د. محمود عباس
الإملاء الأمريكي وحدود القوة الكوردية ومسؤولية الحراك في منع الانهيار الداخلي، ومن أخطاء قسد والإدارة الذاتية إلى مسؤولية الحراك الكوردي في حماية قضية أمة.
ليست المشكلة اليوم في أن ننتقد قسد أو الإدارة الذاتية، فقد فعلنا ذلك منذ سنوات، وكتب كثيرون، بمن فيهم مقربون منها، عن أخطاء التفرد والإقصاء والهيمنة الحزبية وضعف الإدارة والفساد، وعن عجزها عن تحويل القوة العسكرية والموارد والمساحة الجغرافية التي أدارتها إلى مشروع سياسي كوردي جامع. وهذه الأخطاء لم تولد مع التسوية الأخيرة، ولا يجوز تجاهلها أو إعفاؤها من المراجعة. لكن من الخطأ أيضًا فصلها عن حقيقة أن المرحلة كانت، ولا تزال، شديدة التعقيد، وأن الضغوط الدولية والإقليمية التي أحاطت بالتجربة تجاوزت في كثير من الأحيان قدرة القوة الكوردية على التحكم بمسارها أو تغيير موازينها.
لكن المشكلة الأخطر تبدأ عندما يتحول نقد تجربة سياسية إلى تفكيك للذات الكوردية نفسها، وعندما تتحول النكسة إلى مناسبة لتصفية حسابات حزبية وشخصية وفكرية، فيصبح الكوردي منشغلًا بإثبات خيانة الكوردي الآخر أكثر من انشغاله بمن يعمل أصلًا على تقليص القضية الكوردية وإفراغها من مضمونها القومي والسياسي.
وهنا يجب أن نفرق بوضوح بين مراجعة التجربة وبين هدم القضية بسبب أخطاء التجربة.
لقد أخطأت قسد والإدارة الذاتية، وأخطاؤهما ليست قليلة. أخطأتا عندما لم تستطيعا تحويل لحظة القوة العسكرية والانتصار على داعش إلى مرجعية سياسية كوردية مشتركة. وأخطأتا عندما بقيت الأيديولوجيا الحزبية في أحيان كثيرة أثقل من الحاجة القومية، وعندما لم يتحول المجلس الوطني الكوردي وبقية القوى إلى شركاء حقيقيين في صناعة القرار. وأخفقتا، رغم السنوات الطويلة، في بناء بنية تحتية تليق بالمنطقة والمجتمع، وفي تحسين المستوى المعيشي، كما لم تنجحا في بناء مؤسسة سياسية ودبلوماسية بمستوى ما كان يتشكل على الأرض.
لكن المسؤولية لا تقع على طرف واحد.
فالمجلس الوطني الكوردي أيضًا لم يستطع، طوال هذه السنوات، أن يقدم مشروعًا بديلًا قادرًا على جمع الشارع الكوردي حوله، وبقي أسير خلافاته الداخلية وعلاقاته الإقليمية، كما ظل في جوانب أساسية من خطابه وتحالفاته تابعًا للمعارضة العروبية والإسلامية، من دون أن ينجح في فرض خصوصية القضية الكوردية ضمنها.
والأحزاب الكوردية، بمختلف اتجاهاتها، فشلت في الارتفاع من حدود التنظيم إلى مستوى القضية القومية. وحتى قطاعات من المثقفين والإعلاميين تحولت أحيانًا من النقد إلى الاصطفاف، فأصبح لكل حزب مثقفوه وكتابه ومنابره، وكأن شعبًا يواجه قوى إقليمية كبرى يمكنه تحمل ترف هذه الانقسامات.
لذلك فإن مراجعة الأربعة عشر عامًا الماضية يجب ألا تكون محاكمة لطرف واحد، بل محاكمة سياسية للتجربة الكوردية كلها، ماذا فعلت القوى التي حكمت؟ وماذا فعلت القوى التي عارضتها؟ ماذا فعل المثقف؟ وماذا فعل الشتات؟ وأين كانت المؤسسات القومية المشتركة عندما كان للكورد عشرات آلاف المقاتلين، ومساحات واسعة، وموارد اقتصادية، وحضور دولي لم يتوفر لهم في سوريا من قبل؟
هذه الأسئلة ضرورية، لأن الأمم التي لا تراجع أخطاءها تعيد إنتاجها. لكن المراجعة شيء، والانتحار الداخلي شيء آخر.
