الكُرد القَيْمُرِيّة في دمشق بين السياسة والعُمران

تكبير الصورة

بدرخان علي

“قراءة في كتاب جوتيار تمر صديق، «الكُرد القَيْمُرِيّة ودورهم السياسي والعُمراني خلال القرنين ٧–٨هـ/١٣–١٤م»، دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الأولى، ٢٠١٦”

مجلة الحوار – العدد /85/ – السنة 33 – 2026م

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

 

في سنة ٦٤٨هـ/١٢٥٠م قَدِم الأمير سيف الدين يوسف القَيْمُري من مصر إلى الشام، حاملاً معه مالاً كان صِداق زوجته المتوفّاة، ابنة الأمير عز الدين عمر بن مجلّي الهَكّاري. أراد أن يردّه إلى أهلها، لكن أخاها نور الدين علي الهَكّاري أعاده إليه قائلاً: «الأكراد ما جرت عادتهم يأخذون صداقاً ولا ميراثاً»، فيما ينقله اليونيني (ص ١٨٧). عندئذٍ قال سيف الدين: «هذا شيءٌ خرجتُ عنه وما يعود إلى مُلكي» (ص ١٨٨)، وجعل المال كلَّه في بناء البيمارستان القَيْمُري وأوقافه.

الدلالة التاريخيّة الأوضح لهذه القصة تختصر تحوّل القيمريين الذي يتتبّعه كتاب الباحث جوتيار تمر صديق: من جماعةٌ كُرديّة عُرفت أولاً بالفروسية والقتال، ثم امتلك أمراؤها الإقطاع والعقار، فحوّلوا جانباً من مواردهم إلى مؤسسات للتعليم والعلاج والعبادة والتجارة. هكذا انتقلت النسبة القَيْمُرِيّة من قلعة بعيدة في إقليم الجزيرة إلى مدارس دمشق وبيمارستانها وسوقها وحمّامها وتُرَبها، ثم إلى حيٍّ داخل المدينة.

ينتظم الكتاب في تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة. يبحث الفصل الأول في قلعة قَيْمُر والتسمية وبداية ظهور الجماعة وإمارتها وصلاتها بالأيوبيين وسلاجقة الروم. ويتابع الثاني هجرتها إلى الشام ومصر وأدوارها العسكرية والسياسية في الانتقال من الحكم الأيوبيّ إلى المملوكيّ، ومواجهة المغول والصليبيين. أما الثالث فيجمع المنشآت التي ارتبطت بالقَيْمُرِيّين، ويبحث، حيث تسمح المادة، في مواقعها وأوقافها والقائمين عليها.

ويُقِرّ المؤلف منذ البداية بأنه «لا نجد إلا القليل من المعلومات التاريخية عن نشاطهم ودورهم» (ص ٢٩). لذلك أعاد بناء تاريخهم من مصادر مختلفة، وتواريخ أيوبية ومملوكية، وكتب تراجم ووفيات، ومصادر فارسية مترجمة. أتاح له ذلك جمع مادة واسعة، لكنّ النسبة نفسها لا يجد لها جواباً حاسماً: «لا تذكر المصادر التاريخية أية معلومات حول أصل تسمية الكرد القَيْمُرِيّة» (ص ٣٧).

