من العشيرة إلى الدولة… طريق لم يكتمل

تكبير الصورة
فرست عبدالرحمن مصطفى
ثمة مفارقة تستحق التأمل في واقعنا السياسي والاجتماعي ولا سيما في بهدينان، مسؤولون وسياسيون يتحدثون عن الدولة العصرية وعن المؤسسات والمواطنة والقانون، ويرفعون شعارات التقدم والحداثة، وفي الوقت نفسه يبالغون في تمجيد العشيرة ويجعلون من شيوخها وأعيانها جزءاً أساسياً من معادلة النفوذ السياسي.

 

ليس الإشكال في العشيرة.
فالعشيرة جزء من تاريخ مجتمعنا وذاكرته وفيها قيم نبيلة من التكافل والنخوة والكرم وحماية الفرد، ولا يجوز اختزالها في صورة سلبية أو التعامل معها كأنها عائق بذاتها أمام التطور.

 

الإشكال يبدأ عندما يتحول السياسي إلى ممجّد للعشيرة في خطابه وممارسته، ثم يتحدث في الوقت نفسه عن الدولة الحديثة التي تقوم على المواطنة والمؤسسات وتكافؤ الفرص.

 

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.
فكيف يمكن أن نبني دولة عصرية إذا كان بعض من يتحدثون باسمها يعيدون إنتاج منطق ما قبل الدولة؟

 

كيف يمكن أن نقول إن المواطنة هي أساس الحقوق بينما يحتاج المرشح إلى عشيرته كي يصل إلى البرلمان؟

 

وكيف نتحدث عن الكفاءة، ثم يصبح دعم شيخ العشيرة أثقل وزناً من الشهادة والخبرة والتاريخ الوطني؟

 

هنا تظهر مفارقة سياسية واجتماعية مؤلمة.
نحن نرى في مواقع التواصل الاجتماعي سيلاً من الانتقادات للعشائرية، ونقرأ دعوات لبناء دولة كوردية حديثة، لكننا نرى في الواقع السياسي بعض المسؤولين القوميين أنفسهم وهم يحتفون بالعشيرة وشيوخها ويستثمرون ثقلها الاجتماعي في الانتخابات والمناصب.

 

أي دولة عصرية يريد هؤلاء أن يبنوا؟
دولة المواطن؟
أم دولة الشيخ والوجيه والحزب؟

 

فالدولة الحديثة لا تعادي العشيرة لكنها تضعها في مكانها الطبيعي، مجالاً اجتماعياً وثقافياً لا بديلاً عن المؤسسات السياسية.

 

أما حين تصبح العشيرة جسراً إلى البرلمان ووسيلة لتوزيع المناصب وأداة لحشد الأصوات، فإن المشكلة لا تعود في العشيرة وإنما في السياسي الذي يحولها إلى رأس مال سياسي.

 

وهنا يمكن استحضار بعض أفكار الدكتور علي الوردي حول ازدواجية الشخصية، فالإنسان قد يتحدث بلغة حديثة ومدنية ثم يعود إلى سلوك تقليدي عندما تتدخل المصلحة. وهذه الفكرة لا تعني أن المجتمع الكوردي نسخة من المجتمع العراقي الذي درسه الوردي، لكنها تمنحنا زاوية مفيدة للتأمل في بعض تناقضاتنا.

 

لقد أصبحنا نتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة المؤسسات بأحدث المفردات، بينما لا تزال بعض الممارسات السياسية محكومة بمنطق الولاء والوساطة والانتماء الضيق.

 

الهاتف أصبح ذكياً… لكن بعض السياسة ما زالت تفكر بعقلية قديمة.
والأكثر إيلاماً أن المسؤول السياسي الذي يشيد بالعشيرة ويستثمر نفوذها ثم يطالب الناس بالدولة المدنية، لا يلاحظ أنه يرسل رسالتين متناقضتين إلى المجتمع.

 

يقول للمواطن…

“كن مواطناً.”

ثم يقول له عملياً…
“لكن لا تنسَ عشيرتك.”
يقول…
“الكفاءة هي المعيار.”
ثم يفتح الباب لمن يملك نفوذاً اجتماعياً أكبر.
يقول…

“القانون فوق الجميع.”

