ماهين شيخاني
تمهيد:
في مدينةٍ لا تهدأ، وحيث تتقاطع الذاكرة مع السياسة، أُزيح تمثالٌ من أمام قلعة دمشق. التمثال ليس حجراً ولا برونزاً فحسب. إنه علامة في وجدان مدينة، وشاهد على الطريقة التي اختارت بها الأجيال أن تتذكر تاريخها. والحدث، مهما بدا إدارياً، يفتح سؤالاً أكبر: لماذا يُنقل هذا النصب؟ وأين سيُعاد؟ وهل سيعود؟
أعلنت محافظة دمشق أن النقل جاء لأغراض الصيانة والترميم وإعادة تأهيل محيط القلعة، وأن موقعاً مناسباً سيُدرس لإعادة عرضه. هذا هو التفسير الرسمي، ولا يجوز تجاهله. لكن الإعلان عن الصيانة لا يلغي حق الناس في السؤال، ولا يحوّل الشك إلى يقين، ولا اليقين إلى شك.
المسألة لا تُحسم بالنيات المفترضة، بل بالشفافية والوقائع. فإذا كانت الغاية ترميماً وتنظيماً، فليكن الموقع الجديد معلناً، وليُحدد موعد إعادة العرض، وليُصن التمثال بما يليق بقيمته الفنية والرمزية. أما إذا كان ثمة من يريد استغلال النقل لتهميش شخصية تاريخية بسبب أصلها الكوردي، فإن ذلك يستوجب نقداً صريحاً وأدلة واضحة، لا مجرد الشكوك.
صلاح الدين: ما تقوله المصادر
صلاح الدين الأيوبي، واسمه يوسف بن أيوب، وُلد في تكريت عام 1137، وتوفي في دمشق عام 1193. أسس الدولة الأيوبية التي حكمت مصر وأجزاء واسعة من بلاد الشام والجزيرة والحجاز واليمن. ارتبط اسمه بانتصاره في حطين سنة 1187 واستعادة القدس من الصليبيين.
أصل كوردي موثق
المصادر التاريخية الكلاسيكية تؤكد أصله الكوردي:
- ابن الأثير (ت 1233) في “الكامل في التاريخ” يذكر أن أسرة صلاح الدين تعود إلى الأكراد الروادية، وهي قبيلة كوردية معروفة.
- ابن شداد (ت 1235)، كاتبه ومؤرخ سيرته في “النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية”، يذكر نسبه الكوردي بوضوح.
- العماد الأصفهاني (ت 1201) في “الفتح القسي في الفتح القدسي”، يؤكد الأصل الكوردي لأسرة أيوب.
- ابن خلكان (ت 1282) في “وفيات الأعيان”، يصف صلاح الدين بأنه “الكردي الأصل”.
وقد هاجرت أسرة أيوب من دويك (قرية قرب تفليس في كوردستان) إلى تكريت، ثم إلى الموصل، حيث بدأ صعودها السياسي والعسكري. والد صلاح الدين، نجم الدين أيوب، وشقيقه شيركوه، كانا من أبرز قادة نور الدين محمود الزنكي.
ما لم يكن صلاح الدين
صلاح الدين لم يكن قائداً قومياً بالمعنى الحديث. مفهوم الدولة القومية لم يكن قائماً في القرن الثاني عشر. كان مشروعه سياسياً وعسكرياً ودينياً، عمل على توحيد سلطات إسلامية متفرقة تحت حكمه، وخاض صراعه مع الدول الصليبية في سياق ذلك العصر.
الاعتزاز بكوردية صلاح الدين لا يقتضي أن ننسب إليه مشروعاً قومياً كوردياً لم يعلنه، كما أن انتماءه إلى التاريخ الإسلامي لا يمنح أحداً حق محو أصله الكوردي.
من يملك صلاح الدين؟
هذا هو السؤال الأعمق من سؤال التمثال.
هل يملكه العرب لأنه حكم دمشق ومصر، وقاد جيوشاً إسلامية، وأصبح رمزاً في الذاكرة العربية؟
أم يملكه الكورد لأنه ينتمي إلى أصلهم التاريخي؟
أم يملكه المسلمون لأنه قاد معارك كبرى باسم مشروعه الديني والسياسي؟
أم يحق لشعوب أخرى أن تدرسه وتناقش إرثه؟
الحقيقة أن التاريخ لا يُورّث على هيئة سند ملكية. يمكن أن تكون الشخصية جزءاً من ذاكرة أكثر من شعب، لكن تعدد دوائر الانتماء لا يمنح أي طرف الحق في تزوير أصلها أو مصادرة حق الآخرين في الاعتزاز بها.
ليس مطلوباً من العربي أن يتخلى عن مكانة صلاح الدين في ذاكرته، ولا من المسلم أن يتخلى عن تقديره لدوره، كي يعترف الجميع بأنه كان كورديّ الأصل. كما أن الاعتزاز الكوردي به لا يقتضي الادعاء بأنه خاض حروبه من أجل مشروع قومي كورديّ لم يكن قائماً.
احترام التاريخ يبدأ حين نسمح للحقيقة بأن تكون متعددة الأبعاد، لا حين نجبرها على ارتداء هوية واحدة.
هل خدم صلاح الدين قومه أم جلب لهم الأعداء؟
سؤال مشروع، لكنه يحتاج إلى ميزان تاريخي.