وأول وصف جغرافيّ للقلعة جاء متأخراً عند ياقوت الحموي، الذي وضعها «في الجبال بين الموصل وخلاط» ونسب إليها جماعة من الأعيان والأمراء الكرد (ص ٣٣). وهو تحديدٌ فضفاض ظلّ قائماً حتى قربتها مصادرٌ لاحقة من أسعرد، أو حصرتها بين جزيرة ابن عمر وأسعرد (ص ٣٣–٣٧). وعلى ما يقول المؤرّخ الكردي د. زرار صديق توفيق  « بعد تنامي دور أمراء القَيمُرية في أحداث بلاد الشام ومصر أواخر العهد الأيوبي ومطلع العهد المملوكي وتعاظم شأنهم بفضل جهودهم المشهودة على الصعيدين الجهادي والعمراني، صارت قلعة قَيمُر مشهورة ومعروفة عند المؤرخين الشاميين والمصريين، وكانوا على علم واطلاع بأخبارها، فهي كائنة بالقرب من اسعرد – سعرت- سيرت (2 )، بينها وبين جزيرة ابن عمر- بوهتان(3 )، وهي ليست قلعة قُمري – قومرى الواقعة بين قريتي قُمري وهرور بمنطقة بروارى بالا – دهوك «   (   د. زرار صديق توفيق ، القبيلة القَيمُرية الكردية في إقليم الجزيرة ودورها في بلاد الشام ومصر خلال العصر الوسيط، مجلة (الحوار) ، العدد (70) ، صيف   2017).

ويكشف الكتاب أيضاً ورود اسم قَيْمُر في مصدر سرياني – أخبار فطاركة كرسي المشرق من كتاب المجدل – ضمن أحداث سنة ٥٢٨م، بوصفها كُرسيّاً من كراسي الأساقفة في الجزيرة. وهذا يُثبت قِدَم اسم المكان، والمدونات الإسلامية لم تعرف الجماعة بوضوح إلا في مرحلة متأخرة (ص ٣٧–٣٩). أما الإمارة فيُرجَّح تأسيسها إلى أسد الدين أبي الفوارس بن موسك، الذي يُقدَّر حكمه بين ٥٩٥ و٦٢٠هـ/١١٩٨–١٢٢٣م، ومن نسله خرج أكثر الأمراء القَيْمُرِيّين المعروفين.

والقَيْمُرِيّة قبيلة أسست إمارة وراثيّة في قاعدة حكمها في قلعتها، وذات بيوت أميرية وأتباع وجند تحرّكت داخل نظام القوى القائم. وفي وصفٍ دالٍّ يرد أن «القَيْمُرِيّين هم بالأساس أرباب السيوف، من أمراء وقادة وجند» (ص ١٤٩).

يبقى ظهورهم الأول في المدونات موضع احتياط عند المؤلف نفسه. ينفرد الدواداري بخبر أمير قَيْمُري يُدعى عز الدين قاتل الفرنج مع صلاح الدين سنة ٥٨٥هـ/١١٨٩م، من غير أن تؤيّده رواية معاصرة. ويأتي خبرٌ أوثق عن مشاركتهم في الدفاع عن أخلاط وأسر قائد الكُرْج سنة ٦٠٦هـ/١٢٠٩م، ثم تتكاثر الإشارات إليهم مع الحملة الخوارزمية على المدينة سنة ٦٢٧هـ/١٢٢٩م، حين يروي ابن العبري لجوء الأمير حسام الدين القَيْمُري إلى القلعة قبل التحاقه بالملك الأشرف الأيوبي (ص ٣٩–٤٢). مرّت هجرتهم من الجزيرة إلى الشام ومصر بعدها بثلاث مراحل يلخّصها الكتاب في خاتمته: هجرة فردية قادها حسام الدين مع أتباعه؛ فهجرة جماعية يربطها المؤلف بسنة ٦٤٢هـ/١٢٤٤م استجابةً لاستدعاء الملك الصالح أيوب الذي احتاج إلى قوّتهم في صراعه مع خصومه من البيت الأيوبيّ؛ ثم موجة ثالثة بعد سيطرة المغول على الجزيرة وسقوط قلعة قَيْمَر (ص ٢١٩–٢٢٠). لم تكن حركة نزوح سلبياً فحسب، بل انتقالاً إلى ساحةٍ عسكرية وسياسية احتاج فيها الأمراء الأيوبيون إلى متحالفين، لاسيما من بني قومهم الكُرد الذين التحقوا بهم وشكلوا مادة أساسية لجيشهم، جنداً وقادة وقُضاة وأمراء. وينبّه المؤلف إلى أن قراءة تاريخ الكرد في العصر الوسيط تفرض الوقوف عند أوضاع القبائل والزعامات الكردية وأدوارها، في إماراتها وقلاعها كما على الصعيد الإسلامي العام الذي كان يعيش استنفاراً دائماً أمام الخوارزمية وسلاجقة الروم من جهة، والصليبيين والمغول من جهة أخرى (ص٢١٩). ويذهب إلى أنه لولا قيام الدولة الأيوبية لما استطاعت تلك القبائل الصمود أمام التحديات الكبيرة المحدقة بها؛ لكونها كردية أولاً، ولوقوعها أصلاً في قلب دائرة الصراع بين القوى الإسلامية الداخلية نفسها، وبينها وبين القوى الخارجية ثانياً (ص٢١٩). ونعتقد أن هذه الرؤية جدليّة بعض الشيء.

