العراق والأزمة المالية المقبلة… هل سيدفع إقليم كوردستان ثمن الاختلال الاقتصادي؟

تكبير الصورة

د. أيوب گلالي

تكمن خطورة الأزمة المالية في العراق ليس فقط في ارتفاع سعر الدولار أو زيادة أسعار السلع، بل في احتمال أن تواجه الدولة صعوبة في الوفاء بالتزاماتها المالية في الوقت المحدد، يعتمد العراق بشكل كبير على الايرادات النفطية، ويواجه تحديات اقتصادية معقدة تشمل نفقات حكومية يصعب تقليصها بسرعة واحتياجات اجتماعية متزايدة بجانب اقتصاد يتأثر بشدة باي اضطراب في أسواق النفط أو طرق تصديره.
تزداد هذه المخاوف بسبب التقلبات في سوق الصرف واحتمالات تصاعد التوترات الإقليمية، وما قد يترتب على تعطل الملاحة في مضيق هرمز من تأثيرات على صادرات النفط والتجارة.
تحت هذه الظروف، يصبح السؤال الأهم ليس فقط ما إذا كانت الاسعار سترتفع، بل هل تمتلك الحكومة العراقية السيولة والموارد الكافية لتغطية الرواتب والخدمات والمشاريع والالتزامات الأخرى دون الحاجة المتكررة للاقتراض أو تأخير المدفوعات.
يمثل تعديل سعر الصرف الرسمي من 1320 إلى 1520 ديناراً للدولار أحد أبرز المؤشرات على الضغوط المالية والنقدية التي تواجه الاقتصاد العراقي، فشراء دولار واحد يتطلب وفق هذين السعرين نحو 15.2% من الدنانير الإضافية، هذا لا يعني أن جميع السلع سترتفع بنفس النسبة لكن تأثير تغير سعر الصرف سينعكس تدريجياً على أسعار المواد الغذائية والأدوية ومستلزمات البناء وغيرها من السلع المستوردة، النتيجة المحتملة هي تراجع القدرة الشرائية للأسر، خصوصاً ذوي الدخل المحدود وأصحاب الرواتب الثابتة.
قد يبدو ارتفاع الدولار مفيدا للخزينة لان الايرادات النفطية بالدولار تتحول إلى عدد أكبر من الدنانير، لكن هذه الفائدة ليست مضمونة فإذا انخفضت كميات النفط المصدرة أو تعطلت طرق التصدير يمكن أن تفقد الدولة جزءا من إيراداتها بينما ترتفع تكاليف الاستيراد وتزيد الضغوط على المواطنين، لذا يجب تقييم الوضع المالي بناء على حجم الصادرات الفعلي والايرادات المتحققة والاحتياجات المالية للحكومة كلها معا.
تكتسب تقديرات مشروع موازنة عام 2027 أهمية خاصة في هذا السياق، حيث تتداول أرقام لنفقات تصل تقريباً إلى 217 تريليون دينار مع عجز يزيد عن 40 تريليون دينار، ومع ذلك ينبغي التعامل مع هذه الأرقام كتوقعات مرتبطة بالمشروع والافتراضات التي بني عليها وليس كنتائج نهائية، المهم هو كيفية تمويل العجز ومدى واقعية الإيرادات المتوقعة وقدرة الحكومة على الاستمرار في الإنفاق إذا انخفضت عائدات النفط.
يمكن تصور عدة مسارات للازمة بناء على المعطيات الحالية، إذا استقرت أسواق النفط واستمرت الصادرات بشكل طبيعي فقد تتمكن الحكومة من إدارة الضغط عبر تحسين الإيرادات والتحكم بالنفقات، أما إذا استمر ارتفاع الأسعار وضعفت القدرة الشرائية، فقد تتفاقم الأزمة المعيشية رغم انتظام دفع الرواتب. وإذا تراجعت السيولة الحكومية، قد تضطر الدولة لتأجيل بعض الالتزامات أو تقليص الإنفاق الاستثماري مما سيؤثر سلبا على المشاريع وفرص العمل والنشاط الاقتصادي، اما السيناريو الأصعب فهو انخفاض الصادرات مع اضطراب سوق الصرف وارتفاع النفقات، وهذا قد يؤدي لتحويل الضغوط المالية لأزمة اجتماعية وسياسية أكبر.
