د. مرشد اليوسف
هل تسبق عملية الدمج بناءَ الثقة؟
تتجاوز حادثة التهجم على المواطنين الكرد العائدين إلى منازلهم في سري كانييه ـ رأس العين ، حدود الحادث الأمني العابر، لأنها تلامس جوهر المسألة التي تواجهها سوريا في مرحلة إعادة بناء الدولة.
فالمواطن الذي يعود إلى منزله لا ينبغي أن يكون طرفاً في معادلة سياسية أو عسكرية. والعودة إلى البيت حق طبيعي، والملكية حق قانوني، والأمن واجب الدولة. وعندما يتعرض العائدون للتهديد أو الاعتداء أو المنع، بينما توجد مؤسسات رسمية مكلفة بحفظ الأمن، فإن السؤال الذي يطرح نفسه تلقائياً هو:
هل أصبحت الدولة صاحبة السلطة الوحيدة فعلاً، أم أن هناك قوى مسلحة ما زالت تمتلك قدرة على فرض إرادتها خارج القانون؟
وهنا تكمن خطورة المشهد.
الدولة لا تُقاس بوجود مؤسساتها بل بقدرتها على حماية المواطن.
وقد يكون للدولة علم ومؤسسات ووزارات وأجهزة أمن، ولكن الدولة بالمعنى السياسي والقانوني لا تكتمل بمجرد وجود هذه الهياكل. الدولة تظهر حقيقتها عندما يستطيع المواطن العادي أن يلجأ إليها، وأن يثق بأن القانون يحميه من الأقوى منه، وأن السلاح لا يستطيع أن يحل محل القضاء والإدارة والأمن.
وفي سري كانييه تحديداً تصبح المسألة أكثر حساسية، لأن المدينة تحمل إرثاً ثقيلاً من النزوح والتغيير الديموغرافي والصراع العسكري. ولذلك فإن عودة السكان إلى منازلهم ليست مجرد حركة سكانية، إنها اختبار لمدى استعداد السلطة الجديدة لمعالجة آثار الحرب بطريقة قانونية وعادلة.
إذا كان مواطن كردي قد غادر منزله بسبب الحرب، ثم صدر قرار أو تفاهم رسمي يسمح له بالعودة، فإن الطريق الطبيعي يجب أن يكون واضحاً:
وهو تأمين عودته، وحماية منزله، وضمان سلامته. وتسوية أي نزاع حول الملكية عبر المؤسسات القانونية. أما أن يجد نفسه أمام جماعة مسلحة تمنعه أو تهدده، فذلك يعني أن هناك خللاً في ممارسة الدولة لوظيفتها الأساسية.
والخطر ليس في هوية المعتدين وإنما في وجود السلاح خارج القانون .
ومن الضروري هنا عدم تحويل القضية إلى صراع قومي بين الكرد والعرب .
المشكلة ليست في الكرد والعرب كجماعات بشرية، وإنما في أي جماعة مسلحة تتجاوز القانون وتفرض إرادتها بالقوة.
فالدولة الحديثة لا تسأل المعتدي عن قوميته أو دينه قبل أن تحاسبه، وإنما تسأله عن فعله. وإذا اعتدى عربي على كردي، أو كردي على عربي، أو مسلم على مسيحي، أو أي مواطن على مواطن آخر، فإن معيار الدولة يجب أن يكون واحداً: القانون.
وهذا المبدأ بالذات هو الذي يمكن أن يؤسس لعلاقة جديدة بين الكرد والدولة السورية. علاقة لا تقوم على الخوف المتبادل ولا على موازين القوة العسكرية، وإنما على المواطنة والقانون.
هل من المنطقي حل أدوات الحماية
(قسد والادارة )قبل بناء البديل؟
هنا تنتقل القضية من الحادث الأمني إلى المسألة السياسية الأكبر ومستقبل قسد والإدارة الذاتية.
وإذا كانت المفاوضات بين دمشق وقسد تتجه نحو دمج المؤسسات والقوى العسكرية والأمنية ضمن مؤسسات الدولة السورية، فإن هذا المسار يمكن أن يكون خطوة تاريخية نحو إنهاء الانقسام السوري وبناء دولة موحدة.
