بين “المجتمع الكوردي” و”الشعب الكوردي”.. عندما تعكس المصطلحات رؤية الدولة لمكوناتها

تكبير الصورة

ميشو هكاري
في السياسة، لا تكون الكلمات مجرد ألفاظ عابرة، بل تحمل دلالات قانونية وسياسية وتاريخية، وتعكس في كثير من الأحيان رؤية الدولة لمكوناتها الوطنية. ومن هذا المنطلق، أثار استخدام الحكومة السورية لمصطلح "المجتمع الكوردي" نقاشاً واسعاً، لأن القضية لا تتعلق بمفردة لغوية بقدر ما تتعلق بطبيعة الاعتراف بالهوية القومية للكورد في سوريا.
فالكورد في سوريا ليسوا مجرد مجتمع اجتماعي أو ثقافي، بل هم شعب ذو هوية قومية راسخة، تجمعه لغة مشتركة وثقافة وتاريخ وإرث حضاري ممتد عبر آلاف السنين، ويُعدّون ثاني أكبر قومية في سوريا. ولذلك، فإن مصطلح "الشعب الكوردي" يعبر بصورة أدق عن هويتهم القومية، وهو المصطلح الأكثر انسجاماً مع تعريف الكورد لأنفسهم، كما أنه حاضر في الأدبيات السياسية والحقوقية عند الحديث عن الشعوب ذات الهوية القومية.
إن حساسية الكورد تجاه هذه المصطلحات لا تنبع من خلاف لغوي، بل من تجربة تاريخية طويلة شهدت سياسات شعروا خلالها بعدم الاعتراف الكامل بهويتهم القومية، أو اختزالها في إطار اجتماعي أو ثقافي. ولهذا، فإن أي مصطلح يصدر في خطاب رسمي لا يُنظر إليه بوصفه اختياراً لغوياً فحسب، بل باعتباره رسالة سياسية تعكس طبيعة العلاقة التي ترغب الدولة في بنائها مع أحد أهم مكوناتها الوطنية.
إن سوريا التي يتطلع إليها الكورد هي سوريا فدرالية لامركزية تعددية، تقوم على الشراكة الحقيقية بين جميع مكوناتها القومية والدينية والثقافية، وتضمن توزيعاً عادلاً للسلطات بين المركز والأقاليم، بما يحفظ وحدة البلاد وسيادتها، ويصون في الوقت نفسه حقوق جميع مكوناتها القومية دون تمييز. فمثل هذا النموذج لا يهدف إلى تقسيم الدولة، بل إلى بناء دولة أكثر استقراراً وعدالة، يشعر فيها جميع السوريين بأنهم شركاء حقيقيون في صنع مستقبل وطنهم.
ومن هذا المنطلق، فإن استخدام مصطلح "المجتمع الكوردي" وحده قد يُفهم على أنه لا يعكس بصورة كاملة الهوية القومية للكورد، حتى وإن لم يكن ذلك مقصوداً. ولذلك، فإن اختيار المصطلحات في هذه المرحلة الدقيقة ليس مسألة شكلية، بل خطوة مهمة في بناء الثقة وترسيخ شراكة وطنية حقيقية بين الدولة وجميع مكوناتها.
إن احترام الطريقة التي يعرّف بها كل مكون نفسه ليس مجاملة سياسية، بل هو حق أصيل، وأحد أسس العدالة والاعتراف المتبادل. فالدول الديمقراطية لا تُبنى على إنكار الهويات أو إعادة تعريفها، وإنما على احترامها وصونها ضمن إطار دستوري يكفل المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات.
إن الاعتراف بالشعب الكوردي لا يُعد منحة من أحد، ولا ينتقص من وحدة سوريا أو سيادتها، بل هو اعتراف بحقيقة تاريخية ووطنية، وبوجود ثاني أكبر قومية في البلاد كشريك أصيل في بناء حاضرها ومستقبلها. فكل مشروع وطني يسعى إلى بناء سوريا مستقرة وعادلة لا يمكن أن يكتمل دون الاعتراف الكامل بالهوية القومية للشعب الكوردي، وضمان حقوقه الدستورية والسياسية والثقافية، ضمن إطار سوريا فدرالية لامركزية تعددية، تقوم على الشراكة الحقيقية وسيادة القانون واحترام التنوع القومي والثقافي.
وفي لحظة تاريخية تتطلع فيها سوريا إلى طي صفحات الصراع وفتح آفاق جديدة للمصالحة الوطنية، يصبح الخطاب السياسي مسؤولية وطنية قبل أن يكون مجرد تعبير لغوي. فالكلمات التي تعترف بالجميع، وتحترم هوية الجميع، هي وحدها القادرة على بناء الثقة، وترسيخ الشعور بالشراكة، وصياغة مستقبل يشعر فيه كل سوري، عربياً كان أم كوردياً أم سريانياً آشورياً أم تركمانياً أم أرمنياً أم شركسياً، بأن هذا الوطن وطنه، وأن هويته مصانة، وكرامته محفوظة، وشراكته فيه ليست محل نقاش، بل حقيقة راسخة يؤكدها الدستور ويحميها القانون.
المصدر: رووداو

× Zoomed Image
Scroll to Top