دجوار أحمد آغا
حين تصبح الكلمة وطناً
هناك شعراء تصنعهم الشهرة، وآخرون يصنعهم التاريخ. وقدري جان واحد من أولئك الذين ظلوا أوفياء للكلمة، حتى وإن لم ينالوا ما يستحقونه من حضور في الذاكرة الثقافية. لم يكن شاعر المناسبات، ولا باحثاً عن الأضواء، بل كان مثقفاً حمل وطنه في قلبه، وحوّل المنفى إلى مساحة للإبداع، وجعل من اللغة الكردية بيتاً يأوي إليه كلما ضاقت به الجغرافيا. لقد عاش بعيداً عن جبال كردستان، لكنه ظل أقرب إليها من كثيرين عاشوا بين سفوحها. ولذلك؛ بقي شعره مفعماً برائحة التراب الكردي، وصوت الرعاة، وخرير الينابيع، وأحلام شعب يتطلع إلى الحرية والكرامة.
من ديرسم إلى المنفى الدمشقي
ولد قدري جان عام 1911 في ديرسم، في مرحلة كانت المنطقة تعيش اضطرابات سياسية عميقة انعكست على حياة الكرد وثقافتهم. ولم تمض سنوات طويلة حتى وجد نفسه مضطراً إلى مغادرة وطنه إلى عامودا، أولاً ومن ثم ليستقر في العاصمة السورية دمشق، ليبدأ رحلة منفى امتدت إلى نهاية حياته. لكن؛ المنفى لم يكن نهاية الحكاية، بل بدايتها. ففي تلك البيئة الجديدة انفتح على ثقافات متعددة، وواصل الكتابة باللغة الكردية، مؤمناً بأن الشعوب قد تُهجَّر من أرضها، لكنها لا تُقتلع ما دامت تحتفظ بلغتها وذاكرتها.
اللغة الكردية… رسالة حياة
لم يتعامل قدري جان مع اللغة بوصفها وسيلة للتعبير فقط، بل عدّها قضية وطنية. ولهذا كرّس جانباً كبيراً من حياته لخدمة الأدب الكردي، كتابةً وترجمةً وبحثاً. وكان من الجيل الذي أسهم في ترسيخ الأدب الكردي الحديث، إلى جانب أسماء بارزة مثل الأمير جلادت بدرخان، العم عثمان صبري، والشاعر الكبير جكرخوين. حيث عملوا جميعاً على تطوير اللغة الكردية وإغنائها، في وقت كانت فيه تواجه سياسات المنع والتهميش في أكثر من بلد. لقد آمن بأن الأمة التي تفقد لغتها، تفقد ذاكرتها أيضاً، ولذلك ظل وفياً للكلمة حتى آخر أيامه.
شاعر الإنسان
تميز شعر قدري جان بلغته الرشيقة وصوره الهادئة وابتعاده عن المبالغة الخطابية. كانت قصيدته تنبع من التجربة الإنسانية قبل الشعارات السياسية، ولذلك وجد فيها القارئ مشاعر الحب والحنين والغربة، كما وجد فيها الألم والأمل معاً. ومن المعاني التي تتكرر في شعره قوله:
(مهما ابتعدتُ عن الجبال، فإنها تسكن قلبي، ومهما طال المنفى، فإن الطريق إلى الوطن لا يغيب عن الذاكرة.)
وتتردد في قصائده صور الجبل، والثلج، والربيع، والأنهار، وهي ليست مجرد عناصر طبيعية، بل رموز للثبات والحرية واستمرار الحياة.
الأدب جسر بين الشعوب
لم يكتفِ قدري جان بكتابة الشعر، بل انشغل أيضاً بالترجمة والعمل الثقافي، فساهم في نقل أعمال أدبية عالمية إلى اللغة الكردية، منها على سبيل الذكر لا الحصر قصة (في بلاد الزنابق البيضاء) للكاتب الروسي غريغوري بتروف. كما شارك في تحرير مجلات وصحف ثقافية، وشجع الأقلام الشابة على الكتابة بلغتها الأم. وكان يؤمن بأن الثقافة لا تعرف الحدود، وأن الأدب الحقيقي قادر على بناء جسور بين الشعوب، دون أن يتخلى عن خصوصيته وهويته. ولهذا جاءت كتاباته منفتحة على الإنسانية، لكنها بقيت متجذرة في البيئة الكردية بكل تفاصيلها.
لماذا غاب اسمه عن الواجهة؟
رغم القيمة الكبيرة لتجربته الأدبية والشعرية، بقي اسم قدري جان أقل حضوراً من شعراء آخرين. ويرجع ذلك إلى سنوات المنفى الطويلة، وتشتت الإنتاج الأدبي الكردي بين عدة دول، وضعف حركة الترجمة إلى العربية، فضلاً عن الظروف السياسية التي حالت دون انتشار الأدب الكردي لعقود. ولهذا؛ فإن كثيراً من القراء لا يعرفون هذا الشاعر، رغم أنه يمثل أحد أهم الأصوات التي حافظت على استمرارية الأدب الكردي الحديث في أصعب الظروف.
تراث يُستحق أن يُذكر
رحل قدري جان يوم التاسع من آب سنة 1991، لكنه ترك وراءه إرثاً أدبياً وثقافياً يشهد على أن الكلمة تستطيع أن تهزم الغياب. لقد أثبت أن المنفى قد يبعد الجسد، لكنه لا يستطيع اقتلاع الروح من جذورها. واليوم، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة نشر أعماله، وترجمة دواوينه، وإدراج تجربته في المناهج والدراسات الأدبية، حتى تستعيد الذاكرة الثقافية واحداً من أبرز بناة النهضة الأدبية الكردية. لقد كان قدري جان شاعراً للحرية، وللغة، وللإنسان، قبل أن يكون شاعراً للوطن. ومن يقرأ قصائده يدرك أن الشعر الحقيقي لا يشيخ، وأن بعض الأسماء قد تغيب عن الأضواء، لكنها تبقى حاضرة في ضمير الثقافة، لأن أثرها أكبر من شهرتها، ورسالتها أبقى من الزمن.
صحيفة روناهي






