التقرير السياسي
التوتر ما برح سيد الموقف في العلاقات الدولية، فيما باتت المؤتمرات الصحفية والتصريحات مجرد مجاملات دبلوماسية، والإعلام معرض صور وأحاديث مثيرة، بينما القرارات المصيرية تتخذ بعيداً عن الأضواء. الولايات المتحدة تفتح أكثر من ملف حساس على الساحة الدولية، فيما تبدي الأمم المتحدة ومؤسساتها عجزاً غير مسبوق منذ تأسيسها.
وفي هذا السياق، تستخلص وقائع المشهد الإقليمي أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تقوم على إدارة التصعيد لا الحسم، وأن الرهان على هزيمة أيديولوجية الخصم كمدخل لتغيير الخريطة السياسية والجغرافية للمنطقة، كما جربته واشنطن في أفغانستان والعراق، هو مغالطة أثبتت التجارب فشلها، وهو ما تدركه الإدارة الأميركية اليوم في سياستها تجاه إيران، إذ تتبنى خطة “تصعيد مضبوط” في مضيق هرمز تقوم على ضربات محدودة وحصار اقتصادي مع إبقاء باب التفاوض موارباً، وسط حسابات انتخابية وعسكرية تضع سقفاً للتصعيد. غير أن المواجهة غير المتكافئة في المضيق وقدرة إيران على إبقاء الملاحة مكلفة تجعل هذا النموذج عرضة للانزلاق إلى دورات رد ورد مضاد يصعب ضبطها، خاصة أن الحرب الأميركية على إيران ليست حرباً تقليدية ضد دولة بعينها ونظام حكم فيها، بل هي قصف تمهيدي لإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط وضبط الممرات والطرق التجارية. وفي موازاة ذلك، يعكس اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي جاء كنتيجة لهذه الحرب، انتقالاً تدريجياً من الاعتماد الأحادي على واشنطن إلى ترتيبات أمنية ذاتية متعددة الأطراف، وإن ظل أقرب إلى الخيار الاحترازي منه إلى حلف فاعل، بسبب غموض آلياته وتباين أولويات الدول الثلاث.
أما أوروبا والصين، فتعيدان تشكيل موازين القوى العالمية، بعدما أدرك الأوروبيون أن الحرب على أوكرانيا هي حربهم، وأن خسارتها تعيدهم إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، وأهمية إعادة تعريف العلاقة مع موسكو وواشنطن في هذا السياق. وفي المقابل، تراقب بكين المشهد من موقع المستفيد الصامت، متجنبة الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة، ما يعكس سياسة مرنة لكنها مرشحة للتغير مع تضخم مصالحها، وحرب إيران ليست سوى امتحان مبكر لها قد يغير حيادها إذا اتسع النزاع.
أما على الصعيد السوري، فتداعيات هذه التحولات تطال مباشرة موازين القوى، وتفرض على السوريين مهمة شاقة تتمثل في إعادة بناء دولتهم وسط هذه المناخات المشحونة وبعد خمسة عقود من الجمود وحكم حزب البعث وآل الأسد، وأكثر من عشر سنوات من القتل والتدمير، وما كانت لها من نتائج كارثية على التآلف المجتمعي والمشروع الوطني الجامع. وإن كانت الثورة هي التي أوجدت المناخ العام للتغيير، فإن ترتيبات السلطة الحالية لم تكن بالضرورة انعكاساً مباشراً لما هتف به السوريون في ساحاتهم، والمرحلة الانتقالية لن تكون سهلة طالما غابت أغلب الفعاليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية عن المشاركة في إعادة بناء الدولة المنشودة.
ومع ذلك، يمكن اعتبار الاستثناء الوحيد عن هذه القاعدة عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري الناشئ، ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مثيلاتها في هيكل الدولة، وهي خطوة قد تشكل نموذجاً يُحتذى في تجاوز الانقسامات، لكنها تبقى غير كافية وحدها لضمان نجاح الانتقال ما لم تترافق بمشاركة فعلية لكل مكونات الشعب السوري في رسم ملامح دولتهم الجديدة.
لقد أدى الكفاح المسلح رسالته في إيصال القضية الكردية إلى ما وصلت إليه من اعتراف وتمثيل، وآن الأوان لاستكمال المسيرة بالنضال السلمي الذي يحمي المكتسبات ويؤسس لدولة تشاركية لا مركزية، تنتقل فيها القضية الكردية من منطق الدفاع المسلح إلى منطق المشاركة الفاعلة في بناء الوطن. فاستمرار خيار العمل المسلح لم يعد يمنح الكرد مكاسب جديدة بقدر ما يمنح خصومهم ذرائع لتصعيد الضغوط العسكرية والدبلوماسية، ولذلك فإن الكردي اليوم، أينما كان، مطالب بالانتقال من جبهات القتال إلى ساحات العمل السياسي والدبلوماسي، ومن ثقافة السلاح إلى لغة التفاوض والمشاركة في الدولة. غير أن هذا الانتقال، وإن بدا حتمياً بحكم المعطيات المذكورة، يبقى مشروطاً بضمانات سياسية ودستورية تحمي الكرد من الإقصاء أو التهميش أو العودة إلى أجواء المواجهات التي أنهكت الجميع، وبقدرة الأطراف الأخرى على احتواء المخاوف المشروعة ضمن إطار دولة المواطنة والقانون، لا ضمن منطق الغلبة والنفوذ الذي ساد العقود الماضية.