لكن الوحدة لا تعني أن يُطلب من طرف أن يتخلى عن أدواته قبل أن يتأكد أن الدولة قادرة على ملء الفراغ الذي سيتركه ذلك التخلي.
فالمسألة ليست : هل نريد دولة سورية واحدة أم لا؟
المسألة هي:
أي دولة سورية نريد؟
دولة يكون فيها المواطن الكردي والعربي والسرياني والآشوري والتركماني متساوين أمام القانون، أم دولة تستعيد مركزيتها بينما تبقى بعض المناطق خاضعة عملياً لقوى مسلحة متعددة؟
إن حل قسد لا ينبغي أن يكون هدفاً قائماً بذاته، بل جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية السورية على أسس وطنية ومهنية.
أما أن يجري تفكيك قوة محلية قبل التأكد من أن مؤسسات الدولة قادرة على حماية السكان، فهذا قد يخلق فراغاً أمنياً خطيراً، وقد يؤدي إلى فقدان الثقة بالعملية السياسية نفسها.
والثقة هي الحلقة المفقودة.
ولايمكن بناء دولة جديدة بمجرد توقيع الاتفاقات.
فالدول تُبنى أيضاً بالثقة.
والثقة لا تُطلب من المواطن بالكلمات، بل تُكتسب بالممارسة.
وعندما يرى المواطن الكردي أن الدولة تحمي بيته، وتحاسب من يعتدي عليه، وتضمن حقه في العودة، وتحمي ممتلكاته، وتمنع التغيير القسري في البنية السكانية، فإنه يبدأ تدريجياً في النظر إلى مؤسسات الدولة باعتبارها مؤسساته هو أيضاً.
أما عندما يرى أن جماعة مسلحة تستطيع أن تمنعه من العودة رغم وجود السلطة الرسمية، فإن السؤال الذي سيطرح نفسه سيكون بسيطاً ومؤلماً:
إذا لم تستطع الدولة حمايتي وأنا داخل حدودها، فمن سيحميني عندما أتخلى عن أدوات الحماية التي أملكها؟
وهذا السؤال لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره رفضاً للدولة أو للاندماج الوطني، بل باعتباره تعبيراً عن حاجة طبيعية إلى الضمان.
سري كانييه ليست مجرد مدينة
تحتل سري كانييه موقعاً رمزياً مهماً في الذاكرة الكردية والسورية.
فهي مدينة عاشت فيها جماعات مختلفة، وكانت جزءاً من النسيج الاجتماعي للجزيرة السورية. ولذلك فإن طريقة التعامل مع سكانها ونازحيها وملكياتهم ستشكل رسالة إلى بقية السوريين حول طبيعة الدولة الجديدة.
وإذا نجحت الدولة في ضمان عودة السكان بصورة آمنة ومنظمة، واحترام الملكيات، ومحاسبة المعتدين، فإن ذلك سيكون مؤشراً إيجابياً على أن سوريا تتجه نحو مرحلة جديدة.
أما إذا بقيت الجماعات المسلحة قادرة على فرض إرادتها، فإن ذلك سيعطي انطباعاً بأن تغيير النظام السياسي لم يؤدِّ بالضرورة إلى تغيير بنية القوة على الأرض.
وهنا تكمن المفارقة:
قد تسقط السلطة القديمة، لكن إذا بقي منطق السلاح فوق القانون، فإن جزءاً من بنية الماضي سيبقى حاضراً بأشكال جديدة.
والاندماج لا يعني التماهي.
ومن الأخطاء السياسية أيضاً اختزال اندماج الكرد في الدولة السورية في مجرد حل مؤسساتهم المحلية وإدخال أفرادهم في المؤسسات المركزية.
فالاندماج الوطني الحقيقي لا يعني محو الخصوصية الكردية، كما لا يعني أن يتخلى المواطن الكردي عن لغته وثقافته وذاكرته وخصوصيته الاجتماعية.
والدولة التي تريد من الكرد أن يكونوا جزءاً منها يجب أن تمنحهم شعوراً بأنهم شركاء فيها، لا ضيوف عليها.
وهذا يقتضي ضمانات دستورية وقانونية وثقافية وإدارية واضحة، إلى جانب ترتيبات أمنية تجعل المواطن آمناً في منزله وقريته ومدينته.
