المسرح الكردي في سوريا.. بين الذاكرة الجمعية والتجربة الذاتية

تكبير الصورة

عبد الوهاب بيراني (كاتب وناقد)

عندما يُذكر المسرح الكردي في سوريا، فإنه لا يُذكر بوصفه مجرد لونٍ أدبي أو نشاطٍ فني فحسب، بل يُستعاد بوصفه سيرةً موازيةً لوجود شعبٍ حُرم طويلاً من أبسط أدوات التعبير عن ذاته، لقد نشأ هذا المسرح في منطقة ظلّت فيها اللغة الكردية مهمّشةً رسمياً، ولم يُعترف بها دستورياً؛ ما جعل أية محاولة للإبداع بها عملاً محفوفاً بالمخاطرة، وفعلاً ثقافياً يتجاوز الجمالي إلى السياسي والرمزي، ففي هذه المساحة الصعبة، بين المنع والرغبة، وبين الشفهي والكتابي، تكوّنت تجربة مسرحية كردية في سوريا يمكن وصفها بأنها “مسرح الضرورة”. وإذا كان كل مسرح ينطوي على صلةٍ بالذاكرة، فإن المسرح الكردي في سوريا ذاكرةٌ تقاوم النسيان، وتجربةٌ أعيد بناؤها مراراً من الرماد.

أكتب هذه المادة انطلاقاً من موقعين متداخلين: موقع الباحث الذي عايش جانباً من تحولات هذا المسرح وراكم معرفة أكاديمية أدبية، وموقع الكاتب الذي خاض تجربة شخصية في الكتابة للمسرح الكردي ومحاولات إخراجية في بيئة تفتقر إلى أبسط البنى التحتية المسرحية، وأسعى هنا إلى تقديم رؤية تركيبية تجمع بين تتبّع المسار التاريخي العام للمسرح الكردي في سوريا، وقراءة تحولاته الجمالية والاجتماعية، ثم إلحاق ذلك بنافذة ذاتية حول تجربتي في الكتابة والإخراج، بوصفها جزءاً عضوياً من هذا المخاض، ومختبراً شخصياً لأسئلته الكبرى.

خرائط البدايات.. من الحكائي إلى الخشبة

لا يمكن تأريخ المسرح الكردي في سوريا بمعزل عن الأشكال الفرجوية التي سكنت الثقافة الشعبية الكردية قروناً، لقد شكّل “Dengbêj” (المغني/الراوي) و”القصّاص” الشعبي نواةً درامية أولى، إذ كان يجلس في المقاهي والصالونات وعلى منصات طينية عالية، ليروي الملاحم الكردية، وعلى رأسها ملحمة “مم وزين” و”سيامند وخجي” مستخدماً صوته وإيقاعاته وإشاراته بوصفها أدوات أداء حية، إنني أنظر إلى هذا “الحكواتي الكردي” بوصفه النموذج الحقيقي للفنان المسرحي المونودرامي الشامل: كاتباً، وسيناريست، ومؤدياً، ومخرجاً، وصانعاً لموسيقاه التصويرية، ومفصّلاً لثيابه وإكسسواراته الخاصة، وهذا الحضور الشفهي الذي يمكن تسميته “المسرح المونودرامي الأول”، احتوى على عناصر المشهد والحوار والشخصية، لكنه ظل حبيس الجسد الواحد والفضاء غير المُؤطَّر مسرحياً.

ربما كانت تلك الليالي، حيث يروي الكردي الحكايات لجمهور من أبناء القرية قبل آلاف السنوات، هي الخطوة الأولى الصعبة في طريق المسرح الكردي، الطريق الذي كان أكثر من ألف ميل.

جاء النصف الأولى من القرن العشرين مرحلة دخول المجتمع الكردي في سوريا في تحولات بنيوية، مع رسم حدود الدولة السورية الوليدة وسياسات التعريب التي بدأت تتشكل، وفي هذه المرحلة ظهرت تجارب مسرحية مدرسية محدودة باللغة العربية في مناطق ذات كثافة كردية كقامشلو وعامودا وعفرين، ولم تسجّل المصادر أي محاولة منظمة لإنتاج عروض باللغة الكردية حتى مطلع سبعينات القرن الماضي، رغم حضورها في دمشق وقامشلو وغيرها، بيد أن البذرة الحقيقية انغرست مع صعود حركة ثقافية كردية سرية، تزامنت مع تنامي الوعي القومي في عموم كردستان، حيث بدأ مثقفون كرد سوريون بالكتابة المسرحية، وإن ظلت نصوصهم حبيسة الأدراج أو تُقرأ في جلسات ضيقة.

