برادوست ميتاني
كانت الحسكة قبل أن تبنى تلاً؛ اسمه “كري هسكي” وعليه خيمة الرجل هسكي وهو اسم إيزيدي كردي، تحول مع الزمن إلى بيوت سكنية وتجمعت بسبب تنقل الناس إليه لوجود مياه نهر الخابور وهرماس أي جقجق.
بدأت قرية صغيرة حول ثكنة عسكرية عثمانية قديمة أُنشئت عام 1907 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني وفي ظل إدارة العشيرة الملية الكردية قبل عهد رئيسها إبراهيم باشا الملي وفي عهده وعهد من خلفوه على قيادة العشيرة حتى مجيء الفرنسيين.
عند احتلال فرنسا لما اصطلح عليه اسم (سوريا)، توجه الجيش الفرنسي في شهر أيار سنة 1922 إلى منطقة الجزيرة، ونشر الكولونيل “بيغو غراندوت” قواته في المنطقة، وكانت مدينة “هسكي” حينها بلدة صغيرة.
بعد فترة قصيرة قام الفرنسيون ببناء الثكنة الحالية على أنقاض الثكنة العثمانية. وبعد احتلالهم “هسكي” والجزيرة، سمحوا للبدو بالتدفق من كل حدب وصوب ونزلوا في الهسكة وسكنوا فيها.
الوافدون قدموا من مناطق دير الزور والبوكمال والبصيرة، فمنهم من سكن حي غويران والبعض الآخر بنى لهُ مساكن غرب السرايا وشمالها، التي بنيت في عهد تاج الدين الحسيني. وفي عام 1933 تم “إسكان” عدد كبير من عوائل الآشوريين في المدينة، وتحديدا على ضفاف نهر الخابور رغما عن الكرد بموجب وثيقة للأمم المتحدة. وهكذا اختلت ديمغرافية الحسكة مرة ثانية، وعندما رحل الفرنسيون عن الجزيرة في منتصف عام 1945 وبعدها عن كل سوريا، كانت البلدة قد كبرت وأصبحت مدينة، وبات لها سراي وذلك بعد عام (1930)، عندما انفصلت عن متصرفية دير الزور. وأول متصرف عين للمدينة كان “نسيب بن محمد صادق الأيوبي” الذي عُين في عام 1930. وفي عام 1937 عين بدلاً عنه “بهجت الشهابي”، الذي لم تدم إقامته في المدينة، إثر اضطرابات في منطقة الجزيرة؛ ما اضطره للعودة إلى دمشق. وتم تعين “حيدر مردم بك” محافظاً للحسكة بدلا عنه، وذلك في شهر آذار سنة 1938، ولكن حظه لم يكن أفضل من سابقه. وشهدت المدينة وضع أول مخطط تنظيمي في عام (1963م)، والمخطط الثاني جرى تنظيمه في عام 1992.
المجتمع
تعيش مدينة الحسكة حالياً فسيفساء جميلاً من أطياف المجتمع الذي يشكل فيه الكرد والعرب والسريان والأرمن والشيشان وغيرهم لوحة واحدة غنية بالشعوب التي تعبر عن نواة الشعب السوري برمته.
الكرد
سكن منطقتها في القديم أسلاف الكرد الآريين كالسوباريين واللكوتيين الجوديين والخوريين والهيتين والميتانيين والميديين والساسانيين وقد عثر سابقاً في لوحات جغرافية محفوظة في المكتبة الملكية لآشور بانيبال على لفظة «سوبارتو» التي كانت مهد المدنية هيكل الإله شمشو أو شمش، يقع تحت بناء كنيسة الكلدان الحالية، وفي العهد الساساني أطلقت كلمة تاي على السكان المنتشرين في الجزيرة الفراتية، وقد تحول اللفظ مع الزمن إلى اسم طي ومازالت العشيرة الكردية طي تحمل ذاك الاسم وكذلك أطلقت على العشيرة العربية طي أيضاً.
