في أربعينية أحمد حسيني: حين يصبح الصمت قصيدة أخيرة

 

أربعون يوماً ليست مجرد رقم في التقويم، بل زمن تعثّر فيه الوقت نفسه. أربعون يوماً مرّت كثقل دهشة لم تنقشع، كأن الساعة توقفت عند لحظة الخبر ورفضت أن تستعيد توازنها. ما زال الغياب ضيفاً ثقيلاً في القلب، وما زلنا نتلفت نحو الباب بانتظار طلة قد لا تعود، تلك الابتسامة الهادئة التي كانت تصنع من صمته كلاماً أبلغ من كل الخطب.

لم تكن صداقتنا عادية؛ كانت نبضاً يومياً متواصلاً. كان الهاتف جسراً بين عالمين؛ يتصل ليسأل عن صحتي في وقت كانت صحته تتدهور، وكأن الصمت بيننا خيانة للصداقة. وكنت أهرب بالحديث بعيداً عن شبح المرض، نلوذ بتفاصيل الحياة اليومية كملاذ أخير من الألم. تحدثنا عن كل شيء إلا الموت: عن اتحاد مثقفي غربي كردستان، عن ذلك الهيكل الثقافي الذي كان عموداً فقرياً للحراك في روجافا، عن تضاريس الأرض، عن المقاتلين في الخنادق، وعن المدن التي نحملها في صدورنا كأسماء الأحبة.

كنت أتعمد الابتعاد عن الحديث عن صحته، وهو يدغدغ آرائي التي يحفظها ويبتسم كلما سمعها. وعندما كان يطلب أن أحدثه عن الأوضاع في روجافا، كنت أنقل له ما يبعث الطمأنينة، وأتجنب ما قد يثقله. ومع كل محاولاته الظهور بمظهر القوي الذي لا يهاب، كانت الآهات الخافتة تتسلل بين الكلمات كريح باردة، فأدرك حجم الوجع الذي يحمله رجل قرر أن يكون قوياً حتى في انهياره. لم أكن أودعه في المكالمات؛ كنت أترك له حرية إنهاء الحديث، وغالباً ما كان الصمت يطوي المكالمة عندما يقترب موعد المورفين، تلك الهدنة المؤقتة التي تمنحه ساعات من الخلاص قبل أن يستسلم للنوم. كانت تلك اللحظات درساً قاسياً في العجز، تعلمت فيه أن الصمت أحياناً يكون أصدق شهادة على الحب.

رحلتي إليه في السويد كانت ثلاث محطات في مسرحية الفراق.

في الزيارة الأولى، كان أحمد كما عهدته: روحاً مرحة تتقد رغم الألم، خطوات خفيفة تخدع العين، وحديثاً قليلاً لكنه مشوق كقصيدة لم تُكتب بعد. كان حضوره يملأ الغرفة بهدوء مهيب لا يحتاج إلى ضجيج ليؤكد وجوده.

في الزيارة الثانية، كان المرض قد أظهر أنيابه. سحب الطاقة من جسده وحوله إلى كتلة من التأمل والألم. صار أقل حركة، يتكور على ذاته، يضغط بيديه على مواضع الوجع، وتخرج منه آهة مكبوتة رغماً عنه. ومع ذلك، ظل يحرسنا من حزنه؛ لم يُرد لنا أن ننشغل بمواساته، كأنه يقول: دعوني أحمل وجعي، وأنتم احملوا الأمل.

أما الزيارة الثالثة، فكانت الأقسى. لم أذهب لزيارته هذه المرة، بل شاركت في وداعه الأخير ليعود إلى عامودا، المدينة التي كانت تنبض في ذاكرته دوماً.  أدركت الحقيقة المرّة: بعض الرحلات بلا عودة، إنها رحلة واحدة نحو الذاكرة الخالدة.

اليوم، ونحن نؤبنه، لا نشعر بأننا نودع شاعراً فحسب، بل نلامس أطراف روح كانت متشابكة مع روح شعب كامل. كان بسيطاً كالماء، عميقاً كالجبل، من أولئك القلائل الذين يتكلمون قليلاً لكن أثرهم يتردد طويلاً. كتب بلغته الأم كأنه يبني حصناً ضد النسيان، ورأى في اللغة وطناً بديلاً حين يضيق الوطن الحقيقي. في قصائده تحول الألم من شكوى إلى معنى، ومن حزن إلى ضوء يمنح الأمل، وجعل من القصيدة بيتاً واسعاً يسع الحزين والفرح معاً.

أربعون يوماً مرّت، والغياب لم يخفّ، بل ازداد حضوراً. فالشعراء لا يموتون؛ إنهم يتكاثرون في الكلمات، يتركون حياة أخرى في الأوراق، ويستمرون في النبض كلما قرأ أحد سطراً أو استعاد صوتاً في الذاكرة.

وداعاً يا صديق الروح.

وداعاً أيها الشاعر الذي أحب لغته كما أحب تراب وطنه.

نم بسلام، مطمئناً أن بذور كلماتك ما زالت تثمر في قلوبنا.

أما نحن فسنظل الحراس الأمناء لما تركت: قصائدك، ذكراك، وتلك الصداقة التي لا يمحوها الزمن ولا يطفئها الغياب.

صديقك

حسين عمر

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top