حين يتكلّم الطين.. سيرة الحرفي الأرمني ميساك أنترانيك بيدروس آخر حراس الذاكرة الفخارية في قامشلو 

لورنس الشعير

في المدن التي تتنازعها الجغرافيا والسياسة، تبقى الحِرَف التقليدية أكثر ثباتًا من الخرائط نفسها. هناك، في قامشلو، حيث تتجاور اللغات كما تتجاور الأزقّة، عاش رجل لم يكن مجرد صانع فخار، بل شاهدًا حيًّا على قرون من الذاكرة المتشكّلة من الطين.

ميساك أنترانيك بيدروس، الذي رحل في أيار 2026 عن 88 عامًا، لم يكن حرفيًا بالمعنى التقليدي، بل مؤسسة ثقافية تمشي على قدمين، تختزن في يديها تاريخًا عائليًا يمتد لنحو 450 عامًا.

إرث لا يُورَّث بالكلمات

وُلد ميساك بيدروس في بيئة أرمنية حملت معها ذاكرة التهجير والاستقرار من جديد. لم تكن الحرفة خيارًا مهنيًا بقدر ما كانت قدرًا عائليًا. في سن مبكرة، تعلّم كيف “يصغي” إلى الطين، لا كيف يشكّله فقط. فالفخار، كما كان يردّد، ليس مادة تُطوَّع، بل كائن حيّ يحتاج إلى صبر واحترام.

امتدّ هذا الإرث عبر أجيال من عائلته، حيث لم تكن الورشة مجرد مكان للعمل، بل فضاءً للطقوس اليومية: عجن الطين، تدوير الدولاب، مراقبة النار في الأفران، وكلها طقوس تحمل بعدًا شبه روحي. في هذا السياق، لم يكن غريبًا أن يقضي بيدروس 67 عامًا من عمره في هذه الحرفة، وكأنه يحرس شعلة لا يجوز أن تنطفئ.

قامشلو.. المدينة التي تتشكّل كالفخار

في تجربة ميساك أنترانيك بيدروس، لم تكن قامشلو مجرد مكان إقامة، بل كانت جزءًا من التشكيل ذاته. المدينة، بتنوّعها الإثني والديني ـ من الأرمن إلى الكرد والعرب والسريان ـ قدّمت له مادة إنسانية موازية للطين الذي يعجنه. كل قطعة فخار صنعها كانت تحمل، بشكل غير مباشر، هذا التداخل الثقافي. كان يقول إن الفخار يشبه المدينة: “إن لم تُحسن التعامل مع مكوّناته، سيتشقق عند أول اختبار”. وهذا التشبيه لم يكن مجرد استعارة، بل خلاصة تجربة عاشها في بيئة متعددة، حيث التوازن ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية.

بين الحرفة وعلم الآثار.. ذاكرة تُستعاد

ما يميّز تجربة ميساك بيدروس عن كثير من الحرفيين هو ارتباطه الوثيق بالبعثات الأثرية التي عمل معها في مختلف أنحاء سوريا. لم يكن دوره تقنيًا فقط، بل معرفيًا أيضًا. فقد ساهم في قراءة القطع الفخارية القديمة، وفهم طرق تصنيعها، وحتى إعادة إنتاج بعضها بأساليب تقليدية.

في هذا التلاقي بين الحرفة وعلم الآثار، تحوّل بيدروس إلى جسر حيّ بين الماضي والحاضر. كان يرى في كل قطعة أثرية رسالة من صانع مجهول عاش قبل آلاف السنين، ويحاول أن “يردّ” عليه من خلال عمله. هذه العلاقة مع الزمن جعلت من ورشته أشبه بمختبر تاريخي، حيث لا يُعاد إنتاج الشكل فقط، بل الروح أيضًا.

الفخار فعل مقاومة 

في سياق منطقة شهدت تحولات سياسية واجتماعية عميقة، يمكن قراءة مسيرة ميساك بيدروس كفعل مقاومة صامت. فالحفاظ على حرفة تقليدية في زمن التصنيع السريع ليس مجرد تمسّك بالماضي، بل موقف ثقافي واضح.

لم يكن من السهل أن يستمر في هذه الحرفة في ظل تراجع الطلب، وغياب الدعم المؤسسي، وتحوّل الأذواق نحو المنتجات الصناعية. ومع ذلك، اختار أن يبقى. لم يساوم على جودة عمله، ولم يحاول “تحديث” الحرفة بشكل يفقدها روحها. كان يؤمن أن القيمة الحقيقية للفخار تكمن في بطئه، في كونه نقيضًا لعالم سريع الاستهلاك.

الإنسان قبل الحرفي

رغم كل ما سبق، يبقى الجانب الإنساني في شخصية ميساك بيدروس هو الأكثر تأثيرًا. لم يكن منعزلًا في ورشته، بل منفتحًا على الناس، يعلّم من يريد، ويشرح بصبر، ويستقبل الزوّار كأنهم جزء من العائلة. كثيرون من شباب قامشلو تعرّفوا على الفخار من خلاله، حتى لو لم يحترفوه.

كان يدرك أن الحرفة قد لا تستمر بالشكل نفسه، لكنه كان حريصًا على نقل “الفكرة” لا “التقنية” فقط: فكرة الصبر، والدقّة، والاحترام العميق للمادة والعمل.

رحيل الجسد وبقاء الأثر

برحيل ميساك أنترانيك بيدروس، تفقد المنطقة أحد آخر شهود الحرفة التقليدية بصيغتها الأصيلة. لكن؛ السؤال الحقيقي ليس في الغياب، بل فيما تبقّى. هل ستستمر هذه الحرفة؟ هل هناك من سيحمل الشعلة بالإيمان نفسه؟

ربما لا تكون الإجابة واضحة الآن، لكن المؤكد أن ما تركه ميساك بيدروس ليس مجرد أوانٍ فخارية، بل أرشيفًا حيًّا من التجربة الإنسانية. كل قطعة صنعها تحمل بصمته، لا كصانع فقط، بل كإنسان عاش بين الطين والتاريخ، ونجح في أن يجعل من عمله لغةً تتجاوز الزمن.

مدينة بأسماء متعددة… وذاكرة واحدة

في مدينة يسمّيها كل شعب باسمه الذي يحب قامشلو، القامشلي، أو أي تسمية أخرى تبقى الحقيقة الأعمق أن الذاكرة لا تنقسم. ميساك أنترانيك بيدروس، الأرمني الأصل، السوري الانتماء، القامشلوي الروح، كان تجسيدًا حيًّا لهذه الفكرة.

لم يكن معنيًا بالأسماء بقدر ما كان معنيًا بما تحمله من قصص. وربما هذا هو الدرس الأهم الذي يتركه لنا: أن الهويّة، مثل الفخار، لا تُصنع من عنصر واحد، بل من توازن دقيق بين مكوّنات متعددة. وإن أحسنّا تشكيلها، ستصمد… حتى بعد أن يغيب صانعها.

صحيفة روناهي

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top