ما نشاهده اليوم من ارتفاع لغة التخوين والشماتة وتصفية الحسابات أخطر مما يظنه البعض. فالتآكل الداخلي لن يعيد لقسد قوتها، ولن يعيد للإدارة الذاتية صلاحياتها، ولن يمنح المجلس الوطني حقوقًا إضافية، ولن يقنع دمشق بالفيدرالية. بالعكس، كلما بدا المجتمع الكوردي منقسمًا على ذاته، أصبحت كلفة تجاهل مطالبه أقل على الآخرين، وأصبح من الأسهل التعامل معه بوصفه جماعات وأحزابًا متنافسة لا شعبًا صاحب قضية.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج المرحلة الراهنة.
فالقوى الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا، وكذلك السلطة الانتقالية في دمشق، لا تحتاج بالضرورة إلى إنكار وجود الكورد صراحة. يكفي أن يعاد تعريف القضية الكوردية من قضية شعب وحقوق قومية وسياسية إلى ملف حقوق ثقافية محدودة: بعض التعليم باللغة الكوردية، مقاعد في البرلمان، مواقع إدارية، وربما اعتراف ثقافي لا يمس بنية الدولة ولا يعترف للكورد بوجود قومي وجغرافي وسياسي خاص.
وقد تبدو هذه مكاسب إذا قورنت بصفر الحقوق الذي عرفته سوريا البعثية، لكنها تصبح خطيرة إذا قُدمت باعتبارها الحل النهائي للقضية الكوردية.
فالقضية لم تبدأ لأن الكورد كانوا يريدون بضعة مقاعد إضافية، ولا لأنهم كانوا يبحثون فقط عن السماح لهم بتدريس لغتهم. جوهر القضية أن في سوريا شعبًا كورديًا أصيلًا، له جغرافية وتاريخ ووجود قومي وحقوق سياسية، وأن الدولة السورية الحديثة قامت طوال عقود على إنكار هذا الوجود أو اختزاله.
ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الحراك الكوردي بعد النكسة هو أن يخفض بنفسه سقف قضيته تحت ضغط اللحظة.
قد نقبل اليوم بما نستطيع انتزاعه، لأن ميزان القوى في الشرق الأوسط، والحرب الأمريكية–الإيرانية، وتسخير واشنطن كثيرًا من الملفات والأنظمة لخدمة استراتيجيتها في هذه المواجهة، لا تسمح بأكثر من ذلك. لكن ثمة فرقًا شاسعًا بين قبول مكسب مرحلي تفرضه موازين اللحظة، وبين تحويله إلى تعريف نهائي للحق الكوردي وحدوده.
ويمكن للكورد أن يشاركوا في البرلمان والحكومة والمؤسسات السورية، وأن يقبلوا بتسويات مؤقتة، من دون أن يتخلوا عن مطلب الاعتراف الدستوري بهم شعبًا، وعن اللامركزية السياسية، وعن حقهم في إدارة مناطقهم والمشاركة في تقرير مستقبلها.
والمشكلة أن التآكل الداخلي يساعد خصوم هذه المطالب أكثر مما تساعدهم أي قوة خارجية. فعندما ينشغل أنصار قسد بتخوين المجلس، وأنصار المجلس بإدانة كل تجربة الإدارة الذاتية، وينقسم المثقفون بين هذه الجهة وتلك، يصبح من السهل على الآخرين القول، مع من نتفاوض؟ ومن يمثل الكورد؟ وما هو مشروعهم أصلًا؟
وهذه واحدة من أعظم نقاط ضعفنا التاريخية.
لهذا فإن المطلوب اليوم ليس وحدة حزبية مصطنعة، ولا إلغاء الخلافات، بل مرجعية قومية كوردية تحدد ما لا يجوز لأي طرف التنازل عنه. يمكن للأحزاب أن تختلف في رؤاها السياسية، وأساليب الإدارة والعمل، وطبيعة تحالفاتها ومقارباتها للعلاقة مع القوى السورية والإقليمية والدولية، ويمكنها أن تتنافس سياسيًا، لكن يجب أن يبقى هناك حد قومي مشترك لا يتحول إلى مادة للمساومة الحزبية.