يمكن اعتبار نهاية سبعينات وبداية ثمانينات القرن العشرين اللحظة التأسيسية الحقيقية للمسرح الكردي في سوريا، حين أُنتجت أولى العروض المسرحية باللغة الكردية في فضاءات شبه سرية. كانت تلك العروض تُعرض في البيوت، أو في قاعات أو أحواش واسعة بعيدة عن رقابة الدولة، وتعتمد على نصوص بسيطة مشحونة بالرمزية الوطنية، وتوظف الفلكلور الكردي (الأغاني، الرقصات، الأزياء) باعتباره مادة بصرية ودلالية، وقد كان هذا المسرح هاوياً بالكامل، فاعتمد على ممثلين غير محترفين، وديكورات بدائية، وإضاءة تكاد تكون منعدمة، لكنه حمل طاقةً تواصلية هائلة مع جمهور متعطش لرؤية ذاته على الخشبة. وقد شكلت منصات احتفالات عيد نوروز، في كل المناطق الكردية، عاملاً جوهرياً في تقديم هذا المسرح الوليد واحتضانه، رغم افتقار تلك المنصات إلى الشروط الفنية الدنيا لصناعة مسرح حقيقي من إضاءة، وسينوغرافيا، وديكور، وكانت تلك المنصات، بكل بدائيتها النافذة الأولى التي طلّ منها المسرح الكردي على جمهوره، وساهمت في ظهور فنانين وفرق فنية للرقص والغناء والمسرح، شكلوا النواة الصلبة للمرحلة التالية.

التسعينات.. التبلور تحت سقف المنع: مهرجان المسرح الأول ومحطات التعثر 

مثّل عقد التسعينات مرحلة انتقالية فارقة، إذ شهدت الساحة السورية انفراجاً نسبياً عكسه المشهد الثقافي الكردي بولادة أول مهرجان للمسرح الكردي. أتذكر جيداً حضوري ذلك المهرجان الذي انطلق في التاسع من أيلول عام 1994، في أحضان طبيعة عفرين الساحرة، جاء المهرجان في الذكرى العاشرة لرحيل السينمائي والروائي الكردي العالمي والمخرج يلماز غوني، فحمل بعداً رمزياً مزدوجاً، تكريماً لقامة فنية كردية كونية، وإعلاناً عن ميلاد فضاء مسرحي جديد، وكان حدثاً استثنائياً بكل المقاييس، إذ جمع فرقاً من مختلف المناطق الكردية، وخلق حالة من التلاقح الفني والحوار النقدي، وأثبت أن ثمة طاقة إبداعية هائلة تنتظر لحظة انطلاقها.

لكن، وللأسف، لم يستطع المهرجان أن يكمل مسيرته سوى دورة واحدة ودورة متعثرة عام 1995، وقف وراء هذا التعثر جملة أسباب متشابكة، وفي مقدمتها الأسباب الأمنية والملاحقات المستمرة في زمن حافظ الأسد الذي نظر بعين الريبة إلى أي تجمع ثقافي كردي، أضف إلى ذلك أسباباً لوجستية تتعلق بضعف الدعم والتمويل، وخلافات داخلية بين الفرق المسرحية لأسباب حزبوية حالت دون استمرارية المهرجان لاحقاً ورغم قصر عمره، ترك المهرجان  أثراً لا يمحى، إذ شكّل لحظة وعي جمعي بإمكانية وجود مسرح كردي، وألهم جيلاً كاملاً من المشتغلين في الحقل المسرحي.

شهدت هذه الفترة أيضاً تأسيس فرق مسرحية كردية شبه معلنة في مدن قامشلو والحسكة وعامودا وديرك، وخاصة أن عام 1995، شهد الدورة الثانية من المهرجان المسرحي الكردي بمدينة قامشلو، مواصلاً ما بدأه دورة مهرجان عفرين التأسيسية، ورغم أنه كرّس تقليداً تنافسياً نقدياً. قدمت الفرق عروضاً تنوعت بين استلهام الملاحم الكردية وبين مسرحيات ذات طابع اجتماعي، إلا إن المهرجان لم يستطع استكمال برنامجه لأسباب أمنية وحزبية، وقد ساهمت المجلات والصحافة الكردية ودور النشر، في هذه المرحلة، بدور محوري في نشر مقالات ودراسات ونصوص مسرحية عديدة؛ ما أتاح للباحثين والمهتمين فرصة التعرف على بدايات المسرح الكردي وتراكمه النصي، وبدون هذا الجهد الموازي في التوثيق والنشر، لضاع جزء كبير من ذاكرة تلك التجارب.

