مهدي كاكائي
في العصور القديمة لم يكن يعيش أي قوم آخر غير أسلاف الكورد في كوردستان والمنطقة. آثار الكهوف الكوردستانية تشهد على ذلك والتي أعمار بعضها تعود لأكثر من (100000) مائة ألف سنة وليست (4000) أربعة آلاف سنة فقط.
لقد تمّ العثور في عام 2025 على عظام شخص في كهف (شانیدەر) الواقع في جبال زاگرۆس عند الحافة الشمالية الغربية لسلسلة جبال برادۆست والمُطّل على وادي الزاب الأعلى بالقرب من مركز ناحية شانيدر. يعود تاريخ هذه العظام إلى ما قبل (12500) سنة. فحص (DNA) لهذه العظام يُشير الى أن الكورد الحاليين هم أحفاد ذلك الشخص الذي عاش في كوردستان قبل أكثر من (12500) سنة وهذا إثبات علمي على أن الأقوام القدماء الذين عاشوا في كوردستان، هم أسلاف الشعب الكوردي.
كما أنّ التركيب الجيني للعينات المأخوذة لبقايا عظام أسلاف الكورد الخۆريين من مواقع مثل (أوركيش) و(نُوزي) و(حسنلو) و(ألالاخ) في نهاية العصر البرونزي/الحديدي هو عبارة عن مزيج من مكوّن الهلال الخصيب الجبلي (Zagroz) مع مكوّن الأناضول النيوليتي، وأحيانًا أثر محدود من سهوب القوقاز. السلالات الأبوية للخۆريين هيJ2G2a وبعض R1b/R1a المتأخرة وبذلك جينات الشعب الكوردي مطابقة لجينات الخۆريين.
في القرن السادس والخامس قبل الميلاد، كانت للكاكائيين دولة بإسم (مملكة كاكەيي) وكانت تقع في شمال غرب الپنجاب، تمتد من (قندهارا Gandhara) الى نهر (بياس Beas) [d]، حيث كانت العشائر الكاكائية تعيش آنذاك في المنطقة الممتدة من كوردستان الى الهند. من الجدير بالذكر أن (قندهارا) هي منطقة قديمة تقع في حوض پيشاور في شمال غرب شبه القارة الهندية القديمة التي هي في الوقت الحاضر تشمل شمال غرب پاكستان وشمال شرق أفغانستان. هناك بقايا لليارسانيين الكاكائيين الى الوقت الحاضر في كل من الهند وپاكستان وأفغانستان وإيران وكوردستان وتركيا والذين لا يزالون يعتنقون الدين اليارساني. في كل من الهند وپاكستان وأفغانستان يُطلق عليهم (زكري).
حسب الوقائع التاريخية لم تحصل هجرات كبيرة من كوردستان الى خارجها، ولم تحصل هجرات كبيرة الى كوردستان عبر التاريخ بحيث تطغي الإثنية أو الإثنيات المهاجرة الى كوردستان، على إثنية أسلاف الكورد، بل أنّ الأقوام المهاجرة إلى كوردستان قد إنصهرت في السكان الأصليين (أسلاف الكورد) وذابوا فيهم (إستكردوا).
الآن نتحدث عن تاريخ وجود الشعوب التي تعيش في منطقتنا في الوقت الحاضر. في نهاية الألفية الثالثة قبل الميلاد، هاجر اليونانيون من الطرف الجنوبي من شبه جزيرة البلقان إلى المنطقة التي تُسمّى الآن اليونان [a ، b]. هذا يُثبِت عدم وجود اليونانيين في المنطقة في زمن إبتكار الزراعة وإنتقال اللغة من كوردستان الى الشعوب الناطقة باللغات الكوردستانية المسماة باللغات الهندوأوروپية.

