الجبل الذي كان يتحرك

تكبير الصورة

د. مرشد اليوسف
كان الشتاء قارصا في منطقة
جبل كزوان
(عبد العزيز) على غير عادته، وكانت الثلوج تتساقط بغزارة حتى غطت الأرض والسهول والمرتفعات بوشاح أبيض كثيف.
وفي ذلك الشتاء، ارتحلت عائلة جدي مع قطيعها إلى وادي سراقة ومنطقة مغلوجة وقلعةالسكرة
كعادتها بحثًا عن الكلأ.
وكان جدي يرافق الراعي بين حين وآخر خاصة في موسم الولادات ، يتنقل في البرد القارس غير آبه بالريح أو الثلج.
وفي أحد الأيام، وضعت العنزة الشقراء سخلتين .
حمل جدي الأم على ظهره حتى لاتنهكها تعب الولادة والبرد . وحمل السخلتين بين ذراعيه ، ثم انطلق باتجاه الخيم يشق طريقه وسط العاصفة الثلجية.
كالسفينةِ التي تشقُّ عبابَ البحر.
كان الثلج يتراكم رويدا رويدا فوق كتفيه ورأسه وثيابه وفوق العنزةوالسخلتين ، حتى بدا من بعيد كأنه كتلة ضخمة، أو خيمة تتحرك وسط بياض الثلج .
وبينما كان يقترب من الخيم، لمح أحد ضيوف العائلة ذلك المشهد المختلط ، فالتفت إلى أخو جدي وقال بدهشة:
– يا إلهي… ماذا أرى؟إنها خيمة كبيرة تتحرك .
بل جبل يتحرك . !
ابتسم أخو جدي وقال بهدوء:
– لا …ليس جبلًا… إنه أخي تمو .
نظر الضيف إلى جدي وهو يقترب من بعيد مرة أخرى ، ثم قال وهو لا يزال مأخوذًا بالمشهد:
– إذا كان هذا العملاق أخاك، فلماذا تستأجرون الجمال لنقل بيوت الشَّعراثناء الرحيل ؟
فضحك الجميع، وبقيت تلك الحادثة تُروى في العائلة جيلاً بعد جيل، شاهدةً على قوة جدي التي جعلت رجلاً يظنه من بعيد جبلًا يسير وسط الثلج.
وحين رحل جدي بعد عقود، لم ندفنه تحت التراب.
بل حملناه في قلوبنا، كجبلٍ من حكمةٍ وسخاء، لا يزال يسيرُ في ذاكرتنا كلما اشتدَّت علينا ريحُ الحياة.
ويُحكى أن الضيفَ نفسه، وقد شاخَ، كان يزورنا كل شتاء، ويحدقُ نحو الأفقِ البعيد، ويتمتم بحسرةٍ ممزوجةٍ باعتزاز:
– “رأيتُ الجبالَ تمشي مرةً… وما عدتُ أرى مثلَها.”

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.
× Zoomed Image
Scroll to Top