ما بعد 2011..

الانفجار الكمي وتحولات النموذج

شكّل اندلاع الأزمة السورية عام 2011، ثم إعلان الإدارة الذاتية في روج آفا عام 2012، منعطفاً ثورياً في مسار المسرح الكردي، ولأول مرة تحولت اللغة الكردية من لغة مهمشة إلى لغة رسمية للإدارة والتعليم، مما رفع عن المسرح الكردي عبء “التعريب” ومنحه مشروعية مؤسسية غير مسبوقة. أُسِّست مديريات للثقافة، وافتُتحت أكاديميات ومعاهد للفنون تدرّس المسرح، ونشأت عشرات الفرق المسرحية في عموم مناطق روج آفا.

واستمرت الحياة المسرحية في بقية مناطق روج آفا، وأصبح المشهد أشبه بفيضان طال انتظاره فمن مهرجانات سنوية، إلى ورشات كتابة وتمثيل، تجارب إخراجية طموحة، وتعاون مع مسرحيين من أوروبا وكردستان. لكن؛ السؤال النوعي ظل مطروحاً بقوة حول علاقة هذه الوفرة بالعمق الجمالي، وحول الصراع بين نموذج “المسرح بوصفه بياناً” ونموذج “المسرح بوصفه سؤالاً”.

تجربتي الذاتية.. رحلة بين السخرية النقدية، الرؤيا، وألم النزوح 

أنتمي إلى جيل وُلد في نهاية ستينات القرن الماضي، جيل بدأ الكتابة في زمن كان فيه الاستماع إلى شريط كاسيت كردي يتطلب حذراً، لكن شغفي بالمسرح قادني في رحلة طويلة، جعلت من تجربتي مختبراً شخصياً للمسار الذي خطه المسرح الكردي في سوريا.

ـ البداية من رحم السخرية: “جمهورية المجانين” (1993):

جاءت انطلاقتي الفعلية الأولى في مدينة سري كانيه عام 1993، حين عملت على تحويل قصة “جمهورية المجانين” للكاتب الكردي حليم يوسف إلى عمل مسرحي، قُدّم على مسرح احتفالات نوروز. سمحت لي أجواء النص العبثية الساخرة بإسقاط المسرحية على واقع كردستاني كان ينزف من “حرب الإخوة” المحتدمة بين قوات الطالباني والبرزاني. كان العرض انتقاداً لاذعاً للحرب الأهلية، متخفياً وراء رداء “الجنون”، لاقى العمل قبولاً جماهيرياً لافتاً، إذ رأى الجمهور فيه مرآةً لواقعه الأليم، ووجد في ضحكاته المريرة مساحة للتفكير، وعلمتني هذه التجربة مبكراً أن المسرح الكردي يمكن أن يكون أداة ثورية نقدية تخاطب الجماهير في وجدانها وعقلها.

ـ المونودراما والرؤيا الاستشرافية: “الدرويش” (2005):

بعد سنوات، وجدت نفسي منجذباً إلى قالب المونودراما، ففي عام 2005، كتبت مسرحية “الدرويش”، التي أخرجتها بالتشارك مع الفنان أحمد عرب في مدينة سري كانيه، حملت “الدرويش” تنبؤاتٍ مخيفة تحققت لاحقاً بكل دقة وكأنها رؤيا فنية استشرفت الكارثة مثل: تحول ينابيع سري كانية إلى بحيرات دم، حرائق المحاصيل، هجوم التنظيمات المتطرفة، والتهجير الكبير، وأخيراً الحاجة الماسة إلى مرجعية كردية موحدة. علّمتني “الدرويش” أن المسرح، حين يكون صادقاً مع روحه، يتجاوز التوثيق ليصبح شكلاً من أشكال المعرفة الحدسية بالواقع.

ـ الكتابة من قلب الجرح: مونودراما “النازح” (2019):

لكن ما كان رؤيا في “الدرويش” أصبح واقعاً معاشاً في عام 2019. بعد احتلال المرتزقة المدعومة من جيش تركيا مدينة سري كانيه، وجدت نفسي، مثل آلاف العائلات، في مواجهة النزوح القسري، كانت الكتابة ملاذي الوحيد لمقاومة الصدمة وتحويل الألم إلى شهادة جمالية. هكذا وُلدت مونودراما “النازح”، التي لم تكن مجرد نص عن الفقدان، بل كانت صرخة من قلب الحدث، محاولةً لتوثيق مأساة التهجير والشتات باللغة المسرحية. قام بتقديمها الفنان أحمد عرب في أكثر من مناسبة بألمانيا، كما تم توظيف تقنيات المسرح الرقمي لعرضها عبر وسائل التواصل الافتراضي، في محاولة للوصول إلى الجمهور الكردي المشتت في المنافي الأوروبية، وللتكيف مع واقع فرضته المأساة نفسها.

