السلم الأهلي كمدخل لإعادة بناء الدولة السورية

بقلم: كبرييل شمعون

يشكّل السلم الأهلي حجر الأساس في أي عملية لإعادة بناء الدول الخارجة من النزاعات، ولا سيما في الحالة السورية التي شهدت خلال سنوات الحرب تحولات عميقة في بنيتها الاجتماعية والسياسية. فبدون ترسيخ حالة من الاستقرار المجتمعي القائم على التفاهم والتعايش، تبقى محاولات إعادة الإعمار السياسي أو الاقتصادي عرضة للهشاشة والانهيار.

لقد أدّت سنوات الصراع إلى تفكك النسيج الاجتماعي وتعميق الانقسامات على أسس قومية ودينية وسياسية، ما جعل الحاجة إلى السلم الأهلي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. غير أن هذا المفهوم لا يقتصر على غياب العنف، بل يتجاوزه ليشمل بناء منظومة من الثقة المتبادلة بين مكونات المجتمع، وتعزيز ثقافة الحوار، وقبول الآخر، واحترام التنوع باعتباره مصدر قوة لا عامل ضعف.

اقرأ/ي أيضاً: سوريا بين بناء الدولة والتحول الديمقراطي: صراع الأولويات أم مسار واحد؟

تنطلق إعادة بناء الدولة السورية من إعادة بناء الإنسان السوري نفسه، عبر معالجة الآثار النفسية والاجتماعية التي خلّفتها الحرب، وإعادة الاعتبار لقيم المواطنة والعدالة. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تبنّي سياسات واضحة للعدالة الانتقالية، توازن بين محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفتح المجال أمام المصالحة المجتمعية وجبر الضرر، بما يضمن عدم تكرار المآسي. كما أن نجاح هذه السياسات يرتبط بقدرتها على التحول إلى إجراءات عملية تلامس حياة الناس، سواء من خلال لجان تقصي الحقائق، أو برامج التعويض، أو إعادة دمج المتضررين في المجتمع.

يلعب حضور الدولة ومؤسساتها دوراً محورياً في ترسيخ السلم الأهلي، من خلال تبنّي خطاب وطني جامع بعيد عن الإقصاء والتحريض، وتعزيز المشاركة السياسية لكافة المكونات دون تمييز. فالدولة التي تقوم على الشراكة الحقيقية بين أبنائها، تكون أكثر قدرة على الصمود في وجه التحديات، وأكثر استعداداً لإدارة التنوع بوصفه عاملاً إيجابياً.

وترتبط حماية السلم الأهلي بوجود منظومة قانونية واضحة تجرّم خطاب الكراهية، وتضمن محاسبة كل من يروّج له تحت أي ذريعة، بما في ذلك الادعاء بحرية الرأي. كما تمتد هذه المساءلة لتشمل المسؤولين الذين تصدر عنهم قرارات قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار المجتمعي، إذ إن غياب المحاسبة يفتح الباب أمام الفوضى ويقوّض أي جهود لتحقيق الاستقرار.

ولا يمكن إغفال دور المجتمع المدني، الذي يشكّل جسراً بين الدولة والمجتمع، حيث يساهم في إطلاق المبادرات المحلية لتعزيز الحوار والتقارب بين مختلف الفئات، خاصة في المناطق التي شهدت توترات حادة. كما أن للإعلام دوراً أساسياً في دعم السلم الأهلي، عبر تبني خطاب مهني مسؤول يعزز الوحدة الوطنية ويبتعد عن إثارة النعرات.

من جهة أخرى، يرتبط تحقيق السلم الأهلي ارتباطاً وثيقاً بتحسين الواقع الاقتصادي والخدمي، إذ إن الفقر والبطالة والتهميش تشكّل بيئة خصبة لعودة التوترات. لذلك، فإن أي خطة لإعادة الإعمار يجب أن تكون متوازنة وعادلة، تراعي احتياجات جميع المناطق، وتسهم في تقليص الفجوات الاجتماعية وتعزيز الشعور بالإنصاف.

في المحصلة، لا يمكن التعامل مع السلم الأهلي بوصفه خياراً ثانوياً أو مرحلة لاحقة، بل هو شرط تأسيسي لنجاح أي مشروع وطني في سوريا. فإعادة بناء الحجر لا يمكن أن تسبق إعادة بناء البشر، والدولة التي تسعى للنهوض من جديد، لا بد أن تؤسس أولاً لسلام داخلي مستدام، يقوم على العدالة والمواطنة والتعددية واحترام الكرامة الإنسانية.

 

المصدر: مجلس سوريا الديمقراطية “مسد”

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top