قامشلو/ آرين زاغروس
مع حلول موسم حصاد القمح في مدينة قامشلو وريفها، تعود رائحة السليقة لتفوح من البيوت والأحياء، معلنةً استمرار ثقافة اجتماعية حافظ عليها الأهالي جيلاً بعد جيل، ورغم تغير أنماط الحياة، ما تزال هذه الثقافة حاضرة في المدينة والقرى، باعتبارها جزءاً من الموروث الشعبي المرتبط بموسم الخير والحصاد.
تبدأ العائلات بتحضير السليقة بعد جمع القمح، حيث يُنظف الحب ويُسلق لساعات حتى ينضج، ثم يُوزع على أفراد الأسرة والجيران والمارة، في مشهد يعكس قيم الكرم والتشارك التي اشتهرت بها المنطقة، ولا يقتصر توزيعها على الكبار، بل يحرص الأهالي على تقديمها للأطفال أيضاً، الذين ينتظرونها كل عام، حاملين أوعيتهم الصغيرة للحصول على نصيبهم من السليقة، في مشهد يضفي على الموسم أجواءً من الفرح والألفة.
السليقة.. رمز الخير والعطاء
وفي السياق، بينت “رقية أحمد الأحمد” من مدينة قامشلو، خلال لقاء مع صحيفة “روناهي”، إن السليقة ثقافة توارثتها الأمهات والجدات، إذ كانت تُحضَّر احتفالاً بانتهاء الحصاد وشكراً على وفرة المحصول.
وأوضحت، أن البيوت كانت تتبادل أطباق السليقة فيما بينها، في رسالة محبة وتكافل بين الجيران، وهي ثقافة ما زالت مستمرة حتى اليوم رغم اختلاف الظروف، ومن السليقة يُحضر البرغل الخشن والناعم، وهي طقس يحبه الأطفال.
ولا يخلو أي حي من أحياء المدينة خلال موسم الحصاد من القدور الكبيرة التي تغلي فيها حبات القمح، بينما يجتمع أفراد العائلة حولها للمشاركة في التحضير والتوزيع، ويشارك الأطفال في هذه الأجواء بحماس، سواء بمساعدة الكبار أو بانتظار لحظة توزيع السليقة عليهم، وهو ما يجعلها ذكرى جميلة ترافقهم منذ الصغر.
وفي ختام حديثها، أكدت “رقية أحمد الأحمد”، أن السليقة في قامشلو ارتبطت تاريخياً بموسم الحصاد، وتحولت مع مرور الزمن مناسبة اجتماعية تعزز العلاقات بين الأهالي، إذ يُنظر إليها تعبيراً عن الامتنان للأرض، واحتفاء بجهد المزارعين طوال العام.
ورغم دخول الآلات الحديثة إلى الزراعة وتبديل الكثير من تفاصيل الحياة الريفية، إلا أن ثقافة السليقة ما تزال حاضرة في قامشلو، إذ تتمسك بها العائلات باعتبارها جزءاً من هويتها الثقافية، وتحرص على تعليمها للأبناء حتى تبقى حية في الذاكرة الجماعية.
وفي كل عام، ومع انتهاء موسم الحصاد، تتجدد هذه الثقافة؛ لتبقى رمزاً للخير والعطاء، ولتؤكد أن بعض التقاليد لا تزال قادرة على مقاومة الزمن، لأنها تحمل في تفاصيلها دفء العائلة، وفرحة الأطفال، وروح المشاركة التي تميز مجتمع قامشلو.