ـ البحث في الجذور وتجديد الأسطورة: “منمنمات كردية” (2025):

ظللت مشدوداً إلى فكرة استعادة الملاحم والأساطير الكردية القديمة برؤية معاصرة، وتبلور هذا الهاجس في نهاية عام 2025، حين قدمت مجموعة مسرحيات قصيرة تحت عنوان “منمنمات كردية” إلى مهرجان عثمان صبري للثقافة (دورة النص المسرحي)، واستلهمت هذه “المنمنمات” روح العمل المسرحي الهام للكاتب السوري الراحل سعد الله ونوس “منمنمات تاريخية”، لكنني نقلتها إلى التربة الكردية. كان هذا العمل تتويجاً لرغبة قديمة في اختبار إمكانية وجود “مسرح كردي” ينطلق من الخصوصية الثقافية ليصل إلى سؤال إنساني عام.

ـ خبرة الممارسة: الإخراج، النقد، والتدريس:

بالتوازي مع الكتابة والإخراج، منحني احتكاكي بمهرجانات المسرح، وعملي في شركات الإنتاج الدرامي، وممارستي للنقد الأدبي والفني، معرفة أوسع بدور المسرح الحيوي في حياة المجتمعات. وقد أثمر هذا التراكم في كتابة عشرات الأبحاث والدراسات في النقد وتاريخ المسرح الكردي والسوري والعالمي، محاولاً سد ثغرة التوثيق والتحليل، لكن يبقى تتويج هذا المسار في روج آفا مع تأسيس المعهد العالي للفنون المسرحية والموسيقية والسينمائية بروج آفا، والعمل ضمن هيئته التدريسية، والمشاركة في إعداد قسم من مناهجه النظرية.

إن وجودي في هذا المعهد هو استثمار في المستقبل، تتمثل في بناء جيل جديد من المسرحيين الكرد، مزودين بأدوات أكاديمية منهجية، إنني أتأمل من طالباتي وطلابي أن يكونوا جيلاً قادراً على صناعة المسرح والسينما والدراما باللغة الكردية، جيلاً يحوّل “مسرح الضرورة” إلى “مسرح الإمكان” الحقيقي.

إشكاليات راهنة وآفاق مستقبلية

بعد قرابة نصف قرن من أولى المحاولات، يقف المسرح الكردي في سوريا اليوم على عتبة سؤال مركزي مفاده كيف ينتقل المسرح الكردي من “مسرح الضرورة” إلى “مسرح الإمكان”؟ أرى أن التحديات الكبرى تتلخص في التكوين الأكاديمي المفقود، وهيمنة الخطاب على الجمالي، إضافة إلى البنية الإنتاجية الهشة، وغياب التوثيق والنقد. لكن؛ إنشاء المعهد العالي للفنون يمثل خطوة حقيقية في الاتجاه الصحيح لمواجهة هذه التحديات، وخاصة أن السنوات الأخيرة أثبتت أن ثمة طاقة شبابية هائلة تتلمس دروب التطوير، كما أن ظهور كاتبات ومخرجات كرديات يبشر بتفكيك المركزية الذكورية وإحداث زلزال إبداعي في قادم السنوات.

شهادة كاتب بين الماضي والحلم

أرى أن رؤيتي للمسرح الكردي تتمحور حول “التوازن الصعب” بين الالتزام بالهوية من دون الانحباس فيها، وبين الطموح الفني الكوني من دون استلاب، وأؤمن أن على الكاتب المسرحي الكردي أن يكون شاهداً على زمنه، لكن شهادته يجب أن تنصهر في بوتقة جمالية تجعل العرض المسرحي حدثاً حسياً وفكرياً، لا خطاباً مُلقَناً، ما زلت أحلم بخشبة كردية تستضيف هاملت الذي يتردد بين اللهجات الكردية الجميلة.

الطريق إلى المسرح كان أكثر من ألف ميل، وكانت الخطوة الأولى صعبة جداً، وربما كانت تلك الخطوة الأولى، قبل آلاف السنين، حين كان الحكواتي الكردي يروي حكاياته في ليلة شتوية. لكن؛ اليوم ونحن نقف في قاعة المعهد العالي، نعلم أن آلاف الأميال قد قُطعت، وأن الطريق أمام الأجيال القادمة صارت، لأول مرة، مرئية وممكنة.

 

صحيفة روناهي

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

× Zoomed Image
Scroll to Top