خلال الفترة (2000 – 1500) قبل الميلاد حصل تدفق مهاجرون أمّوريون من جهة الغرب الى شمال ميزوپوتاميا (سوبارتو) أي (إقليم جنوب كوردستان). الى حوالي سنة (1100) قبل الميلاد، كانت بلاد آشور مؤلفة من عدة دويلات ضعيفة يتحكم بها أسلاف الكورد الزاگروسيون، حيث كانت المنطقة يحكمها السوباريون الذين كانوا السكان الأصليين لِجنوب كوردستان الحالي ومؤسسيي مملكة آشور. كما أن أسلاف الكورد الميتانيين حكموا بلاد آشور من سنة (1500) الى سنة (1350) قبل الميلاد، أي لمدة 150 سنة [1]. هذا يعني أنّ المهاجرين الأموريين الذين كانوا أقلية في كوردستان، إستلموا الحُكم الفعلي في مملكة آشور من سنة (1100) قبل الميلاد الى سنة (612) قبل الميلاد التي هي سنة إسقاط الإمبراطورية الآشورية من قِبل الميديين والبابليين، أي أنّ الأمورّيين حكموا آشور لمدة (488) سنة فقط، بينما قام أسلاف الكورد السوباريون بِتأسيس مملكة آشور والتي حكَمها السوباريون والميتانيون لأكثر من ألف سنة. بعد إختفاء الإمبراطورية الآشورية، ذاب الأموريون في الشعب الكوردي. من الجدير بالذكر أنّ مصطلح (الأموريون) هو مصطلح جغرافي وليس مصطلحاً إثنياً، وهو متأتٍ من كلمة (أموري) السومرية التي تعني (الغرب) وبذلك فأنّ مصطلح (الأموريون) يعني (السكان الغربيون) أي السكان الذين كانوا يعيشون الى الغرب من ميزوپوتاميا (في الصحراء السورية) وأن (مات أمّوري) تعني باللغة السومرية (البلاد الغربية).
تذكر الدراسات أن الفُرس هاجروا من منطقة بحر قزوين إلى بلاد فارس الحالية في حوالي سنة (1100) قبل الميلاد [c]. من هنا ندرك أنّ الفُرس لم يكونوا من السكان الأصليين للمنطقة.
بالنسبة للأرمن، يذكر المؤرخ (مروان المدوَّر) أنّ (هيرودوت) يقول أن الأرمن شعب هندوأوروپي (آري غربي)، غادروا منطقة البلقان في القرن الثاني عشر قبل الميلاد إلى آسيا الصغرى عبر البوسفور والدَّردنيل، ثم توغّلوا شرقاً على مراحل، حتى وصلوا إلى أرارات في أواخر القرن السابع قبل الميلاد، ووصلوا إلى أرمينيا الحالية بُعيد زوال دولة أورارتو [2]، التي أسسها أسلاف الكورد، حيث دامت مملكة أورارتو الى عام 625 قبل الميلاد، وبعد ذلك أصبحت في حماية الميديين ردحاً من الزمن الى أن تم القضاء عليها عند قيام ثورة العشائر الكوردية الگوتية في عام 585 قبل الميلاد، حيث إستولى الأرمن عليها والذين كانوا يقطنون في غربي بلاد الأورارتيين. يضيف مروان المدوَّر أنه في الواقع لم تكن أرمينيا تُعرَف بهذا الإسم، إذ تشكّل إسم (أرمينيا) كما نعرفه اليوم اعتباراً من أعوام (550 – 521 ق. م) [3]. هكذا وصل الأرمن الى أرمينيا الحالية في وقت متأخر وهم ليسوا من السكان الأصليين في المنطقة.
من الجدير بالذكر أنه حتى أنه قبل أقل من ألف سنة كان للكورد ممالك وإمارات في أرمينيا وآذربايجان الحاليتَين، كما هو مبين أدناه والتي تؤكد على عُمق تاريخ الوجود الكوردي في كل من أرمينيا وآذربايجان. كما أنّ اللغة الأرمنية قد إقتسبت مفردات كوردية كثيرة جداً والتي لا تزال مستخدمة فيها.
الإمارات الكوردية
1. إمارة عيشاني (912 – 961 م): شملت نهاوند ودينور وهمدان وسامنان الى حدود آذربايجان.
2.إمارة روادي (948 – 1071 م): شملت مناطق مراغة وتبريز وآذربايجان وورمي وخوي وسلماس وأرمينيا.
3. إمارة شدادي (951 – 1198 م): شملت منطقة ارّان في مدن بردعة ودبيل وكنجة وباكو (وهي مناطق واقعة في كل من أرمينيا وجمهورية آذربيجان الحاليتَين)، حيث امتدت حدودها من مدينة رواندوز إلى مدينة (كانجه Ganja) في آذربيجان الحالية.
