ومضات من تاريخ الحسكة

برادوست ميتاني

حملت مدينة الحسكة هذا الاسم من الاسم الكردي هسكى وهو اسم إيزيدي، وفيه رأيين: الأول يقول إنه اسم لعشيرة إيزيدية كانت تسكن في منطقة وادي خابور منذ الأزمان، أما الرأي الثاني فيذهب إلى أنه اسم لشخص إيزيدي يحمل الاسم السابق نفسه “هسكي” وهو برأيي الأقرب إلى الصح لأنه كان شخص له علاقات مع إبراهيم باشا الملي وهو المسؤول عن تلك المنطقة التابعة لإمارته التي كانت عاصمتها “ويران شهر” في شمال كردستان وذلك قبل تقسيم كردستان، وأيضاً  كان هو المشرف على أمواله وماشيته في تلك المنطقة، وكانت له خيمة يسكنها مع أهله وأقاربه في تلة عُرفت باسمه “تلة هسكى” وبمرور الزمن وظهور العمران حولها سُميت بقرية هسكى وهكذا حتى أصبحت مدينة حملت الاسم ذاته، وبسياسة التعريب الظالمة تحول الاسم إلى حسكة والحسكة.

أما بقية الأقوال التي تقول إن اسم المدينة هو من نبات الشوك (الحسوك) فهي غير صحيحة علماً أن اسم حسوك أيضاً باللغة الكردية، ولكن آلة الأنظمة العنصرية الشوفينية غيرت حتى اسم النبات وسمته حسك، وكذلك فعلت في الاسم مع عظام السمك التي تسمى “الحسك” أما بالعربية العامية “حسجة” أيضاً المأخوذة من الكردية حسكى بعد تحويل الحرف من (ك) إلى (ج) كعادة الأخوة العرب في منطقتنا.

يؤكد قولنا ذلك “أ. يونس حمي” وحسب المؤرخ الإنكليزي ديفد أوتس والمؤرخ الفرنسي ماري دوران اللذان قالا: إن تسميتها ترجع لسكانها التاريخيين الأصليين وهي عشيرة كردية إيزيدية تسمى هسكا.

الموقع

تقع الحسكة في روج آفا وفي الجزء الشمال الشرقي من سوريا في وسط مقاطعة الجزيرة “الجزيرة السوريّة”، مركزها مدينة الحسكة. من أهم المدن والبلدات المجاورة لها قامشلو وكري علي قاسما أي “تل كوجر” المعربة إلى اليعربية والشدادي وديركا حمكو المعربة إلى “المالكية” وتل حميس وعامودا وسري كانيه المعربة إلى “رأس العين” ودرباسية وتربة سبيه المعربة إلى “القحطانية” وتل براك وجل آغا المعربة إلى “الجوادية” وكركي لكى المعربة إلى “معبدة” بالإضافة إلى تل تمر ومئات القرى المنتشرة.

تقع قامشلو إلى شمالها والدرباسية وسري كانيه شمال غربها وتل تمر في غربها والشدادي إلى الجنوب منها.

السكان

يبلغ عدد سكان مدينة الحسكة قرابة 190000نسمة، وبالنسبة للإحصاء الفرنسي لعام 1939 الذي شمل كافة مناطق الجزيرة الممتدة من حدود “دير الزور ـ قامشلو ـ الحسكة ـ الرقة وصولاً إلى نهر الفرات غربًا”، مع معظم المدن الصغيرة والبلدات والقرى، كانت نتائجه كالتالي:

عدد السكان الإجمالي: 158,550 نسمة. الكرد: 81,450 مسلم سني، الكرد الإيزيديين: 2,150.

الأرمن: 1,850، اليهود: 720، الباقي موزعين بين العرب والسريان والكلدان والشركس.