لقد ترك أجدادنا الكرد آثاراً في مناطق الحسكة منها قلعة سكرة الأيوبية على جبل كزوان الذي سمي بجبل عبد العزيز الكردي وفي موقع تل براك أظهرت لقى فخارية وتماثيل وأختاما أسطوانية ذات دلالات أسطورية أغلبها تدل على الحضارتين الهورية، وكذلك أربان أي “عرابان” الذي يقع جنوب الحسكة الذي هو أيضاً أحد المراكز المهمة للمملكة الميتانية.
لقد تعرض الوجود الكردي في مناطق الحسكة إلى مخططات عنصرية أثرت في الوضع السياسي الكردي فيها منها ما شهده اتحاد عشائر الملان في شمال سوريا هو أنه في شهر شباط من سنة 1758 أنذر الباب العالي حاكمي مدينتي الرقة وبغداد بالانسحاب سريعاً من منطقة وادي الخابور قائلا: إنه يجب طردهم وإبعادهم إلى الرقة. ويعود السبب وراء هذا الطلب حسب السلطنة هو قيام أحد قادة الملان الكردية “محمود” آنذاك بحجز مخزون الحبوب في قرية مجدل، ومن ثم بنائه لحصن في خربة (arbaḤ) وكذلك مباشرته العمل على بناء القرى الصغيرة والمزارع في المناطق المجاورة، ومخططه لحجز مياه الخابور ومن ثم حفر مجرى نهر جديد ليستملك كامل المنطقة لقبيلته.
برزت نزاعات بين قبيلته وبين بعض قبائل طي وحتى مع بعض قبائل “كيكان” الكردية طالبته السلطات التركية بعودة قبيلة الملان إلى مناطق سكناهم، وأصدر أوامر بتدمير حصنهم في منطقة الخابور. من الواضح أن تصرف “محمود” بشكل مستقل هو الذي أثار حفيظة الدولة وليست مشاريعه. بعد أربعة أشهر من ذلك التاريخ وحصول حوادث جديدة تم تجريد محمود من منصبه كمسؤول الاستيطان “Iskan-Başi″ وتمت محاربته في قرشداغ Karaca Daǧ حيث اضطر للهروب إلى آمد ومن هناك قاد لعدة سنوات الثورات ضد الباب العالي وهو الأمر الذي كلف رأسه.
دفن إبراهيم باشا الملي في قرية صفيّة بالقرب من الحسكة سنة 1908م بعد تعب شديد أصابه نتيجة حرب طاحنة مع القوات الخاصة بجماعة الاتحاد والترقي والعشائر المساندة لهم.
بسبب هجرة العشائر العربية من السعودية وجنوب العراق وغيرهما وبسبب سياسات التضييق على الكرد وتهجيرهم ولسوء المناخ مع الزمن تضاءل عدد الكرد في المدينة بالمقارنة مع عدد الأخوة العرب، وما زالت أحياء تشهد العدد الملحوظ للكرد منها المفتي والعزيزية والناصرة وخشمان وغيرها. وفي اسم خابور وصلته باللغة الكردية يقول الباحث أ.روباري: إن تسمية “خابور110كم ” تسمية كردية مركبة من لفظتين، الأولى (أخا) وتعني الأرض. والثانية (بور) وتعني الأرض البكر، بمعنى أرض غير مزروعة. أعلم أن بعض الإخوة الكرد يطلقون عليه نهر الشمس أي نهر الإله، ولكن هذا التحليل غير صحيح ولا يعتمد على علم ومنطق. وكي يتلاءم اللفظ مع النطق العربي، قام العرب بإحلال الحرف العربي (و) محل حرف الكردي (أو) غير موجود باللغة العربية، وهذا أمر طبيعي كون المفردة غير عربية، وبالتالي التسمية كلها تعني (الأرض البور)، كون النهر كان يجري في أراضي غير مزروعة حينذاك، وحرف (أ) سقط مع الزمن وأصبحت التسمية خابور.
صحيفة روناهي
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=87846
مقالات قد تهمك