القَيْمُرِيّة في سياسة دمشق وجيشها

«القيمريون هم بالأساس أرباب السيوف، من أمراء وقادة وجند، وحملة راية الجهاد» (ص١٤٩). بهذه العبارة يلخّص المؤلف هوية القوم الأولى، وعليها ينهض الفصل الثاني، فصل السياسة والحرب. فمع الصالح أيوب، نشهد دورهم في استرداد القدس ودمشق وضمّهما إلى ممتلكاته (ص١٢)، ثم عند مقتل تورانشاه وصعود المماليك، تتحول القبيلة إلى رأس حربة الشرعية الأيوبيّة، وأمراء القيمرية في دمشق يرفضون رفضاً تاماً سلطنة شجر الدر، فيوفدون إلى حلب الأمير ضياء الدين القيمري وابن أخيه ناصر الدين وولده شهاب الدين وغيرهم، يعرضون على الملك الناصر يوسف تسلّم دمشق لتغدو نواةً يُعاد منها بناء أمجاد الدولة الأيوبية؛ ولمّا اطمأن إليهم سار فدخل المدينة ولقي استقبالاً حاراً بوصفه حفيد صلاح الدين (ص٩٥–٩٦). ويعرض المؤلف تفسيرين لذلك الرفض القيمري: جذور الخلاف الكردي التركي بعدما اتضحت السيطرة المملوكية على مصر، أو اتخاذ حكم امرأةٍ ذريعةً لثورة تنتقم من الانقلابيين قتلة السلطان الأيوبي. (ص٩٦).

وفي وقائع الصراع الأيوبي المملوكي يذكر المؤلف: صيحة الجاويش حين انكسر العسكر المملوكي أمام الجيش الأيوبي: «شاباش يا قيمرية!» ــ بمعنى «أحسنتم» ــ شاهداً على ثقل الحضور القَيمُري في الجيش (ص١٠٧)؛ ومشهد الأمير سيف الدين القيمري وقد جلس أمام الدار التي فيها أهل الملك المعزّ المنهزم يحميها من النهب، رافضاً استغلال الفوضى للانتقام وهتك الأعراض (ص١٠٩).

يشير المؤلف هنا إلى صراع في صورة مواجهة كُردية–تركية، فالبيت الأيوبي أكراد وكذلك قادة بارزون وأمراء وجنود جيشهم، في حين قامت السلطة الجديدة في مصر على نخبة مملوكيّة غلب عليها العنصر التركي، وتضرّر أمراء كُرد من مصادرة المناصب والإقطاعات. لكنّ رغم الحزازات والصدامات أحياناً والتي تجسّدت في محطات عديدة، بين الأكراد من جهة والتركمان، أوالمماليك الأتراك، من جهة أخرى، كانت الولاءات أكثر تركيباً؛ فالهوية الإثنيّة لم تكن وحدها معيار التحالف أو الصراع، بل تداخلت معها حماية الإمارة والإقطاع وموقع الأمير داخل شبكة السلطة، كما سيخدم القَيْمُرِيّون لاحقاً سلاطين المماليك أنفسهم. وينوّه المؤلف إلى خطأ وقع فيه بعض الباحثين باعتبار الكرد القيمرية من المماليك.( ص20)