التاريخ القديم

تشير المصادر التاريخية إلى إن الاستقرار البشري في منطقة الحسكة يعود إلى ما قبل الألف الثامن ق.م حيث لعبت جغرافيتها الخصبة دورًا كبيراً في اجتذاب أسلاف الكرد الآريين كالسوباريين والكوتيين الجوديين والخوريين والهيتين والميتانيين والميديين والساسانيين وغيرهم من شعوب ميزوبوتاميا كالأكاديين والأمورييين والآشوريين والآراميين والبابليين والفرس بالإضافة إلى من جاؤوا من خارج ميزوبوتاميا كالإغريق والرومان والعرب والترك، وقد عُثر في لوحات جغرافية محفوظة في المكتبة الملكية لآشور بانيبال على لفظة «سوبارتو» التي كانت مهد المدنية و”سوبارتو” يشكلون أحد أسلاف الكرد القدماء.

الدراسات الأثرية والجيولوجية تثبت وجود مدينة قديمة جاثمة تحت مدينة الحسكة الحالية، يعود تاريخها إلى العهد السوباري والسومري والأكادي والكلداني والبابلي والآشوري والآرامي وكان اسمها نهرين (ربما هذا الاسم حديث وترجمة لنفس المعنى بلغة قديمة لأن هذا المصطلح بصيغته لم يوجد حينذاك) وكانت مدينة آرامية وسميت نهرين لالتقاء نهر الخابور بالهرماس أي “نهر جقجق”. وكان ذلك في عهد الملك كيش ميسيليم، وكانت تلك المدينة القديمة تقع تحت الثكنة العسكرية التي بنيت في عهد الاحتلال العثماني “السلطان عبد الحميد 1907م”، أما هيكل الإله شمشو أو شمش (كان هذا المعبد لدى الأخوة الإيزيديين بنفس الاسم وكذلك هو عند الإخوة الزرداشتيين وباسم أهورا والاسمان شمش وأهور أي أهورا مزدا لعقيدة متممة لبعضها لدى الآريين وخاصةً الكرد)، يقع تحت بناء كنيسة الكلدان الحالية، وهي مبنية من حجارة بيضاء تميل للصفرة، وأما قصر الملك ميسيليم يقع تحت بناء كنيسة السريان الكاثوليك شمال كراج النجمة للسفريات حالياً.

بُنيت مدينة الحسكة في البداية على أنقاض مكان أثري يحتوي على مدينة قديمة تعود إلى العهد الخوري الهوري أحد أسلاف الآريين خاصةً الكرد والأرمن وهو يقع في حي غويران في المدينة.

ورد اسم مدينة الحسكة أيضاً في رُقمٍ مسماري مكتشف في تل الشيخ حمد باسم (مكريزي). إنّ وثائق أخرى تشي عن اسم آخر للمدينة قد ورد اسمها فقد ذكرها كلّاً من البرفسور تريفور برايس المؤرخ الأسترالي وفي كتاب المؤرخ الدكتور طريف الخالدي والبروفيسور آنتي لاتو (Antti Laato). يذكر في كتابه بأنّ اسم المدينة الآرامي هو “ماغاريشو” وجذر الكلمة (مغرش) يعني أرض المراعي، ويقال كذلك بأنها كانت تُدعى بـ “شاديكاني”.(شادي كاني هذا الاسم الذي يعني في اللغة الكردية نبع السعادة، حيث ثمة تشابه وتلاقي قوي بين الثقافة الكردية والآشورية قديماً وحديثاً وهذا بعيد عن الفكر السياسي المشوه للحقائق التاريخية المعاصرة من قبل السلطات في منطقتنا) وكان الآشوريون يعرفونها بهذا الاسم الذي تحوّل إلى ساكان على عهد الرومان وقد سُميتْ الحسكة، في البدء أيضاً بـ “كوكب سي”، نسبة إلى جبل كوكب (هنا أيضاً نقول إن اسم كوكب في اللغة الكردية مازال يدل على الجبل أو صفة لجبل أو مكان مرتفع)، لأن الأتراك كانوا قد أطلقوا عليها هذا الاسم. عندما نذكر هنا أسماء المدينة فهي حسب لغة وثقافة شعوبها القاطنين عبر مراحل تاريخية.

