حين رحل فاتح القدس.. لم يجدوا ثمن كفنه

تكبير الصورة

ماهين شيخاني

صلاح الدين الأيوبي: زاهدٌ على عرش الملوك

تمهيد:

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

في تاريخ الأمم، هناك ملوكٌ حفروا أسماءهم بحدّ السيف، وآخرون صاغوا أمجادهم ببريق الذهب والسلطان. لكن رجلاً واحداً خطّ لنفسه مساراً فريداً: هزم الملوك، وفتح الأمصار، واستردّ بيت المقدس، ثم ترجّل عن صهوة جواده ليرحل عن الدنيا وهو لا يملك في خزانته ثمن كفنه.

إنه الناصر صلاح الدين الأيوبي.

الملك الذي عاش فقيراً بينما كان العالم كله تحت قدميه.

أولاً: الزاهد على عرش الملوك

عندما أسس صلاح الدين الدولة الأيوبية، وبسط نفوذه من مصر إلى الشام، دانت له ثروات طائلة. كانت غنائم الحروب تُجبى إليه من كل حدب وصوب. كانت الخزائن تمتلئ ذهباً وفضة.

لكنه وضع قاعدة صارمة لنفسه:

«المال عبيدٌ لنا، ولسنا عبيداً للمال.»

لم يبنِ صلاح الدين لنفسه قصراً مشيداً.

لم يخلّف لورثته ضياعاً أو بساتين.

كان يوزع العطايا على الجنود والفقراء والوفود بالآلاف.

وكان وزيره القاضي الفاضل يعاتبه أحياناً على فرط كرمه، ويحذره من خلوّ الخزائن. فكان السلطان يبتسم ويقول:

«إن من الناس من ينظر إلى المال كما ينظر إلى التراب.»

 

ثانياً: ليلة الرحيل.. والخزانة الفارغة

في السابع والعشرين من صفر عام 589 هـ، الموافق الرابع من آذار 1193 م، صعدت روح صلاح الدين إلى بارئها في دمشق، بعد مرض ألمّ به.

وعندما اجتمع أهله ووزراؤه لتجهيزه ودفنه، صُدموا بمحتويات خزانته الخاصة.

لم يجدوا فيها ذهباً ولا فضة.

بل وجدوا:

  • ديناراً واحداً وثلاثة وأربعين درهماً.
  • مصحفاً كان يقرأ فيه دائماً.

ولأن هذا المبلغ الزهيد لم يكن يكفي لشراء الكفن وحفر القبر وتجهيز الجنازة، اضطر وزراؤه وأصدقاؤه إلى استدانة ثمن الكفن ومصاريف الجنازة ليواروا جثمان أعظم ملوك العصر الثرى.

مات فاتح القدس.. ولم يجدوا ثمن كفنه.

 

ثالثاً: عبقرية العطاء

لم تكن هذه النهاية نقصاً في حكمة صلاح الدين.

بل كانت قمة العبقرية والزهد.

لقد أدرك أن القائد الحقيقي لا يُقاس بما يملك في خزائنه، بل بما يتركه في قلوب رعيته.

حين سار نعشه في شوارع دمشق، لم تبكِ المدينة ملكاً ضاع تاجه، بل بكت أباً حنوناً، وقائداً عادلاً، نصر الضعيف، وأغاث الملهوف،وحمى الأرامل، وأطعم الجائعين.

لقد مات صلاح الدين فقيراً من حطام الدنيا..

لكنه رحل غنياً بإرث من الكرامة والشرف.

خاتمة:

عبر القرون، سيظل صلاح الدين شاهداً على أن:

عظمة الملوك لا تُقاس بما يجمعون من أموال، بل بما يقدمون من تضحيات.

وأن الخزانة الفارغة قد تكون أغنى من كنوز الأرض، إذا كان صاحبها قد ملأ القلوب بعدلٍ وكرم.

رحم الله صلاح الدين..

الذي عاش ملكاً، ومات زاهداً، وبقي في الذاكرة خالداً.

 

المصادر :

  • ابن شداد، “النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية”.
  • ابن الأثير، “الكامل في التاريخ”.
  • ابن كثير، “البداية والنهاية”.
  • العماد الأصفهاني، “الفتح القسي في الفتح القدسي”.

 

12/10/2026


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top