ولهذا تبدو عبارة ناصر الدين القَيْمُري، التي يذكرها اليونيني، حين سمعَ أميراً كردياً ينتقص المماليك، أكثر تعبيراً عن تشابك الانتماءات: «بئسَ ما قلت، ليس بيننا عداوة، وكلمة الإسلام تجمعنا، ونحن وهم شيءٌ واحد… فلو زالت الوحشة من بين الملكين صرنا نحن وهم كالنفس الواحدة» (ص ١١٠). وقيمة العبارة، بصرف النظر عن صياغتها الأدبية في المصدر، أنها تضع القرابة الإثنية أو اللغوية داخل إطار أوسع من الولاء الديني والسياسي، ولا تجعلها تفسيراً وحيداً للسلوك.

أما قتالهم الصليبيين فأقدم الأخبار هي رواية الدواداري عن عز الدين القَيْمُري في جيش صلاح الدين سنة ٥٨٥هـ/١١٨٩م، وهي رواية متأخرة لا يؤيدها مصدر معاصر. لكنّ المشاركة تصبح أوضح في الجيل اللاحق: عُرف سيف الدين يوسف بالشجاعة وقُتل في قتال الصليبيين عند نابلس سنة ٦٥٤هـ/١٢٥٦م. ثم واصل ناصر الدين القَيْمُري الخدمة على الجبهة الساحلية في عهد الظاهر بيبرس، وقاد سنة ٦٦٤هـ/١٢٦٦م محاولة على حصن عتليت؛ ولم تسقط القلعة لشدّة تحصينها، لكنّ تكليفه بالمهمة يبيّن مكانته. وفي عين جالوت، تظهر القيمرية طرفاً بارزاً في الإصرار على قتال المغول قبل المواجهة وأثناءها، ويبقى وفاؤهم لبني أيوب قائماً حتى بعد زوال دولتهم (ص٢٢٠–٢٢١). وبعد المعركة همّش المماليك دورَهم وأبعدوهم عن مناصبهم وإقطاعاتهم، إلى أن أعاد الظاهر بيبرس لهم بعض مكانتهم (ص١٣): فردّ لشهاب الدين القيمري إقطاعاته، وكافأ ناصر الدين بنصف البرج الأحمر (ص١٥٠).

وهذه القدرة على إعادة الاندماج في نظامٍ جديد تفسّر بقاءهم أكثر مما تفسّره القوة العسكرية وحدها؛ فقد أُعيد دمجهم في الدولة المملوكية مع احتفاظ عددٍ من بيوتهم بالثروة والوجاهة، وهو ما وفّر لاحقاً الأساس المادي لنشاطهم العُمراني. ويبرز في هذا المجال أميران: سيف الدين يوسف، الذي جمع القيادة العسكرية بالإنفاق على الوقف، وناصر الدين أبو المعالي الحسين (ت ٦٦٥هـ/١٢٦٧م)، أحد كبار قادة جيش الشام وصاحب نفوذ واسع عند الناصر يوسف، قبل أن يُسند إليه بيبرس عملاً على السواحل الشامية. وتكشف سيرته، مثل سيرة سيف الدين، أن المنصب لم يكن منفصلاً عن العُمران؛ فالجاه والإقطاع والعلاقات التي صنعها العمل العسكري هي نفسها التي أتاحت إنشاء مدرسة أو تمويل مرفق عام.

