
(26) ‘Les Kurdes du Levant français’, 18, BEY 1364; Khoury, Syria and the French Mandate, 174–82, 192; idem, ‘Syrian urban politics in transition’, 523.
(27) Schilcher, Families in Politics, 153; Roded, ‘Ottoman service’, 73 وما بعدها؛ idem, ‘Social patterns’, 158؛ ‘Les Kurdes de Syrie’, 20, BEY 569; Khoury, Syria and the French Mandate, 98–9.
(28) Khoury, Syria and the French Mandate, 445–7; Roded, ‘Ottoman service’, 89؛ ‘Les Kurdes du Levant français’, 18, BEY 1364.
(29) Fuccaro, ‘Die Kurden Syriens’, 306–16؛ ‘Les Kurdes du Levant français’, 27 وما بعدها، BEY 1364.
(30) ‘Histoire des relations franco-kurdes en Syrie depuis la guerre 14/18’ (نص مرقون، 8 صفحات، كُتب بعد سنة 1940)، 5–6، BEY 1364؛ Rondot, ‘Les Kurdes de Syrie’, 120–3; FO 371/34977 و52874 (سجلات وزارة الخارجية البريطانية Foreign Office Records، لندن).
(31) ‘Les Kurdes du Levant français’, 18 و26، BEY 1364. والمصادر الفرنسيّة متسقةٌ في شأن النسبة المئوية للسكان الأكراد في المدينة، وإن اختلفت اختلافاً جوهرياً في الأرقام (من 12,000 إلى 20,000). ‘The Kurdish question in Syria, 1929’, BEY 569؛ ‘Les Kurdes du Levant français’, 13, BEY 1364؛ ‘Étude d’un informateur’, 12, BEY 569; Rondot, ‘Les Kurdes de Syrie’, 99.
(32) «حوار شامل مع الرفيق خالد بكداش»، النهج، 1 (1983)، 98–9 و101. ويستذكر جيلٌ قديمٌ من أكراد دمشق في وضوحٍ كيف أنّ «الحي الكردي هو الذي أدخل بكداش إلى السياسة» (مقابلات، باريس، 1996).
(33) Rondot, ‘Les Kurdes de Syrie’, 109؛ ‘Les Kurdes du Levant français’, 18, BEY 1364; P. Khoury, ‘The Syrian independence movement and the growth of economic nationalism’, British Society of Middle Eastern Studies Bulletin, 14 (1988), 31.
(34) H. Batatu, The Old Social Classes and Revolutionary Movement of Iraq (Princeton, 1978), 581–2.
(35) «حوار»، 97–8.
(36) Zaza, Ma vie de Kurde, 70–3.
(37) Khoury, Syria and the French Mandate, 571 و585؛ ‘Les Kurdes du Levant français’, 18, BEY 1364
—————-
المصدر باللغة الإنكليزية: https://www.jstor.org/stable/44613379
*ملاحظة تحريرية: أُنجزت هذه الترجمة بالاستعانة بأدوات ذكاء اصطناعي توليدي في الصياغة الأولية ، ثم قوبلت بالأصل الإنكليزي وراجعها المترجم مراجعةً كاملة، مع توحيد المصطلحات والتحقق من الأعلام والهوامش وتحرير الترجمة. وتتحمّل الجهة المترجمة المسؤولية عن الصيغة النهائية المنشورة.












