حزب الوحدة: لا بديل عن الحوار وترتيب البيت الكردي، وتأسيس مرجعية سياسية منتخبة ومتوازنة

التقرير لسياسي

لشهر نيسان 2026

مع حلول نهاية شهر نيسان، دخلت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران شهرها الثالث، في مشهد يتسم بغياب المنتصر أو المهزوم ظاهرياً، واستمرار حالة اللاحسم العسكري، وغياب أي أفق واضح لنهاية هذه الحرب شبه الإقليمية. إذ يستثمر كلا الطرفين الوقت لصالحه، فيما بدأت تتبلور معالم “لعبة عض الأصابع” التي أفرزتها ديناميات الصراع، من دون أن تفلح وساطة باكستان ومن ورائها تركيا، أو تؤثر مواقف بعض الدول الغربية، بل وحتى الرفض الصيني–الروسي الذي كان منتظراً أن يكون أكثر دفاعاً عن طهران، في تغيير مسار الحرب أو السلم. بل يمكن القول إن روسيا، على نحو خاص، باتت من المستفيدين من استمرار الحرب، بعد أن أدت إلى ارتفاع أسعار النفط وتحقيق انتعاش اقتصادي لها، إلى جانب رفع جزئي وغير معلن للقيود على صادراتها النفطية.

الطرف الأمريكي لا يخفي رغبته في دفع إيران نحو ما يشبه الاستسلام، أو القبول بشروطه التي تراعي مصالح إسرائيل وبعض الأطراف الخليجية، بينما تواصل الحكومة الإيرانية السير ضمن خطها الأيديولوجي المقاوم، تحت ضغط وتصلب جنرالاتها. وفي ظل غياب أسس واضحة لوقف إطلاق النار من الجانب الأمريكي، تبدو هذه الحرب من طراز خاص، غير واضحة المعالم، وكأنها أداة وخطوات نحو صفقة اقتصادية–أمنية تستهدف الهيمنة على مضيق هرمز وضبط الأذرع العسكرية الإيرانية إقليمياً. وتتفاقم هذه التعقيدات بسبب التباين الجوهري بين واشنطن وتل أبيب؛ إذ تريد الأولى تقييد القدرات الإيرانية ثم التسوية لحماية أولوياتها في آسيا وتحالفاتها الغربية، بينما تنظر الثانية إلى الحرب كفرصة لتفكيك المشروع الإيراني الإقليمي بالكامل، وإعادة تشكيل النظام الإقليمي وفق مصالحها واستراتيجياتها.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى المشهد مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، في غياب أي مؤشرات قريبة على تسوية أو نهاية مرتقبة لهذه الحرب الرمادية غير المحددة المعالم.

سببت هذه الحرب واستكملت حالة الاضطراب والفوضى في الشرق الأوسط، وأصبحت تؤثر سلباً على كافة مناحي الحياة في دول الإقليم، وعلى مستوى معيشة الناس. فالدول غير المستقرة أصلاً، كسوريا والعراق ولبنان، تضاعفت معاناة مجتمعاتها. حتى أن مدن الخليج الثرية شهدت موجات نزوح للبشر والأموال إلى بقاع أخرى يتوفر فيها الأمان والاستقرار.

تأثرت سوريا، سلطةً ومجتمعاً، بلهيب هذه الحرب، وما زالت تقع ضمن بؤرة التوتر ومساحة الفوضى. فالصورة التي تظهر من الخارج تختلف عن الواقع في الداخل؛ فالسلطة الجديدة تتحدث عن مؤسسات وعدالة وحقوق وسيادة، لكنها تمارس المحاصصة وتوزيع الغنائم مع أمراء الحرب. كما تبرز ظاهرة الفساد والمحسوبيات، فيما عجلة الاقتصاد والإنتاج شبه متوقفة. وبصرف النظر عن الوعود الشفاهية، فإن السيادة مطعونة: ففي الجنوب يترسخ النفوذ الإسرائيلي في رقعة جغرافية واسعة، وفي الشمال يتمدد النفوذ التركي بصيغة أو بأخرى، أما في الشرق فهناك حاجة إلى هندسة إدارية خاصة بعد انتهاء عهد الإدارة الذاتية. هذا كله يشكل فراغاً أمنياً وإدارياً، فضلاً عن انهيار اقتصادي وتفشي البطالة.

تتباهى الحكومة الانتقالية بالإنجازات على الصعيد الخارجي، لكنها تتهرب من الاستحقاقات الداخلية، وتتجنب الحديث عن الإعمار والبطالة وتوفير الخدمات، وتراجع القيمة الشرائية لليرة السورية يوماً بعد آخر. فرغم الفرحة التي شعر بها المجتمع بعد سقوط نظام الاستبداد، إلا أنه لم يهنأ بعد لا بالأمان المطلوب ولا بالحد الأدنى من المعيشة. فالأزمة متفاقمة، بدءاً من سعر الرغيف والغاز والكهرباء والماء، وصولاً إلى انهيار المداخيل أمام تصاعد الأسعار، إلى درجة يصعب معها ردم الهوة بسهولة. كما أن شعار “لا للخيمة” بات حبراً على ورق، دون أن يتم إصلاح البنية التحتية اللازمة لعودة المهجرين إلى ديارهم.