في دمشق اكتملت النقلة من جماعة جند وأمراء وفرسان إلى فاعلٍ مدينيّ. امتلك أمراء القَيْمُريّة قرىً وبساتين وحوانيت وطواحين وعقارات في المدينة وضواحيها وعلى الساحل، ونالوا إقطاعات وأموالاً من السلاطين الذين خدموهم (ص ١٥٠). والواضح بأن قسماً مهماَ من ثرواتهم ذهب إلى إنشاء مؤسسات عامة وربطها بالأوقاف. وبهذا لا تكون المباني علامات وجاهة فحسب؛ بل كذلك صورة مادية للعلاقة بين الإقطاع العسكري واقتصاد المدينة. فالوقف كان الحلقة التي تصل السيرة العسكرية والنفوذ والثروة بالعُمران. وبذلك انتقلت موارد تكوّنت داخل نظام الإقطاع العسكري إلى مؤسسات تستطيع الاستمرار بعد وفاة المنشئ وتبدّل السلطان.  ولا يجعلهم ذلك استثناءً من تقاليد النخبة الأيوبية والمملوكية؛ فالمدرسة والبيمارستان والتربة كانت أدوات مألوفة لصناعة الشرعيّة والمكانة عند أي بيت حاكم في تلك الحقبة.

المدرسة القَيْمُرِيّة الكبرى

تتصدّر المدرسة القَيْمُرِيّة الكبرى، المعروفة أيضاً بالجوانيّة، هذا السجلّ العُمراني. أنشأها الأمير ناصر الدين أبو المعالي الحسين بن شمس الدين عزيز القَيْمُري، مقدَّم جيوش الشام في زمن الصالح أيوب والناصر يوسف. وتنقل عنه مصادر عدّة – الصفدي وابن كثير والكتبي والمقريزي والنعيمي – صورة مهيبة: كان الكُرد جميعاً في خدمته «يركبون لركوبه وينزلون لنزوله»، وكان مرسومه «أمضى من مرسوم الملك الناصر يوسف» (ص ١٥٥–١٥٨). وهذه الصورة تدلّ على أنهم صاروا جزءاً من قيادة العاصمة وكبار مُقَدّميها.

يرجّح المؤلف أن المدرسة بُنيت قبل سنة ٦٥٢هـ/١٢٥٤م، في سوقٍ عُرف بصيغ متقاربة بين المصادر – الحريمين أو الخريمين أو المطرّزين – عند مئذنة فيروز شرقي الجامع الأموي، أي في صميم نسيج دمشق القديمة لا على أطرافها (ص ١٥٥–١٥٨). كانت المدرسة: مُصلّى وإيوان وقاعات للتدريس وغرف للطلبة ومكتبة، تقوم عليه هيئة من المدرّسين والمعيدين والنُّظّار؛ ولذلك لم يكتفِ المؤرخون بذكر اسمها، بل تناولوا «مساحة الأرض التي تعيّن لبناء المدرسة عليها» وأقسامها الداخلية (ص ١٥٢).

أوقف لها ناصر الدين أوقافاً عظيمة، وأضاف إليها ما لم يسبقه إليه أحد: ساعاتٍ على بابها صنعها المهندس البديع الساعاتي بكلفة بلغت، بحسب المصادر، أربعين ألف درهم لضبط أوقات الدروس – وإن ذكر الذهبي ساعاتٍ على باب البيمارستان أيضاً. تعطّلت بعد حين ثم أُصلحت سنة ٧٨٨هـ/١٣٨٦م (ص ١٥٥–١٥٨).

ويضيف المؤلف وصفاً ميدانياً دوّنه عند زيارته المدرسة سنة ٢٠٠٩: باحة تتوسطها بركة ماء، وحجرات على الجانبين بقي منها إحدى عشرة حجرة، وقاعة ذات محراب وسقف عالٍ، ومواضع للوضوء، ومسجد في الجهة الجنوبية عليه آثار ترميم حديث (ص ١٥٥ وما بعدها). والكتاب يتابع مُدرّسي المدرسة وإدارتها وما أصابها زمن الاحتلال المغولي لدمشق سنة ٦٩٩هـ/١٣٠٠م (ص ١٧٤). وإلى جانب المدرسة الكبرى عرفت دمشق مدرسة قَيْمُرِيّة صغرى وثالثة، كما قامت مدرستان في حلب والخليل.