فالاندماج الناجح هو الذي ينقل المواطن من حماية الجماعة إلى حماية الدولة، وليس من حماية الجماعة إلى العيش تحت رحمة جماعات مسلحة أخرى.
والمطلوب ليس تأجيل الدولة وإنما بناء الدولة أولاً.
قد يقول البعض إن الحديث عن هذه المخاوف يعطل عملية الاندماج أو يعرقل بناء الدولة السورية.
والحقيقة عكس ذلك.
إن المطالبة بتطبيق القانون ليست عرقلة للدولة، إنها جوهر بناء الدولة.
والمطالبة بحماية العائدين ليست رفضاً للوحدة السورية،إنها شرط من شروط نجاحها.
والمطالبة بمحاسبة الجماعات المسلحة ليست عداءً للعرب ، إنها دفاع عن مفهوم الدولة التي يجب أن يكون فيها السلاح تحت سلطة القانون.
لذلك فإن المطلوب ليس تجميد المسار السياسي، بل إعادة ترتيب أولوياته.
يجب أن تسير عملية الدمج بالتوازي مع:
ضبط جميع الفصائل المسلحة وإخضاعها للسلطة القانونية.
وضمان العودة الآمنة والطوعية للنازحين والمهجرين.
وحماية الملكيات الخاصة ومنع الاستيلاء عليها.
ومحاسبة كل من يعتدي على العائدين، بصرف النظر عن هويته.
وبناء أجهزة أمن وطنية مهنية لا تقوم على الانتماء الفصائلي.
وتقديم ضمانات دستورية وقانونية للحقوق الكردية.
واعتماد ترتيبات إدارية محلية تمنح المجتمعات قدرة حقيقية على إدارة شؤونها ضمن الدولة السورية.
جعل انتقال الصلاحيات تدريجياً ومشروطاً بقدرة المؤسسات الحكومية على القيام بواجباتها.
ولا دولة قوية من دون مواطن آمن .
إن حادثة سري كانييه، يجب ألا تتحول إلى ذريعة لمواجهة جديدة بين العرب والكرد، ولا إلى مناسبة لتبادل الاتهامات القومية.
بل ينبغي أن تكون جرس إنذار للدولة السورية نفسها.
فالدولة التي تريد من الكرد أن يثقوا بها، وأن يدمجوا مؤسساتهم ضمن مؤسساتها، مطالبة بأن تثبت أولاً أنها دولة الجميع.
ليس المطلوب من الكرد أن يختاروا بين الدولة والفوضى. وليس المطلوب منهم أن يعيشوا إلى الأبد خلف مؤسسات أمنية خاصة بهم. والهدف الطبيعي هو الوصول إلى مرحلة تصبح فيها حماية المواطن وظيفة حصرية لمؤسسات الدولة.
لكن الطريق إلى ذلك يجب أن يكون آمناً ومتدرجاً ومتبادلاً.
فلا يمكن أن يقال للمواطن:
تخلَّ عن أدوات حمايتك، ثم نبحث لاحقاً عن كيفية حمايتك.
بل يجب أن تكون الرسالة:
تعالَ إلى دولة تحميك؛ وعندما تصبح الدولة قادرة على حماية الجميع، يصبح الاندماج الكامل نتيجة طبيعية لاختيار المواطنين، وليس مغامرة مفروضة عليهم.
وهنا تحديداً تكمن أهمية سري كانييه:
إنها ليست فقط قضية مدينة أو مجموعة من العائدين إلى بيوتهم، بل اختبار مبكر لما إذا كانت سوريا الجديدة ستبنى على سيادة القانون أم على تعدد مراكز القوة.
فإذا انتصر القانون، فإن عودة الكرد إلى بيوتهم يمكن أن تصبح بداية لعودة الثقة بين المجتمع والدولة.
أما إذا بقي المواطن تحت رحمة السلاح المنفلت، فإن الحديث عن حل قسد أو حل الإدارة الذاتية قبل معالجة هذه المشكلة سيظل سابقاً لأوانه، لأن الدولة لا تصبح قوية عندما تنزع أدوات الحماية من مواطنيها، بل عندما تثبت أنها تستطيع أن تحميهم بعد ذلك.






