ئاريان كركوكي
شهدت الأشهر الأخيرة من عام 2026 قضية فساد كبرى تورط فيها وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية، عدنان الجميلي، وهي قضية أثارت اهتماماً واسعاً نظراً لحجم المبالغ المالية الضخمة التي تم ضبطها والأسلوب غير المعتاد في إخفائها. تتلخص تفاصيل القضية أعلن القضاء العراقي في شهر يونيو 2026 عن ضبط ومصادرة أموال تتجاوز قيمتها 85 مليون دولار، وتم العثور على جزء كبير من هذه الأموال مخبأً بطرق غريبة، حيث وُجدت مبالغ نقدية مدفونة تحت الأرض بعمق يصل إلى أربعة أمتار، في حفر تم الوصول إليها عبر آليات حفر متخصصة، بالإضافة إلى مبالغ أخرى كانت مخبأة داخل منازل تركزت التحقيقات حول “الهدر المالي في المشاريع المنفذة” من قبل عدنان الجميلي وآخرين، وقد أدت التحقيقات بناءً على اعترافاته إلى القبض على شخصيات أخرى، منها مدير دائرة الصحة في محافظة صلاح الدين. إلى جانب المبالغ النقدية، شملت الإجراءات القانونية ضبط وحجز حوالي 70 عقاراً في محافظات مختلفة بغداد، صلاح الدين، وأربيل و21 سيارة حديثة، بالإضافة إلى كميات من المصوغات الذهبية تقدر بنحو 3 كيلوغرامات تأتي هذه القضية في سياق جهود معلنة من الحكومة العراقية، برئاسة علي الزيدي، لمكافحة الفساد، وتُعد واحدة من أبرز الملفات التي تطال مسؤولين كباراً في الدولة، مما يضعها في مقارنة مع قضايا فساد كبرى سابقة مثل “سرقة القرن” التي وقعت في أواخر عام 2024.
يُعد توصيف “الدولة الحرامية” تعبيراً عن أزمة بنيوية تتجاوز الفساد المالي لتصل إلى انهيار “العقد الاجتماعي”. ففي جوهر الدولة توجد “الأمانة العامة” التي يتشارك فيها المواطنون، ولكنها عندما تتحول في الوعي الجمعي إلى “غنيمة”، فإننا نكون أمام خلل نفسي واجتماعي عميق. لقد أشار توماس هوبز في فلسفته إلى أن الفرد يميل بطبعه للمصلحة الشخصية، وأن “الدولة” وُجدت لتكون الضابط الذي يحمي المصالح العامة من تغول الأفراد. ولكن عندما يتخلى هذا الضابط عن دوره ويصبح هو نفسه “المستبيح الأول”، ينهار مبرر وجود الدولة ذاته. في هذا السياق، يبرز تحليل ماكس فيبر حول “البيروقراطية”، حيث كان يرى أن كفاءة الدولة تعتمد على فصل الشخص عن منصبه؛ فالموظف ليس مالكاً للمؤسسة بل خادماً للقانون. أما في الدولة التي توصف بـ”الحرامية”، فإن هذا الفصل يذوب، ويحل “الولاء الشخصي” محل “القانون”، مما يغذي ظاهرة الاغتراب التي تحدث عنها إريك فروم؛ حيث يشعر الفرد أن المؤسسات غريبة عنه، فيبدأ في استباحتها كرد فعل على شعوره بالضياع داخل نظام لا يمثله.
هذا الانفصام النفسي يسمح للفرد بممارسة الفساد دون وخز ضمير، فكما حللت حنا آرنت في دراساتها عن “الشر”، فإن الفساد الممنهج يجعل الأفراد جزءاً من آلة ضخمة لا يشعر فيها الفرد بمسؤوليته الشخصية عما يرتكبه من أذى بحق المجتمع؛ فكل فرد يقول “أنا مجرد ترس في نظام فاسد”. وفي المجتمعات التي تفتقر إلى تقاليد ديمقراطية راسخة، تنتصر “العقلية القبلية” على “عقلية المواطنة”، حيث يرى الفرد في سرقة المال العام واجباً تجاه “جماعته القريبة” (العشيرة أو الحزب) لتعزيز قوتها، محولاً الفساد إلى فعل استحقاق. هذا التبرير الجماعي هو ما أشار إليه علماء الاجتماع بـ “حياد الأخلاق”؛ حيث تُستبدل معايير النزاهة بمعايير النفوذ، ويصبح الثراء الفاحش -مهما كان مصدره-دليلاً على “الذكاء” و”الشطارة”، مما يدفع الجميع للدخول في سباق محموم نحو النهب خوفاً من التهميش.