في الوقت الذي نثمن فيه دور قوات سوريا الديمقراطية، الموسومة بالكردية في الذاكرة الدعائية رغم تنوع مكوناتها، في محاربة اعتى قوة عسكرية هي “داعش” في زمن عجزت عن محاربته دول وأحلاف، ونثمن ما تحقق للكرد من خلال تضحياتها، فإننا نطالب أحزاب الحركة الكردية وفعالياته المدنية والثقافية باستمرار النضال السلمي انطلاقاً من حيث انتهى قسد كتشكيل عسكري مستقل، ومن حيث حققه المقاتلون، والعمل كفريق أو إطار واحد لتوسيع الحقوق. فالقضية الكردية لا تنحصر في مناصبَ تمنحُ أو تُسحب، ولا في نصوص تعترف بوجودٍ لا ترسخ حقوقه، بل بضمانات دستورية راسخة تكرس الشراكة الحقيقية. فالكرد شعب يعيش على أرضه وليسوا مجموعة عابرة أو مجرد مكون، والعمل على ربط المناطق الكردية الثلاث مع بعضها ثقافياً وإدارياً واعتبارها وحدة سياسية عابرة للجغرافيا، والعمل على جعل اللغة الكردية لغة ثاني قومية في البلاد وليست مجرد لغة وطنية، والعمل على تأسيس مجمع اللغة الكردية وتطويرها إلى لغة مناهج تواكب الثورة الرقمية.
لقد تعاملنا بإيجابية مع الاتفاقيات التي وقعت بين قوات سوريا الديمقراطية والسلطة الجديدة (10 آذار 2025، 29 كانون الثاني 2026، كما مع المرسوم 13 الخاص بالكرد)، رغم ملاحظاتنا على بعض البنود والصياغات، كما على استفراد الجنرال مظلوم عبدي كرجل عسكري في التوقيع على قرارات مصيرية في الجانب السياسي، وعلى التغييب المتعمد للجنة المنبثقة عن كونفرانس نيسان 2025 ومخرجاته الأخرى. ففي 25 آب 2026، أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية في دمشق عن حل قواته ودمجها كلياً في الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي، كما عن انتهاء الإدارة الذاتية ودمجها في الدولة السورية.
نحن كحزب سياسي كردي سنتعامل بإيجابية مع أي خطوة من شأنها وقف الحرب وإحلال السلم وردم الهوة بين الكرد والعرب وباقي الطيف السوري، إلا أننا معنيون بالجانب السياسي أكثر، وبقضيتنا القومية وحقوق شعبنا في الدرجة الأولى. تعاملنا الإيجابي كان وما زال من منطلق الحرص على حقوقنا القومية ضمن الوطن السوري، نابعاً من قراءاتنا السياسية وتفهمنا للضغوط التي تمارس على الطرفين على حد سواء من قبل قوى إقليمية ودولية تنسق فيما بينها وتتحكم بدفة البلاد عن بعد، كما من قناعتنا بأن السياسة فن تحقيق الممكن، وأن الحقوق لا تُنتزع دفعة واحدة، بل تُبنى خطوة فوق خطوة. لكننا أكدنا ونؤكد ثانية أن أي مكسب قد يزول ما لم يُوثق في الذاكرة الجمعية، وما لم يكن محمياً بدستور، وما لم يكن خلفه حراسٌ يرعونه وأيادٍ تواصل البناء عليه. من جهتنا، سنستمر في نضالنا السلمي من أجل سوريا لا مركزية تعددية ديمقراطية، ومن أجل حقوق شعبنا في الإنصاف والشراكة في الوطن. فعلى الصعيد الكردي، سنتمسك باستقلالية القرار الكردي السوري، فلا تلهينا المناوشات البينية، ولن ننجر إلى درك الصراع ضمن البيت الكردي، بل سنعمل من أجل حالة جمعية توحد الخطاب وتحرس الحقوق والمنجزات. وعلى الصعيد الكردستاني، سنحترم الجميع دون التدخل في خصوصياتهم أو الوقوف مع طرف ضد آخر. وعلى الصعيد الوطني السوري، لن نتردد في المساهمة مع القوى الديمقراطية والغياري في مسعى بناء دولة الحقوق والمواطنة.
اللجنة السياسية
لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا
3/9/2026
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