لن يقتصر تأثير هذه الاحتمالات على المحافظات العراقية فقط بل سيمتد إلى إقليم كوردستان الذي تعتمد أوضاعه المالية بشكل كبير على العلاقة المالية مع الحكومة المركزية، تعتبر حصة الإقليم من الموازنة واحدة من أكثر القضايا حساسية بين بغداد وأربيل، قبل إجراء الإحصاء السكاني كان يطرح نسبة 12.6% لتحديد حصة الإقليم، بينما يطالب الإقليم بنسبته حسب تعداد السكان والتي تبلغ 14.14% ويرفض ان تقل حصته عن ذلك، تصبح حساسية هذا الملف أكبر عند النظر لما كان يحصل عليه الإقليم سابقا حيث تشير تقديرات إلى أن الأموال المحولة اليه كانت تبلغ حوالي 5% فقط، مما أثار اعتراضات متكررة حول عدالة التوزيع والوفاء بالالتزامات المالية.
جوهر الخلاف لا يتعلق بالارقام وحدها بل بطريقة احتساب الحصة ومدى الالتزام بالاتفاقات والحقوق المالية وآليات التحويل الواضحة، لذلك يجب أن تستند أي نقاش جاد حول حصة اقليم كوردستان الى نتائج الإحصاء السكاني والأطر القانونية والدستورية والبيانات المالية الفعلية بدلا من الاعتماد على قرارات مؤقتة تتغير مع كل أزمة سياسية أو مالية، كما ينبغي عدم الخلط بين النسبة النظرية والمبالغ المحولة فعليا، لان الفرق بينهما يعكس جانبا اساسيا من طبيعة الخلاف المالي بين الطرفين.
أي تأخير في التحويلات او خلاف حول تنفيذ الالتزامات يمكن ان يوثر سلبا على دفع الرواتب وتمويل الخدمات واستمرار المشاريع، كما أن ارتفاع الاسعار سيؤثر أيضا على المواطنين بالإقليم حتى لو لم يحدث تغيير مباشر في حجم التحويلات الاتحادية. وإذا اصبحت المستحقات موضوع خلاف سياسي مستمر فقد يتعمق انعدام الثقة بين بغداد واربيل وقت تحتاج فيه الاطراف للتنسيق لمواجهة الضغوط الاقتصادية.
لا يمكن مواجهة هذه المخاطر باجراءات قصيرة الاجل فقط، فالعراق بحاجة لمراجعة أولويات الإنفاق وتقليل الهدر والفساد وتطوير الإيرادات غير النفطية بطريقة لا تثقل كاهل المواطنين بجانب تعزيز قطاعات الزراعة والصناعة والاستثمار، كما أن تحسين إدارة الموارد وزيادة منافذ تصدير النفط حيثما كان ممكن اقتصاديا وفنيا ستساعد في تقليل التعرض للصدمات الخارجية. يحتاج إقليم كوردستان أيضا لتعزيز موارده المحلية وتنويع نشاطاته الاقتصادية مع الحفاظ على حقوقه المالية وفق الأطر القانونية والدستورية.
في المحصلة النهائية يبدو ان مستقبل الوضع المالي العراقي لا يعتمد فقط على ارتفاع الدولار أو انخفاض أسعار النفط بمفردهما ولكن يعتمد ايضا على قدرة الدولة على التعامل مع احتمالية حدوث عدة أزمات في ذات الوقت، وإذا استمرت النفقات المرتفعة والاعتماد الكبير على النفط وضعف الإيرادات البديلة فإن أي اضطراب خارجي قد يكشف عن اختلالات داخلية تراكمت لسنوات عديدة، ولكن إذا استخدمت هذه المرحلة لمراجعة السياسات المالية وتعزيز الشفافية والتفاهم بين بغداد وأربيل فقد تتحول الأزمة المحتملة إلى فرصة لإعادة بناء علاقة أكثر استقرارا بين موارد الدولة والتزاماتها واحتياجات مواطنيها

 

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top