تتحول الدولة هنا إلى حلقة مفرغة، حيث يبرر كل طرف سلوكه بفساد الآخرين، مما يؤدي إلى تلاشي الرادع الاجتماعي. وفي واقع العراق اليوم، تبدو هذه الحلقة أكثر قسوة؛ إذ تحول الفساد من “ظاهرة إدارية” إلى “نظام حياة” يحكم تقاسم الموارد بين القوى المتنفذة، مما أفرغ مفهوم الدولة من محتواه الخدمي وجعل المواطن رهينة لبيروقراطية معطلة ومؤسسات مهترئة. إن تفشي الفساد في العراق المعاصر ليس مجرد عجز تقني، بل هو استنزاف يومي لهوية الوطن ومستقبل أجياله، حيث يُنظر للمال العام كفائض يمكن استباحته في ظل غياب المحاسبة الفعلية وتغول المصالح الحزبية والطائفية. إن الخروج من هذا النفق العراقي المظلم يتطلب ثورة في الوعي، تستعيد “المواطنة” كفعل إرادي يرفض التسليم بمنطق الغنائم، وتدرك أن نزاهة الفرد هي خط الدفاع الأخير عن بقاء هذا الوطن؛ فالعراق اليوم يقف عند مفترق طرق، إما أن يتم تفكيك “عقلية الغنيمة” وبناء مؤسسات تقوم على الكفاءة والقانون، أو أن يستمر هذا النزيف الذي يهدد بتحويل الدولة إلى مجرد واجهة لشبكات نفوذ تقتات على موارد ومستقبل العراقيين جميعاً
في العصر الحالي، يرى مفكرو الاجتماع والسياسة مثل دارون أسيموغلو، فرانسيس فوكوياما، وآخرين ممن درسوا “فشل الدول أن “السرقة المنظمة” أو الفساد الممنهج لا يُعالج بالوعظ الأخلاقي وحده، بل بتغيير “هياكل الحوافز” داخل الدولة.
إنَّ الحل الأمثل لمواجهة ظاهرة “السرقة المنظمة” في الدول التي تعاني من تآكل مؤسساتها، لا يكمن في الوعظ الأخلاقي، بل في تغيير جذري لهياكل الحوافز داخل الدولة عبر الانتقال من المؤسسات “الاستخراجية” التي تنهب الموارد لصالح قلة نافذة إلى مؤسسات “شمولية” تشرك المواطنين في القرار والرقابة، مما يحول المواطن من ضحية إلى حارس للموارد العامة. ويتم ذلك تقنياً عبر الأتمتة الكاملة للحكومة لتقليص السلطة التقديرية للمسؤولين، فالحل يكمن في عزل العنصر البشري الذي يمارس الابتزاز من خلال أنظمة رقمية تجعل كل حركة للمال العام قابلة للتعقب، بالتزامن مع تفعيل “الرقابة الأفقية” التي يمارسها المجتمع المدني والإعلام المستقل، إذ لا يمكن لأي سلطة أن تراقب نفسها بنفسها، مما يستوجب منح المجتمع قوة حقيقية للوصول إلى البيانات المالية للدولة، وجعل الفساد مكلفاً سياسياً واجتماعياً لدرجة تجعل من السرقة خسارة استراتيجية وليست وسيلة للثراء. كما يتطلب الأمر إصلاح نظام الحوافز عبر قوانين صارمة لاسترداد الأموال المنهوبة وفرض عزلة اجتماعية على الفاسدين، مع ضرورة إعادة صياغة الوعي الجمعي من خلال تعليم يرسخ مفهوم “المواطنة التعاقدية” التي ترى في القانون عقداً لحماية الجميع لا قيداً عليهم، وبذلك يتحول الفساد من “مهارة” يُحسد صاحبها إلى “خيانة عظمى” يرفضها المجتمع، وهو مسار يبدأ بتحويل المال العام من غنيمة خاضعة لتقاسم المصالح إلى أمانة تُدار بشفافية راديكالية، مما يضمن خروج الدولة من نفق “الدولة الحرامية” نحو آفاق “دولة المواطنة” التي تقوم على الكفاءة والعدالة المؤسساتية.