4. الإمارة الحسنوية (959 – 1015 م): حكمت مناطق لورستان ودينور وهمدان، حيث كانت تحكم غرب إيران وشمال بلاد ما بين النهرين وكانت عاصمتها مدينة دينور الواقعة شمال شرق مدينة كرماشان الحالية. حُكّام هذه الإمارة كانوا يارسانيين.
5. إمارة مرواني (983 – 1096 م): حكمت هذه الامارة وسط وشمال كوردستان الحالية، في دياربكر في مدن ميافارقين وماردين وآمد وخلات وبدليس وحكمت كذلك إقليم غرب كوردستان وجنوب الأناضول.
6. إمارة عنازي (1046 – 1139 م): تأسست هذه الامارة في منطقة حلوان وإمتدت الى مناطق أسد آباد وداقوق ومندلي والنعمانية في محافظة الكوت والى مدينة كرمنشاه.
7. الإمارة الهذبانية (958 – 1139 م): ظهرت في مدينة أربيل وحكمت معظم المناطق المحيطة بأربيل.
8. إمارة أردلان (1169 – 1869 م): كانت إمارة أردلان تضم أصفهان وهمدان وكرماشان وهورامان وشارزور وأربيل وراوندوز وكركوك والموصل وكفري وخانقين ومندلي وتكريت وأجزاء من محافظة الكوت.
9. جمهورية كوردستان الحمراء 1923 م: تم تقسيم ﻛوﺮﺩﺳﺘﺎﻥ الى خمسة أجزاء، حيث تمّ إلحاق كل جزء منها الى كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا وأرمينيا. قام (لينين) بِكشف أسرار إتفاقية سايكس – بيكو وبذلك خسرت روسيا معظم حصتها من شمال كوردستان والتي تم إلحاقها بِتركيا. بقي جزء صغير من كوردستان تابع للإتحاد السوڤيتي والذي أصبح جمهوريةً بإسم (جمهورية كوردستان الحمراء) في 7 تموز من عام 1923 م. شملت هذه الجمهورية المنطقة ذات الأغلبية الكوردية الواقعة قرب إقليم (ناغورني كراباخ) التابع لآذربيجان. كانت تحدها آذربيجان وأرمينيا وجورجيا. كانت مساحتها تبلغ (6210) كيلومتر مربع ونفوسها في سنة 1926 كانت حوالي (51426) نسمة، منهم (37182) شخصاً (72.3%) من الكورد والبقية من الآذريين (27.2%).
بالنسبة للعرب فأنّ تواجدهم في كوردستان جاء نتيجة الاحتلال العربي الإسلامي لكوردستان في عهد عمر بن الخطاب وبذلك كان موطنهم يقتصر على الصحراء العربية. من جهة أخرى، هجرة الأتراك الى المنطقة واحتلالهم لِشمال كوردستان بدأت قبل حوالي 900 سنة فقط.
هكذا نرى أنه في زمن إبتكار الزراعة وإنتقال اللغة من كوردستان الى الشعوب الناطقة باللغات الكوردستانية المسماة باللغات الهندوأوروپية قبل 12 ألف سنة، لم يكن هناك أيّ وجود لليونانيين والأموريين والأرمن والفُرس والعرب والأتراك في المنطقة، حيث كان أسلاف الكورد الساكنين في كهوف زاگرۆز وتۆرۆز هم الوحيدون في المنطقة. نقل الكوردستانيون الزراعة من كوردستان الى أوروپا والهند وغيرها من الدول. مع نقل الزراعة، نقل أسلاف الكورد أيضاً لغتهم الى الدول الناطقة باللغات الكوردستانية التي تُسمى اليوم باللغات الهندوأوروپية والتي تسميتها الصحيحة هي اللغات الكوردستانية لأنها منبثقة من كوردستان.
هكذا نرى أن كوردستان التاريخية كانت تشمل جميع المناطق والدول المذكورة في هذا المقال والتي كانت موطن أسلاف الكورد، حيث لم تكن أقوام أخرى تعيش في منطقة جنوب غرب آسيا غير أسلاف الكورد، فالشعب الكوردي لم يهبط من السماء الى بلاد كوردستان. كما أنّ التاريخ لا يذكر بأنّ جميع أسلاف الكورد هاجروا من كوردستان أو أنّ أقواماً غريبة قد هيمنت على سكان كوردستان.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




