الشركس في سوريا.. ذاكرة القوقاز التي حملتها الأجيال بالثقافة

تكبير الصورة

قامشلو/ آرين زاغروس

بين خيوط التطريز التي تحفظ حكايات الأجداد، وإيقاعات الرقصات التي تتردد في ذاكرة الأجيال، يواصل الشركس في سوريا حمل ملامح ثقافة عبرت الجغرافيا ولم تفقد جذورها. فمن القوقاز إلى المدن والقرى السورية، بقيت اللغة والزي والعادات جسوراً تصل الحاضر بتاريخ يمتد لأكثر من قرن.

من خيوط التطريز الذهبي والفضي التي تزيّن أثواب النساء، إلى إيقاعات الرقصات الشعبية وأغاني الأجداد، تحمل الثقافة الشركسية في سوريا ملامح ذاكرة تعود جذورها إلى جبال القوقاز، وتواصل حضورها رغم مرور أكثر من قرن على استقرار أصحابها في البلاد.

فاللغة الأديغية، والأزياء التقليدية، والطقوس الاجتماعية عناصر شكّلت هوية شعب حافظ على خصوصيته الثقافية، ونقلها من جيل إلى آخر، بالتوازي مع اندماجه في المجتمع السوري.

الزي التقليدي.. ذاكرة ترتديها الأجيال

يحتل الزي التقليدي مكانة بارزة في الثقافة الشركسية، إذ لا يقتصر على كونه لباساً للمناسبات والأعياد، بل يعكس تاريخاً اجتماعياً وفنياً ارتبط بالحياة اليومية والقيم الجمالية للمجتمع.

ويتميز زي النساء بثوب طويل وانسيابي، تتداخل في تفاصيله خيوط التطريز الذهبي والفضي، التي ترسم نقوشاً دقيقة تعكس مهارة الحرفيين وخصوصية التصاميم الشركسية. وتتعدد ألوانه بين الأحمر القاني والأسود والأخضر والأبيض، فيما تبرز بعض التصاميم بالتطريز اليدوي والخرز، ويكتمل الزي بحزام أنيق مصنوع من الفضة أو النحاس، يضفي عليه طابعاً مميزاً.

الزي التقليدي الشركسي حمل دلالات اجتماعية وتاريخية ارتبطت بطبيعة الحياة في القوقاز. فالحزام الفضي الذي يزين ثوب المرأة من المقتنيات الثمينة التي اختلفت تصاميمها بحسب العمر والمكانة الاجتماعية، وعكست في كثير من الأحيان الوضع الاقتصادي للعائلة ومهارة صاغة الفضة.

أما زي الرجال، فيتألف من معطف ذي أكمام واسعة، تتوسطه جيوب مخصصة لحمل الرصاص تُعرف باسم “الحرزات”، إلى جانب سروال فضفاض وقميص، وقبعة صوفية تسمى “القلبق”، ويكتمل بالخنجر التقليدي المعروف باسم “القاما”، الذي يحمل دلالات تاريخية مرتبطة بالفروسية والتقاليد القوقازية.

وهكذا، تختصر قطع الزي حكاية مجتمع لم يفصل بين لباسه وحياته اليومية، فاحتفظت الملابس بتفاصيل من تاريخه الاجتماعي والعسكري، وتحولت مع مرور الزمن إلى أحد أبرز رموز هويته الثقافية.

ولا يزال هذا الزي حاضراً في بعض الأعراس والاحتفالات الشركسية، حيث يرتديه المشاركون لإحياء الموروث وتعريف الأجيال الجديدة بتفاصيله، في محاولة للحفاظ على رموزه من التحول إلى مجرد صور محفوظة في الذاكرة.

اللغة والرقص.. ملامح هوية لا تغيب

إلى جانب الأزياء، تشكل اللغة الأديغية ركائز الهوية الشركسية، إذ ما زال كثير من الشركس في سوريا يستخدمونها في أحاديثهم العائلية والاجتماعية، إلى جانب اللغة العربية التي أصبحت لغة التواصل اليومي والتعليم.

ولم تقتصر أهمية اللغة على التواصل، بل ارتبطت بحفظ الأغاني والحكايات الشعبية والتعبيرات المتوارثة، التي تحمل جانباً من تاريخ المجتمع وذاكرته. كما أسهمت المناسبات العائلية في إبقاء بعض المفردات والتقاليد اللغوية حاضرة بين الأجيال، رغم اختلاف البيئات التي نشأت فيها.

وتحضر الرقصات الشعبية والموسيقى في الأعراس والأعياد، بوصفها جزءاً من الموروث الذي يربط أفراد المجتمع بجذورهم الثقافية. وتتميز هذه الرقصات بإيقاعاتها وحركاتها المنظمة، التي تعكس أنماطاً من التعبير الاجتماعي والجماعي، فيما تتناقل العائلات الأغاني التقليدية التي ترافق المناسبات وتستحضر حكايات الماضي. وتشكل هذه الممارسات مساحة يلتقي فيها التراث بالحياة المعاصرة، إذ لا تقتصر على استعادة طقوس قديمة، بل تمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى ثقافة عائلاتها والمشاركة في إحيائها. 