بقول “أ. أسحاق قومي”: يعود تاريخها إلى العهد السوباري والسومري والآشوري. الجدير بالقول إن تلك الشعوب الثلاثة السابقة تعدُّ المنبع الأصيل للكرد والسريان.

المواقع الأثرية

نذكر المواقع التي تحيط بمدينة الحسكة والقريبة منها:

في الحسكة الضريح المعروف بضريح عبد العزيز: وهو ضريح حسام الدين عبد العزيز بن محمد الأكحل بن الشيخ حسام الدين شرشيق بن الشيخ محمد الهتاك ابن الشيخ عبد العزيز بن عبد القادر الجيلاني الجبالي المولد والدار والوفاة، وهو كردي الأصل.

تل عجاجة «عرابان» (الأصل آرابان وهي كلمة تدل على الجماعات المتنقلة في البوادي خارج المدن بغض النظر عن العرق أو القومية): يقع جنوب الحسكة، إحدى المراكز المهمة للمملكة الميتانية ثم أصبحت مركزاً حدودياً فاصلاً بين إمبراطوريتي الروم والفرس، وتشير النصوص المسمارية إلى إن هذا التل يُعرف باسم مدينة شاديكاني، ويضم التل آثار أهم مدينة من مدن حوض الخابور في العصر العباسي.

تل أبيض: يقع على مسافة 12كم جنوب مدينة الحسكة، على الضفة اليمنى لنهر الخابور، وقد أبرزت التنقيبات بقايا قصر ملكي يعود إلى العصر الآشوري الحديث 800 ق.م، ويتألف من 45 غرفة ومعبدين وثلاث أجنحة، عثر فيها على تنانير ومخازن للحبوب وأحواض وحمامات.

تل براك: يرجح بعض علماء الآثار أن يكون اسم موقع تل براك مستمداً من «لاكورس بيراكى» المدون في لوحة بوتغنر لأسماء المدن والمواقع الشهيرة للإمبراطورية الرومانية، حيث أظهرت الحفريات ست طبقات حضارية متعاقبة وأبنية مثل معبد العيون قصر الملك «نارام سين» كما أظهرت لقى فخارية وتماثيل وأختاماً أسطوانية ذات دلالات أسطورية. أغلبها تدل على الحضارتين الهورية والميتانية (الهندو أوروبية) بالإضافة إلى آثار الشعوب التي غزت المنطقة مثل الآشوريين “تل براك” والهوريون الميتانيون أحد أسلاف الكرد ويعرف في التاريخ باسم “نمار”

قلعة السكرة: قلعة أثرية شُيّدت لغرضٍ عسكري بحت ولا ينطبق عليها تسمية القلاع، وهي عبارة عن حامية صغيرة كان الغرض من إنشائها مراقبة السهل الشمالي لجبل كزوان “عبد العزيز” “جياي كزوانا” (الشيخ عبد العزيز هو من عائلة الكيلاني أي الجيلاني الكردية كما إن اسم الجبل الحقيقي لدى الكرد هو جيايى كزوانان)، والتحكم بالممر الجبلي الذي يقسم الجبل من الشمال إلى الجنوب. حالياً يوجد آثار وبقايا لأربعة أبراج وأجزاء من السور الخارجي، أما باحة القلعة فهي عبارة عن أرضية صخرية، ومن الجهة الغربية منها يوجد بعض أساسات لجدران، كما يوجد أربعة آبار منحوتة داخل الباحة، والآبار لها فتحة دائرية بقطر متر واحد تقريباً من الأعلى. تتسع الفتحة كلما تعمقت لتصل إلى حوالي من خمسة إلى سبعة أمتار بالأسفل، ومن الممكن أن تكون هذه الآبار خزانات لتجميع المياه بناها الأيوبيون الكرد خلال القرن الثاني عشر الميلادي (القرن السادس الهجري) وتقع القلعة غرب مدينة الحسكة بحوالي 35 كم على قمة جبل كزوان.

صحيفة روناهي

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top