ثم يبحث عن العلاقات التي تجعل القانون أكثر مرونة.

 

هذه ليست مشكلة العشيرة، إنها مشكلة السياسي الذي يريد أن يجمع بين امتيازات الماضي وشعارات المستقبل.

 

يريد قوة العشيرة حين يحتاج إلى الأصوات، وقوة الدولة حين يحتاج إلى الشرعية.

 

يريد الشيخ في موسم الانتخابات والمواطن في موسم الخطابات.

 

وهنا ينبغي أن يكون السؤال صريحاً…
إذا كان المسؤول القومي يؤمن حقاً بالدولة العصرية، فلماذا يحتاج إلى العشيرة كوسيلة سياسية؟
وإذا كان يؤمن بالمواطنة، فلماذا لا تكون الكفاءة وحدها طريقاً إلى البرلمان والمناصب؟
وإذا كان يؤمن بالمؤسسات، فلماذا يُمنح النفوذ الاجتماعي أحياناً مكاناً أكبر من المؤسسة؟

 

إن المشكلة ليست أن يكون للعشيرة حضور اجتماعي، فهذا طبيعي في مجتمع له تاريخه وتركيبته.
المشكلة أن تتحول العشيرة إلى مؤسسة غير معلنة داخل الدولة.

 

عندها يصبح ابن الشيخ أقرب إلى الوصول من ابن المواطن، ويصبح المرشح المدعوم اجتماعياً أكثر حظاً من المرشح الكفوء، وتصبح الانتخابات أحياناً منافسة بين شبكات النفوذ وقوة العشيرة أكثر من كونها منافسة بين البرامج.

 

وهنا لا بد أن نكون منصفين،
المسؤول السياسي ليس وحده المسؤول عن استمرار هذه الظاهرة، فالمجتمع والناخب والنخب الثقافية شركاء فيها.

 

فالشيخ لا يصنع آلاف الأصوات من العدم.
هناك من يمنحه صوته وهناك من يطلب دعمه وهناك من يعيد إنتاج نفوذه في كل دورة انتخابية.

 

ولهذا فإن نقد العشائرية من دون نقد السياسي الذي يستثمرها والناخب الذي يكافئه عليها يبقى نقداً ناقصاً.

 

نحن بحاجة إلى مصالحة حقيقية بين الموروث الاجتماعي والدولة الحديثة، لا إلى حرب على العشيرة.

 

نريد أن تبقى العشيرة جزءاً من المجتمع، لكن لا نريد أن تصبح جزءاً من سلطة الدولة.
نحترم الشيخ لكن لا نريد أن يكون الشيخ بديلاً عن المؤسسة.

 

نحترم التاريخ لكن لا نريد أن يتحول التاريخ إلى امتياز سياسي دائم.

 

فالدولة الحديثة لا تُبنى بالشعارات القومية وحدها، ولا بكثرة الحديث عن الديمقراطية، ولا بالصور مع شيوخ العشائر.

 

الدولة الحديثة تُبنى عندما يصبح المواطن أقوى من واسطته، والقانون أقوى من علاقاته، والكفاءة أقوى من عشيرته، والمؤسسة أقوى من الأشخاص.

 

أما أن يشيد المسؤول بالعشيرة صباحاً ثم يحدثنا مساءً عن دولة عصرية متقدمة، فهذه ليست حداثة مكتملة.

 

إنها محاولة للوقوف بقدم في الماضي… وقدم في المستقبل.

 

والمشكلة أن الدولة لا تستطيع أن تمضي إلى الأمام إذا ظل جزء من عقلها السياسي واقفاً في الخلف.

 

لذلك ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا جميعاً، وخصوصاً أولئك الذين يتحدثون باسم المشروع القومي والدولة الكوردية الحديثة…
هل نريد دولة حديثة بالفعل، أم نريد دولة حديثة في الخطاب… وعشائرية في الممارسة؟

 

فالدولة لا تبدأ من البرلمان…
الدولة تبدأ من الإنسان، ومن صدق السياسي مع ما يقوله ويفعله.


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top