ما تحقق في عهده:
- برزت أسر وقادة وعسكريون كورد في مراكز مهمة.
- أصبحت الأسرة الأيوبية ذات أصول كوردية صاحبة سلطة إقليمية كبرى.
- امتد نفوذ الدولة الأيوبية من مصر إلى الشام والجزيرة.
ما لم يتحقق:
- لم يؤسس دولة كوردية مستقلة بالمفهوم الحديث.
- لم يجمع الكورد في كيان قومي خاص بهم.
- لم يعلن مشروعاً قومياً كوردياً.
الصليبيون: من بدأ؟
الحملات الصليبية لم تبدأ بسبب صلاح الدين. فقد سبقت صعوده بنحو قرن، وانطلقت عام 1095 بمبادرة من البابا أوربان الثاني. كانت لها دوافع دينية وسياسية وإقليمية واقتصادية متشابكة. صلاح الدين أصبح أحد أبرز خصومها، وانتصاراته أدت إلى الحملة الصليبية الثالثة (1189–1192).
لذلك لا يصح القول إن صلاح الدين جلب الصراع الغربي إلى الكورد من نقطة الصفر، ولا يصح تحميل الكورد، بوصفهم شعباً، مسؤولية صراعات دولة حكمها قائد من أصول كوردية.
مكانة الفرد التاريخية لا تُقاس فقط بأصله، بل بطبيعة مشروعه، وحدود سلطته، والنتائج التي تركها.
التمثال في سياق أوسع
واقعة نقل تمثال صلاح الدين لا تحدث في فراغ. فهي تأتي في سياق إعادة تشكيل الذاكرة العامة في سوريا بعد سقوط النظام السابق.
هل هناك نمط متكرر؟
- في دمشق، نُقلت تماثيل لشخصيات مرتبطة بالنظام السابق.
- في حلب، أُزيلت رموز بعثية من الساحات العامة.
لكن الفرق بين إزالة رموز نظام قمعي ونقل تمثال قائد تاريخي هو فرق جوهري. الأول تصحيح للذاكرة، والثاني قد يكون إعادة كتابة للتاريخ.
إذا كان نقل تمثال صلاح الدين مجرد صيانة، فلماذا لا يُعلن الموقع الجديد؟ ولماذا لا تُحدد مواعيد واضحة؟ ولماذا لا يُشرك المجتمع المدني والمؤرخون في القرار؟
إعادة تشكيل الذاكرة: من يقرر؟
في كل مرحلة انتقالية، هناك صراع على الذاكرة. من يقرر ما يُبقى وما يُزال؟ من يحدد من يستحق التمثال ومن لا يستحق؟
في جنوب إفريقيا بعد الأبارتايد، أُبقيت بعض تماثيل الاستعمار في متاحف، مع سياق نقدي يشرح جرائمها.
في العراق بعد 2003، أُزيل تمثال صدام، لكن تماثيل الحضارات القديمة بقت.
في أوروبا الشرقية بعد سقوط الشيوعية، نُقلت تماثيل لينين وستالين إلى “حدائق التماثيل” بدلاً من تدميرها.
الدرس: إزالة الرموز ليست دائماً خطأً، لكن كيفية الإزالة هي التي تحدد ما إذا كانت تصحيحاً أم تزويراً.
اختبار للذاكرة السورية
القضية ليست صلاح الدين وحده.
القضية هي: هل سوريا الجديدة قادرة على بناء ذاكرة تتسع للجميع؟
- للعرب والكورد.
- للمسلمين والمسيحيين.
- للبعثيين السابقين والمعارضين.
- لكل من صنع تاريخ هذه الأرض.
إذا كان نقل التمثال مجرد صيانة، فليُعلن ذلك بوضوح. وإذا كان هناك قرار سياسي خلفه، فليُعلن أيضاً. الشفافية هي التي تحمي الذاكرة من التآكل.
خاتمة: التاريخ لا يحتاج حراساً
سيبقى صلاح الدين الأيوبي شخصية تاريخية كبرى، سواء بقي تمثاله أمام قلعة دمشق أم نُقل إلى مكان آخر. قيمته لا تُحدد بموقع تمثال، بل بما تركه من أثر في التاريخ.
لكن الطريقة التي نتعامل بها مع تمثاله تكشف شيئاً عن حاضرنا:
هل نبني ذاكرة مشتركة تتسع للجميع، أم نعيد تقسيم الماضي وفق خصومات الحاضر؟
التاريخ لا يحتاج إلى حراس يمنعون الناس من الاقتراب منه.
يحتاج إلى من يحميه من التزوير.
والهوية لا تحتاج إلى إنكار الآخرين.
تحتاج إلى الاعتراف بالحقيقة.
مصادر
- ابن الأثير، “الكامل في التاريخ”، بيروت: دار صادر.
- ابن شداد، “النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية”، القاهرة: دار الكتب.
- العماد الأصفهاني، “الفتح القسي في الفتح القدسي”، بيروت: دار صادر.
- ابن خلكان، “وفيات الأعيان”، بيروت: دار صادر.
- R. Stephen Humphreys, From Saladin to the Mongols, SUNY Press, 1977.
- Anne-Marie Eddé, Saladin, Harvard University Press, 2011.
نقل تمثال صلاح الدين الأيوبي من أمام قلعة دمشق يثير غضباً كردياً
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