رحلة استقرار امتدت لأكثر من قرن

تعود جذور الوجود الشركسي في سوريا إلى سبعينيات القرن التاسع عشر، عندما غادرت أعداد كبيرة من الشركس موطنها في شمال القوقاز نتيجة الحروب والصراعات التي شهدتها المنطقة، وما رافقها من تهجير قسري.

وبعد الحرب الروسية العثمانية بين عامي 1877 و1878، وصل نحو 70 ألف شركسي إلى الولايات السورية التابعة للدولة العثمانية، بعدما استقر بعضهم في الأناضول والبلقان خلال مراحل سابقة من التهجير. واختارت العائلات الوافدة مناطق مختلفة للاستقرار، فأسست قرى في شمال حمص وعلى أطراف بادية الشام وحول دمشق، إضافة إلى مناطق في الجنوب الغربي.

وفي مطلع القرن العشرين، وصلت جماعات أخرى، من بينها جماعة قبردية استقرت بالقرب من الرقة، كما توزعت عائلات شركسية في منبج وخناصر ومناطق من وادي الفرات. ومع مرور الوقت، توسع وجودهم في المدن السورية، وأصبح حي ركن الدين في دمشق من أبرز مراكز تجمعهم، إلى جانب حلب وخناصر ومنبج وقرى في محافظتي حمص وحماة.

وقبل عام 1967، كان نحو نصف شركس سوريا يعيشون في منطقة القنيطرة، موزعين على إحدى عشرة قرية ومدينة القنيطرة نفسها. لكن؛ الحرب أدت إلى نزوح معظمهم نحو دمشق وحلب، فيما هاجر آخرون إلى بلدان مختلفة. وبعد عام 1973، عاد بعض السكان إلى قريتي بئر عجم وبريقة.

وقبل عام 2011، قُدّر عدد الشركس في سوريا بنحو 100 ألف شخص، عاشوا في تجمعات حافظت على جانب من خصوصيتها الثقافية، بالتوازي مع مشاركتهم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية السورية.

تحديات أمام استمرار التراث

لم تكن الثقافة الشركسية بمنأى عن تداعيات الأزمة السورية التي بدأت عام 2011، إذ دفعت الظروف الأمنية والمعيشية كثيراً من العائلات إلى مغادرة البلاد، متجهة إلى تركيا والأردن، حيث توجد تجمعات شركسية وروابط عائلية، أو إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، إضافة إلى جمهوريات شمال القوقاز، ومنها أديغيا وقبردينو بلقاريا وقراتشاي تشيركيسيا.

وكانت قرية مرج السلطان، التي تعد من أبرز التجمعات الشركسية خارج دمشق، من المناطق التي غادرها سكانها خلال الحرب، لتتوزع العائلات الشركسية السورية لاحقاً على بلدان متعددة.

وأوجد هذا التشتت تحديات جديدة أمام استمرار بعض الممارسات الثقافية، ولا سيما نقل اللغة الأديغية إلى الأطفال، والحفاظ على العادات والطقوس التي كانت ترتبط بالتجمعات العائلية والمناسبات المشتركة.

ففي المجتمعات الجديدة، أصبحت بعض العائلات تعيش بعيداً عن تجمعات شركسية أخرى، ما جعل ممارسة بعض التقاليد وإحياء المناسبات الجماعية أكثر صعوبة، فيما بقيت اللغة والملابس والأغاني والرقصات وسائل للتواصل مع الجذور واستعادة الذاكرة المشتركة.

ثقافة تتناقلها الأجيال

على الرغم من التحولات التي شهدها الوجود الشركسي في سوريا، بقيت اللغة والأزياء والموسيقى والرقصات الشعبية والعادات الاجتماعية حاضرة في ذاكرة العائلات، بوصفها مكونات لهوية ثقافية تشكلت عبر رحلة طويلة من التهجير والاستقرار والتفاعل مع مجتمعات متعددة.

ولم تكن هذه الثقافة منفصلة عن محيطها السوري، بل عاشت إلى جانب ثقافات أخرى وأسهمت في تنوع المجتمع، مع احتفاظها بملامحها الخاصة التي تناقلتها الأجيال.

وبين لغة يتحدث بها أفراد العائلة، وثوب تقليدي يظهر في الأعراس، وأغنية تستعيد حكايات الأجداد، تستمر ملامح الثقافة الشركسية في الحضور، لتؤكد أن التراث لا تحفظه الذاكرة وحدها، بل تبقيه حياً الممارسة اليومية ونقله إلى الأجيال القادمة.

 

​الثقافة – صحيفة روناهي


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top