مهند محمود شوقي
حين دخلت الدبابات الأمريكية بغداد في التاسع من نيسان/أبريل 2003، بدا للعالم أن نظام صدام حسين سقط خلال أسابيع بفعل التفوق العسكري الأمريكي.
لكن الأنظمة الشمولية لا تنهار بهذه السرعة ما لم تكن قد بدأت بالتآكل من الداخل قبل سنوات طويلة.
فالعراق الذي أسقطته الولايات المتحدة في 2003، كان قد دخل فعليًا مرحلة الانهيار منذ اللحظة التي تحولت فيها الدولة إلى نظام يقوم على الخوف، وتصفية الحلفاء، وإدارة البلاد بعقلية الفرد الواحد.
منذ تسلمه الرئاسة رسميًا عام 1979، عمل صدام على إعادة تشكيل النظام السياسي العراقي بالكامل.
وكانت حادثة حادثة قاعة الخلد اللحظة الأكثر دموية في تثبيت حكمه.
في 22 تموز/يوليو 1979، جمع صدام قيادات حزب البعث داخل قاعة الخلد في بغداد، ليعلن اكتشاف “مؤامرة” داخل الحزب.
لاحقًا، أُعدم عشرات المسؤولين والكوادر الحزبية، بينما دخل العراق مرحلة حكم مركزي مطلق أُقصيت فيه جميع مراكز القوة المستقلة.
وثّقت هذه الأحداث تقارير تاريخية عديدة باعتبارها نقطة التحول التي كرّست حكم الفرد داخل العراق.
بمرور الوقت، لم يعد النظام العراقي قائمًا على مؤسسات فعلية، بل على دائرة ضيقة من الولاء الشخصي والعائلي.
وفي تلك البيئة، برز اسم حسين كامل المجيد، زوج ابنة صدام، الذي صعد سريعًا داخل هرم السلطة حتى أصبح مسؤولًا عن برامج التصنيع العسكري والتسليح.
بحسب تقارير المفتشين الدوليين وشهادات مسؤولين عراقيين سابقين، كان حسين كامل يشرف على ملفات شديدة الحساسية تتعلق ببرامج الأسلحة العراقية، بما فيها البرامج الكيميائية والبيولوجية والصاروخية.
ومع تصاعد نفوذه، تحول إلى أحد أكثر الشخصيات رهبة داخل النظام، حتى أن كثيرًا من الوزراء والقادة العسكريين كانوا يعتبرونه الرجل الأقوى بعد صدام.
لكن القرار الذي غيّر مصير العراق والمنطقة بأكملها جاء فجر الثاني من آب/أغسطس 1990، عندما اجتاح العراق الكويت.
ذلك الغزو لم يكن مجرد أزمة حدودية، بل نقطة تحول استراتيجية في الشرق الأوسط.
فبعد ساعات من دخول القوات العراقية الكويت، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 660 الذي أدان الغزو وطالب بالانسحاب الفوري، ثم تبعته سلسلة قرارات فرضت حصارًا اقتصاديًا شاملاً على العراق.
وفي 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1990، أصدر مجلس الأمن القرار 678 الذي منح العراق مهلة حتى 15 كانون الثاني/يناير 1991 للانسحاب، مع السماح باستخدام القوة العسكرية في حال رفض الامتثال.
بعدها بدأت عملية حرب الخليج الثانية بقيادة الولايات المتحدة، وانتهت بخروج القوات العراقية من الكويت وتدمير واسع للبنية العسكرية العراقية.
لكن الأثر الأخطر للحرب لم يكن عسكريًا فقط، بل سياسيًا واستراتيجيًا.
فمنذ تلك اللحظة، ترسخ الوجود العسكري الأمريكي في الخليج بصورة غير مسبوقة، وتحول العراق إلى دولة محاصرة اقتصاديًا وسياسيًا لأكثر من عقد كامل.
بحسب دراسة منشورة عن مجلس العلاقات الخارجية، فإن غزو الكويت شكّل نقطة البداية للوجود الأمريكي طويل الأمد في الخليج، وأعاد رسم العقيدة الأمنية الأمريكية تجاه العراق والمنطقة.
غير أن الضربة الأخطر للنظام جاءت من داخله عام 1995، عندما هرب حسين كامل وشقيقه صدام كامل المجيد إلى الأردن.
هناك، بدأ حسين كامل التعاون مع فرق التفتيش الدولية التابعة لـ الأمم المتحدة، وقدم معلومات حول برامج التسلح العراقية.
وفي وثيقة نشرتها لاحقًا الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتقارير التفتيش التابعة للأمم المتحدة، أشار حسين كامل إلى أن العراق دمّر جزءًا كبيرًا من أسلحته غير التقليدية بعد حرب الخليج، لكن شهاداته استُخدمت لاحقًا في الخطاب السياسي الأمريكي باعتبارها دليلًا على امتلاك بغداد برامج خطيرة سرية.
وفي السنوات التي تلت هجمات 11 سبتمبر 2001، بدأت إدارة جورج دبليو بوش بتبني سياسة تقوم على “تغيير الأنظمة” في الشرق الأوسط.
وأصبح العراق الهدف الرئيسي، مستندة إلى ملف أسلحة الدمار الشامل، وإلى الإرث السياسي والعسكري الذي خلفه غزو الكويت قبل أكثر من عقد.
في 5 شباط/فبراير 2003، وقف كولن باول أمام مجلس الأمن ليعرض ما قال إنها أدلة على امتلاك العراق أسلحة محظورة.
لاحقًا، اعترف باول نفسه بأن ذلك الخطاب كان “وصمة” في مسيرته السياسية، بعد فشل القوات الأمريكية في العثور على أسلحة دمار شامل داخل العراق.
وهكذا، فإن السؤال: “من أسقط نظام صدام؟” لا يمكن اختزاله بإجابة واحدة.
غزو الكويت خلق البيئة الدولية التي جعلت إسقاط النظام هدفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، بينما جاءت شهادات حسين كامل لتوفر المادة الاستخبارية والسياسية التي استُخدمت لتبرير الحرب أمام العالم.
لكن الحقيقة الأعمق أن النظام بدأ بالسقوط منذ اللحظة التي تحولت فيها الدولة إلى سلطة خوف، وحين بدأ الحاكم بإعدام رفاقه وتفكيك مؤسسات بلاده بيده.
فالأنظمة قد تنجو من الحروب أحيانًا، لكنها نادرًا ما تنجو من أخطائها الداخلية.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=87028
مقالات قد تهمك