تداخلت الأزمة العامة التي يعيشها السوريون جميعاً مع الأزمة السياسية الكردية الخاصة، إذ ثمة قلق يعانيه أبناء الشعب الكردي عموماً، يتعلق بمستقبلهم ومكانتهم ضمن الدولة السورية. فشهر نيسان الجاري كان ضمن الفترة المخصصة للاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية والجيش السوري، وكذلك بين مؤسسات الإدارة الذاتية ومؤسسات الحكومة المركزية، وذلك بموجب الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين. إلا أن عمليات الدمج هذه لم تتم جميعها بسلاسة، وما زالت تصطدم بعوائق كامنة في التفاصيل على الأرض. كما تنبثق مصاعب تنفيذ الاتفاقيات والتفاهمات من عدم تحضير العديد من الجهات لهذا التحول الجذري الناتج عن دمج الإدارة وقوات الأمن والجيش. ومن أوجه عدم الجدية وعدم التمهيد لتنفيذ الاتفاقيات، استمرار خطاب الكراهية من قبل أنصار حكومة دمشق؛ إذ لا يزال بعض مسؤولي الإدارة يصرون على صوابية شعاراتهم ومواقفهم، وما زال في الطرف الآخر من يسيء للأكراد ولقوات سوريا الديمقراطية، ولا يتوقف عن بث الفتنة لإشعال حرب أخرى. وفي الجوهر، يظل تثبيت الحقوق القومية الكردية في الدستور هو الهدف الجوهري، وتُشكّل منطقة عفرين الكردية اختباراً حقيقياً لنوايا السلطة السورية الجديدة في التعاطي مع القضية الكردية، كما يشكل حقل التعليم باللغة الكردية خطاً أحمراً وخندقاً استراتيجياً لن تتخلى عنه كل القوى والمنظمات السياسية والمجتمعية الكردية، فيما لا تزال الحكومة المركزية تماطل في تنفيذه وترسيخه قانونياً ومنهجياً.

لقد مر عام كامل على انعقاد كونفرانس 26 نيسان لوحدة الصف والموقف، الذي خرج بأهم منجزين هما: لجنة تفاوض دمشق حول الحقوق القومية الكردية، والورقة البرنامجية والمطلبية كخلاصة لخطاب كردي سياسي موحد. لكن للأسف، لم يتم تفعيل مخرجات الكونفرانس، ولم تهتم الجهات الراعية له بعملية التفعيل.

مر عام كامل حافل بالأحداث والكوارث السياسية والعسكرية، خسر فيه الأكراد تحديداً الكثير عسكرياً وسياسياً: الهجوم على الشيخ مقصود والأشرفية، والانسحابات العسكرية من دير حافر حتى الحسكة، وانقلاب بعض أبناء العشائر العربية على رفاق الأمس في قوات سوريا الديمقراطية. دون أن تبدي لجنة وحدة الصف أي موقف من هذه الأحداث؛ بل ظلت اللجنة معطلة وصامتة، دون أي تصريح أو بيان أو أية فاعلية سياسية ودبلوماسية. لقد ساهمت اللجنة في توسيع الأزمة السياسية في الوقت الذي كان مرجواً منها أن تساهم في إيجاد حل. لذلك تراجع وتبخر الأمل في تحقيق منجز سياسي على الصعيد الكردي وتأمين الحقوق، أو توحيد الصفوف. كما تراجع الأمل في الترجمة العملية لعمل جماعي سياسي كردي، أو تحقيق تمثيل عادل للمكونات والأطراف الكردية نفسها. حتى هرولت العديد من الجهات منفردة نحو دمشق بحجة أنها تفاوض بخصوص قوات سوريا الديمقراطية. وبنفس القدر ذهب المجلس الكردي منفرداً إلى دمشق، وثمة أكراد آخرون جلسوا منفردين واستوطنوا في دمشق منذ أول أيام السلطة الجديدة. السيد مظلوم عبدي صرّح لقناة تلفزيونية بأن السيد أوجلان أرسل إليه رسائل، وأن له دوراً كبيراً فيما يجري من تفاهمات. في المقابل، يستقوي المجلس الكردي بالحزب الديمقراطي الكردستاني، ولا يولي أي اعتبار لحلفائه المحليين. يبقى الدور التركي كبيراً وأساسياً (ظاهرياً ومن وراء الستار) في الكارثة التي حلت بالشعب الكردي في سوريا، فهي التي خططت طوال السنوات الماضية للوصول إلى هذه النتيجة.

إن الأزمة السياسية الراهنة، المتلخصة في تقزيم الحقوق القومية الكردية في سوريا وتلخيص الحقوق المجتمعية ببعض الإدارات والدوائر، ستواجه برفضنا ورفض كل الغيارى، ولن نرضخ لبازارات توزيع الكراسي. كما ستُبادر القوى السياسية والفعاليات المجتمعية للوقوف في وجه خطة إنهاء المسألة الكردية، ونسيان حق شعبنا في أن يدير نفسه بنفسه، ويقرر مصيره السياسي، وأن يكون شريكاً حقيقياً في بناء سوريا الجديدة.

كل هذه المعطيات تبرز الحاجة الملحة إلى الدعوة لعقد مؤتمر وطني شامل، يضم ممثلين عن جميع مكونات الشعب السوري ودون استثناء. مؤتمر يؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الحوار الحقيقي والشراكة الوطنية، بعيداً عن الإقصاء والتهميش.

نحن في حزب الوحدة الديمقراطي الكردي ركزنا في كل التجارب الجماعية السابقة على استقلالية القرار الكردي السوري، وقد كلفنا هذا الإصرار سياسياً. اليوم نعيد تجديد موقفنا، ونطالب بتدارك اللحظة الحرجة، وتجاوز الأزمة، والتمسك بمخرجات كونفرانس نيسان واللجنة المنبثقة عنه. كما نؤكد على وضع العلاقات الكردستانية في سياقها الصحيح، والعمل أولاً من أجل قضية شعبنا الكردي في سوريا. وفي جميع الأحوال، لا بديل عن الحوار وترتيب البيت الكردي، وتأسيس مرجعية سياسية منتخبة ومتوازنة تساهم في حل الأزمة وليس في تعقيدها.

3 أيار 2026

اللجنة السياسية

لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top