إيلان بيرمان
نائب الرئيس الأول في المجلس الأمريكي للسياسة الخارجية
مقالة رأي في الواشنطن بوست
سارت عملية إعادة تأهيل واشنطن لسوريا بسرعة لافتة. فعلى مدى الأشهر القليلة الماضية، فككت الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من بنية العقوبات التي عزلت البلاد لسنوات، واستأنفت التواصل الدبلوماسي مع دمشق، وبدأت باستكشاف آفاق جديدة للتعاون الأمني مع الحكومة السورية الوليدة برئاسة أحمد الشرع.
والمنطق وراء ذلك مفهوم. فسقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 على يد قوى المعارضة التي قادتها هيئة تحرير الشام بزعامة الشرع، شكّل فرصة لا تُقاوم بالنسبة للولايات المتحدة. فقد فتح الباب أمام إخراج سوريا من المدار الإيراني الذي ظلت متمركزة فيه لعقود تحت حكم حافظ الأسد أولا ثم ابنه بشار من بعده. كما حمل في طياته احتمال استقرار دولة ممزقة بعمق، إذا ما ترسخت فعلًا حكومة أكثر براغماتية.
وقد يؤتي هذا الرهان ثماره في نهاية المطاف. والواقع أن الأيام الأخيرة شهدت مؤشرات جديدة على التعاون بين سوريا والوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة. ومع ذلك، بات من الواضح بشكل متزايد أن واشنطن، على الأقل في الوقت الراهن، تراهن استنادًا إلى الأمل أكثر من استنادها إلى أدلة ملموسة.
فالتطورات الداخلية في سوريا توحي بأن البنية الأيديولوجية لحكام البلاد الجدد لم تتغير بالقدر الذي قد يتمنى المسؤولون الغربيون تصديقه. فخلف الخطاب الدبلوماسي الأكثر صقلًا للحكومة الجديدة، تكمن حركة إسلامية لا تزال تروّج للعديد من الأفكار ذاتها التي ميزت نشأتها كفرع تابع لتنظيم القاعدة.
خذوا التعليم مثالًا. فدراسة جديدة أجراها مركز ألما للأبحاث والتعليم الإسرائيلي تتناول بالتفصيل منهج شبكة مدارس “دار الوحي الشريف”، وهي منظومة تعليمية تابعة لهيئة تحرير الشام الحاكمة. والنتائج مقلقة. فبحسب التقرير، يبدأ التلقين الأيديولوجي الجهادي والسياسي منذ مرحلة الروضة في مدارس هذه الشبكة، التي “تعمل الآن في محافظات رئيسية في جميع أنحاء سوريا، بما في ذلك حلب وحماة ودمشق واللاذقية ودرعا”. وتُمحى إسرائيل بشكل ممنهج من الخرائط الدراسية وتُستبدل بـ”فلسطين”. ويُصوَّر اليهود والمسيحيون كأعداء دائمين للإسلام، ويُقدَّم الجهاد المسلح ضدهم كواجب ديني.
وهذه ليست مجرد أمثلة معزولة على التعصب، بل تعكس جهدًا رسميًا معتمدًا لصياغة الجيل السوري القادم وفق رؤية عالمية متطرفة ورافضة.
وفي الوقت ذاته، تصارع دمشق مشكلة أخرى لم تُحل بعد، وهي تكشف بدورها الكثير عن طبيعة النظام السوري الجديد: مسألة المقاتلين الأجانب.
يضم الجيش السوري حاليًا نحو خمسة آلاف متطرف قاتلوا إلى جانب هيئة تحرير الشام خلال حملتها الناجحة للإطاحة بالأسد. وقد اتُّهم كثير منهم بارتكاب انتهاكات بحق الأقليات في سوريا، بما في ذلك عمليات قتل خارج نطاق القضاء وأعمال عنف طائفي. ومن الطبيعي أن استمرار وجود هذه العناصر على الأراضي السورية قد أثار قلق دول الجوار مثل إسرائيل ولبنان، وأثار تساؤلات جدية لدى المجتمع الدولي حول مدى موثوقية الجهاز الأمني السوري.
علاوة على ذلك، كان من المفترض أن تكون هذه القضية قد حُلّت أصلًا. فإخراج المقاتلين الجهاديين الأجانب من صفوف القوات المسلحة السورية كان شرطًا أمريكيًا محوريًا لرفع العقوبات بعد سقوط الأسد. لكن رغم التنازلات الأمريكية الكبرى، بما فيها إلغاء بنية الضغط الاقتصادي الواسعة التي فرضها الكونغرس بموجب قانون قيصر لعام 2019، لم تحرز حكومة الشرع سوى تقدم محدود في هذا الاتجاه. بل على العكس، بات واضحًا بشكل مؤلم أن هؤلاء المقاتلين لا غنى عنهم بالنسبة للنظام السوري الجديد للحفاظ على سلطته، وذلك تحديدًا لأنهم يشكلون بعضًا من أكثر أنصاره ولاءً وصلابة في القتال.
وتضع هذه الحقائق صناع القرار الأمريكيين أمام واقع مزعج. فالفرضية المحورية التي تقوم عليها مقاربة إدارة ترامب الحالية هي أن الانخراط سيؤدي تدريجيًا إلى اعتدال الحكومة السورية. لكن الاعتدال يصعب تحقيقه عندما يعتمد بقاء نظام ما سياسيًا على دعم المتشددين ونشر الأيديولوجيا المتطرفة.
ولا يعني شيء من هذا أنه ينبغي على الولايات المتحدة التخلي عن الانخراط كليا. فسوريا المستقرة, المستقلة عن إيران، والمساهمة بشكل فعلي في مكافحة الإرهاب الإقليمي، والحامية لأقلياتها، من شأنها أن تخدم مصالح واشنطن في الشرق الأوسط. لكن هذا التطبيع ينبغي أن يُكتسب لا أن يُفترض.
ولحسن الحظ، لا تزال واشنطن وشركاؤها يملكون نفوذًا كبيرًا على دمشق، يتمثل في المساعدات الاقتصادية والتعاون الدفاعي والاعتراف الدبلوماسي والدعم المالي الدولي. وينبغي توظيف هذه الأدوات بشكل مدروس، مع ربطها بمعايير قابلة للقياس مرتبطة بإصلاح حقيقي.
فأمور مثل إخراج المقاتلين الأجانب من القوات الأمنية السورية، والحماية الفعلية للأقليات الدينية والعرقية، والمراجعة الشاملة للمواد التعليمية المتطرفة، لا ينبغي أن تبقى أهدافًا طموحة، بل يجب أن تكون الحد الأدنى من المتطلبات لأي شراكة أعمق.