البيمارستان القَيْمُري

إذا كانت المدرسة شاهدةً على الجاه والعلم، فالبيمارستان القَيْمُري أوضح منشآت الجماعة اتصالاً بالحياة اليومية. و بتعبير الباحث صلاح الدين المنجد «من أعظم آثار دمشق شأناً « .  أنشأه سيف الدين يوسف (ت ٦٥٤هـ/١٢٥٦م) سنة ٦٥٢هـ/١٢٥٤م في الصالحية على سفح قاسيون، غربيّ جامع محيي الدين بن عربي، في جادّة المدارس المعروفة بسوق الجمعة. وقد ذكرنا في مقدمة هذا المقال قصة إنشائه من أموال الصدِاق. وخُصّص البيمارستان لخدمة الفقراء، وعُرف أيضاً ببيمارستان الصالحية، واستُخدم في عصور لاحقة مستوصفاً ومسجداً، ومبناه لا يزال قائماً.

. يتتبّع الكتاب مصادر تمويل البيمارستان وأوقافه، وهيئته الطبية والإدارية، ورواتب العاملين فيه، ثم أقسام العلاج (ص ١٨٧–١٩٧). تولّى سيف الدين إدارته بنفسه، وبقيت صلة الأسرة به من خلال حفيده الأمير شمس الدين محمد حتى وفاته سنة ٧٣٤هـ/١٣٣٣م، أي إن حضور البيت القَيْمُري في إدارة المرفق استمرّ نحو ثمانية عقود (ص ١٨٨). هكذا حفظ الوقف غرضين متداخلين: استمرار العلاج والإنفاق، واستمرار حضور الأسرة في المجال العام وأثرهم الاجتماعي.

فضلاً عن المدرسة والبيمارستان، يحصي الكتاب الجامع القَيْمُري وعدداً من المساجد في دمشق، ومنها مسجدٌ منسوب إلى الأمير ناصر الدين محمد القَيْمُري، فضلاً عن سوق القَيْمُري والحمّام القَيْمُري والتربة القَيْمُرِيّة وتربتَي قماري خاتون ودُرّة خاتون. ويرصد خارج دمشق مدرستين في حلب والخليل، ومسجداً بحلب، وجامعاً وسويقة وحمّاماً بالقاهرة، وقبّة قَيْمُرِيّة بالقدس (ص ٢٠١–٢١٥).

وقد أصبحت النسبة القَيْمُرِيّة اسم حيٍّ في قلب دمشق، ويربط الكتاب تسمية الحي بالمدرسة الكبرى نفسها، على مثال أحياء دمشقية أخرى حملت أسماء مدارسها كالعصرونية والخضيرية (ص ٢١٥).

وبعد وفاة كبار الأمراء ورسوخ الدولة المملوكية، انحسر حضورهم بوصفهم قوة سياسية مستقلّة، لكنه لم ينقطع. يتابع الكتاب انتقال بعض أبنائهم إلى وظائف الإدارة المملوكية في دمشق وحلب، وإلى الحديث والفقه والأدب، كما تحفظ أخبار نساء من البيت عُرفن بالأوقاف والصدقات (ص ١٤٠–١٤٦). ولم تعد النسبة «القَيْمُري» قائمة على رابطة الدم فقط؛ فقد دخل فيها أحياناً موالٍ ومنتسبون بالمصاهرة أو الخدمة (ص ١٤١).

وقد استمر اسمهم بعد انقضاء لحظتهم الجهادية والعسكرية. فقد استخدم الأمراء القَيْمُرِيّون ما حصلوا عليه من إقطاعات لبناء مواقع دينيّة وتعليميّة وعلاجيّة وربطها بأوقاف وإدارات. الأمر الذي أتاح لجماعة كرديّة ذات شأن في ديارها أن تندمج داخل بنية مدينة عريقة بعيدة نسبياً وتتحوّل إلى جزء من تاريخها الداخليّ والعمرانيّ، وحيّ عريق يحمل اسمهم إلى اليوم في قلب دمشق التاريخيّ.


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top