حرب عالمية باردة تُدار بالصفقات

تكبير الصورة

د. محمود عباس

تجلّت استراتيجية الإمبراطوريات في إحدى أبشع صورها، أن تساعد حليفك على القتال، وتفتح لخصمه منفذًا اقتصاديًا، ثم تطلب من الحليف التكيّف مع صفقة يدفع ثمنها. في 9 أكتوبر، أعلن ترامب اتفاقًا لتوريد الديزل الروسي، بينما تواصل أوكرانيا وحلفاؤها الضغط على موارد موسكو. ثم أعلن تفاهمًا لوقف استهداف منشآت الطاقة، دون تأكيد روسي واضح عند الإعلان، فيما طلبت كييف التفاصيل. هكذا يجد الحليف نفسه طرفًا في الحرب، دون أن يكون شريكًا مكافئًا في تقرير شروط تسويتها.

هنا تتبلور ملامح حرب عالمية باردة يدخل فيها الترابط الاقتصادي في صلب المواجهة. تتصارع القوى على التكنولوجيا والممرات والنفوذ، وتتفاوض على الطاقة والأسواق وتسويات الحروب. الصفقة قد تؤجّل الصدام بين الكبار، وتنقل كلفته إلى حلفائهم. لذلك يُقاس التفاهم بمَن يصوغ شروطه، ومَن يملك نقضه، ومَن يُجبر على دفع ثمنه؛ فقد يتصافح الخصمان، بينما يُقدَّم الحليف قربانًا لتفاهمهما.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

الترخيص الأمريكي لتجارة الديزل الروسي حتى 7 أبريل 2027 يضع العقوبات أمام تناقض مباشر، تطالب واشنطن الحلفاء بتقليص اعتمادهم على روسيا، ثم تفتح الاستثناء عندما تتغير حاجتها. تصبح العقوبات وسيلة للتحكم في شروط التجارة، إلى جانب إضعاف الخصم. وما يُطلب من الحليف التزامًا ثابتًا يغدو عند صاحب النفوذ قاعدة قابلة للتعديل؛ فتظهر داخل التحالف درجات متفاوتة من السلطة والسيادة.

تدخل انتخابات نوفمبر وأسعار الوقود في القرار، لكن الدافع الداخلي لا يلغي أثره الخارجي. تستطيع الإدارة تخفيف ضغط السوق، وفتح التفاوض مع موسكو، وزيادة الضغط على كييف بخطوة واحدة. وعندما يتزامن الهجوم على زيلينسكي مع تسهيل التجارة الروسية، يصبح السؤال عن شروط استمرار الدعم أكثر إلحاحًا. وقف استهداف الطاقة قد يخفّف الخسائر، لكن قيمته تتوقف على الالتزام والضمانات، وعلى منع تحويله إلى استراحة لطرف وإكراه للآخر.

لفهم هذه المرونة، ينبغي تناول الدولة العميقة العصرية بوصفها شبكة مصالح وقدرات تتغلغل في القرار. شركات التكنولوجيا والخوارزميات والذكاء الاصطناعي، ومعها الطاقة والتمويل، تمتلك مفاتيح يحتاج إليها الاقتصاد والأمن معًا. وتتداخل مع الصناعات العسكرية عبر الحوسبة والأقمار الصناعية والاتصالات وأنظمة الاستهداف. الجديد هو اتساع قدرة الشركات على التحكم بالبنية التي تعمل فوقها الدولة، إلى جانب تأثيرها التقليدي في سياساتها.

بهذا المعنى، تتنافس داخل السلطة أولويات الأمن والتجارة والتفوق التقني، دون أن تتوزع على معسكرين منفصلين. مَن يملك البيانات والمنصات والرقائق وسلاسل الإمداد يؤثر في كلفة القرار وإمكان تنفيذه. وقد ترى المؤسسة الأمنية ضرورة معاقبة طرف، بينما تخشى مصالح أخرى خسارة سوقه أو تعطّل التفاوض معه. هذا التداخل يفسّر بعض التناقضات، لكنه لا يجعل كل قرار دليلًا على سيطرة شركة بعينها.

الصين تكشف هذه المعادلة: منافس تقني وتجاري، وطرف في حسابات تايوان، ومصدر محتمل لدعم الخصوم العسكريين. في مايو عاقبت الإدارة ثلاث شركات أقمار صناعية صينية بسبب صور قالت إنها تساعد إيران على استهداف القوات الأمريكية. وفي سبتمبر نُقلت اتهامات تربط صورًا صينية بضربة إيرانية قتلت ثلاثة جنود أمريكيين في الأردن خلال يوليو. ومع ذلك، كان ترامب قد أعلن ثقته بتأكيدات شي وبوتين أنهما لا يسلّحان إيران.

اختلاف الخطابين يكشف تفاوتًا في ترتيب الأولويات: المؤسسة الأمنية تفحص سلسلة التهديد، والقيادة السياسية توازن كلفة مواجهتها على الملفات الأخرى. وإذا بقي الدعم غير المباشر قابلًا للتفاوض، يستطيع الخصم توسيع مساعدته مع تجنّب المواجهة المباشرة. تصبح حدود الردع موضع اختبار مستمر، ويجد الحليف نفسه أمام التزام يتغيّر بحسب وزن قضيته داخل المساومة الكبرى.

أوروبا تواجه الأثر نفسه. تدعم أوكرانيا وتتحمّل كلفة العقوبات واضطراب الطاقة، ثم يفاجئها استثناء أمريكي يعيد فتح منفذ لروسيا. الخطر يتجاوز الصفقة إلى الثقة بالقواعد المشتركة: حين يستطيع طرف تعديلها منفردًا، تتوزع الكلفة على الجميع بينما يتركّز القرار عنده. والإفراط في هذه السياسة يدفع الحلفاء إلى تنويع أسواقهم وحمايتهم، ويمنح المنافسين فرصة لاستثمار تآكل الثقة.

لا تثبت صفقة الديزل وجود اتفاق ثلاثي لتقسيم العالم. الاستثناء المؤقت قد تحرّكه حاجة انتخابية؛ أما تكرار التفاهمات التي تفرض تنازلات على الحلفاء دون مشاركتهم، فيكشف اتجاهًا أعمق إلى توزيع النفوذ على حسابهم. هنا يكمن الاختبار: هل تبقى الصفقات محدودة، أم تتحول إلى طريقة منتظمة لتسوية الصراعات وإلزام الآخرين بنتائجها؟

العالم يستطيع ممارسة الحرب الباردة وتقاسم المصالح معًا. وفيه تُقاس قوة التحالف بقدرة أعضائه على المشاركة في القرار ورفض المساومة عليهم. مَن لا يملك هذه القدرة قد يبقى حليفًا في الخطاب، بينما تصبح أرضه وأمنه وقضيته عملةً في صفقة الآخرين.

الولايات المتحدة الأمريكية
12/10/2026 م


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top