وفي مقدمة هذا الحد، الاعتراف الدستوري بالكورد شعبًا أصيلًا في سوريا، والاعتراف باللغة الكوردية وحق التعليم بها بشكل كامل، وضمان إدارة محلية سياسية واسعة، ومعالجة آثار التغيير الديموغرافي وعودة المهجرين إلى عفرين وسري كانيه وكري سبي وغيرها، وحماية الملكيات، وتثبيت مشاركة سياسية حقيقية، وعدم السماح بتحويل القضية إلى مجرد حقوق أفراد من أصل كوردي داخل دولة مركزية تعيد إنتاج البنية القديمة بوجه جديد.
أما الفيدرالية أو اللامركزية الاتحادية التي طالب بها قطاع واسع من الحراك الكوردي، فلا ينبغي حذفها من المشروع لأن الظروف الراهنة لا تسمح بفرضها. المطالب القومية لا تقاس فقط بما تستطيع تحقيقه في لحظة ضعف، بل بما ترى أنه الحل العادل عندما تتغير موازين القوى.
ما لا نستطيع تحقيقه اليوم لا يعني أننا فقدنا الحق في المطالبة به غدًا.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا نهدم كل ما نشأ خلال تجربة الإدارة الذاتية لأنها أخطأت. هناك كوادر وخبرات ومؤسسات وعلاقات دولية وتجربة إدارية وسياسية وعسكرية تراكمت خلال أكثر من عقد. هذه ليست ملكًا لحزب بعينه، ولا ينبغي أن تختفي بزوال صيغة حكم أو حل قوة عسكرية. المطلوب استخلاصها من الإطار الحزبي وتحويلها إلى رصيد قومي يستطيع أي مشروع كوردي قادم الاستفادة منه.
وهنا أيضًا تقع مسؤولية كبيرة على الشتات الكوردي. لم يعد كافيًا أن يكون حضوره في الخارج امتدادًا لخلافات الداخل. المطلوب لوبي سياسي وقانوني وإعلامي قادر على مخاطبة واشنطن وأوروبا ومراكز القرار بلغة المصالح والقانون، وتثبيت القضية الكوردية كقضية شعب لا كملف تابع لقسد أو حزب الاتحاد الديمقراطي أو المجلس الوطني.
فالمرحلة القادمة قد تكون أخطر من مرحلة الحرب نفسها؛ لأن الخطر لم يعد فقط في خسارة قوة عسكرية أو إدارة، بل في إعادة تعريف القضية الكوردية على مستوى أقل من حقيقتها.
وهنا يصبح التماسك الداخلي ضرورة وجودية لا شعارًا.
ليس المطلوب أن نصمت عن الأخطاء باسم الوحدة، ولا أن نقدس مظلوم عبدي أو الإدارة الذاتية أو أي حزب. المطلوب أن نحاسب الجميع، وأن نتعلم من التجربة، وأن نميز بين سقوط أداة وسقوط القضية.
قسد ليست الأمة.
والإدارة الذاتية ليست القضية.
والمجلس الوطني ليس القضية.
والأحزاب كلها ليست القضية.
القضية هي شعب كوردي له حق قومي وتاريخي وسياسي في غربي كوردستان، ولا يجوز أن نسمح لخلافاتنا بأن تجعل الآخرين يفاوضوننا على أقل من ذلك.
فالنكسة يمكن أن تتحول إلى خبرة، والخسارة يمكن أن تصبح بداية مراجعة، لكن التآكل الداخلي لا ينتج إلا خسارة جديدة.
والقوى المتربصة بالكورد لا تحتاج إلى أن تهزمنا مرة أخرى إذا تكفلنا نحن بإضعاف بعضنا بعضًا.
لهذا فإن المهمة اليوم ليست البحث عن كوردي نحمله وزر ما حدث، بل بناء موقف كوردي يجعل ما حدث آخر مراحل التراجع، لا أول مراحل الذوبان.
الولايات المتحدة الأمريكية
29/8/2026 م
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






