ئاريان كركوكي
تتحول الأرشيفات الأمنية للأنظمة الشمولية بعد سقوطها إلى مرآة ثقيلة يعجز المجتمع عن النظر فيها بسهولة؛ فهي تضع الشعوب أمام اختبار أخلاقي وسياسي حرج يختصر في إشكالية جائرة: إذا طُلِب منك اتخاذ قرار بشأن أرشيف البعث اليوم، هل تؤيد فتحه بالكامل للجمهور باسم الشفافية والعدالة الانتقالية، أم ترجح إغلاقه وحفظه سرّاً لحماية السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي؟
إن هذا السؤال يمثل المعضلة الكبرى للعراق الذي خرج من عقود الدكتاتورية ليدخل في أزمات انقسامية متتالية. ففتح الأرشيف بالكامل يمنح الضحايا حقهم المشروع في معرفة الحقيقة، لكنه في بيئة تتحكم فيها العشائرية والمذهبية قد يتحول إلى “قنبلة موقوتة” تشعل حروب انتقام أهلية لا تنتهي، وتكشف أن كثيراً من المخبرين كانوا يعيشون في بيوت الضحايا أنفسهم. وعلى الجانب الآخر، فإن إغلاق الأرشيف وتكتم السلطات عليه يمثل شكلاً من التستر على الجناة وحرماناً للشعب من حقه في كتابة تاريخه بكرامة. وما يزيد هذه المعضلة تعقيداً أن نسبة ما كُشِف وأُتيح رسمياً للجمهور العراقي لا تتعدى من 1% إلى 5% فقط، بينما توزعت الـ 95% المتبقية بين وثائق احترقت في فوضى عامي 1991 و2003، وأوراق استولت عليها أحزاب وجهات إقليمية لاستخدامها في الابتزاز السياسي، والكتلة الكبرى التي استحوذت عليها الولايات المتحدة الأمريكية لنحو سبعة عشر عاماً. وبدلاً من تأسيس دار وثائق وطنية تُتيح للباحثين والجمهور الاطلاع النزيه ضمن أطر قانونية، أحاطت الحكومات المتعاقبة هذا الملف بأسوار من الكتمان، ليظل أرشيف البعث مفتاحاً مسلوباً لذاكرة وطن تتنازعه رغبة الحقيقة ومخاوف الفوضى.
مصادر الأرشيف وتشكّل “الدولة الأرشيفية” في عهد صدام
لم يكن نظام حزب البعث برئاسة صدام حسين مكتفياً بالسيطرة العسكرية أو السياسية، بل بنى سلطته على نظام رقابي بيروقراطي متكامل تحولت فيه الدولة إلى “دولة أرشيفية”. وتغذى هذا الأرشيف الضخم الذي تجاوزت ملفات قيادته القطرية وحدها 5 ملايين صفحة بوزن 48 طناً -ناهيك عن عشرات الملايين من أوراق الأجهزة الأمنية-من مصادر متعددة؛ في مقدمتها المراسلات والتقارير الأمنية الصادرة عن القيادة القطرية ومكاتب التنظيم العسكري والأجهزة الاستخباراتية الأمن العام، المخابرات، والاستخبارات العسكرية. ولم تقتصر السجلات على التقارير الرسمية، بل امتدت لتشمل شبكة واسعة من المخبرين والتقارير الأهلية المكتوبة بخط اليد ضد الأقارب والجيران والزملاء بتهم نقد السلطة أو الانتماء للمعارضة. كما اشتمل على ملفات اختراق المؤسسات الدينية الشيعية والسنة وتجنيد بعض رجال الدين كعملاء للأمن، فضلاً عن وثائق الحرب العراقية الإيرانية وملفات ملاحقة القوى السياسية المعارضة والمكون الكردي.
تعقيدات الساحة الكردية وظاهرة “الملفات السوداء”
وقد لعبت الساحة الكردية الدور الأكثر تعقيداً في التعامل مع هذا الأرشيف؛ فمنذ انتفاضة 1991 وسقوط 2003 نجحت القوى الكردية في السيطرة على أطنان من الوثائق الحساسة في مديريات الأمن خاصة مقر “الأمن الأحمر” بالسليمانية ومديريات كركوك وأربيل. وفي الوقت الذي بادر فيه الأكراد لتدويل جزء من الوثائق مع منظمات حقوقية لإثبات جرائم “الأنفال” وحلبجة، تحفظت القيادات الكردية وعلى رأسها جلال طالباني على الكتلة الحساسة المتعلقة بالمخبرين والجواسيس المحليين. وانفجر هذا الملف في الصحافة الكردية بين عامي 2003 و2005 عبر ما عُرِف بـ “الملفات السوداء” فایلە ڕەشەکان؛ حيث نُشرت وثائق تُتهم شخصيات ثورية ومناضلين ورجال دين بالعمالة لنظام صدام. ورغم أن أصل الوثائق كان صحيحاً، إلا أن تداولها الإعلامي تحول لسلاح لتصفية الحسابات وتشويه السمعة عبر الاقتطاع والتلاعب بالتفاصيل. وتؤكد شواهد تلك المرحلة أن قرار طالباني والقيادات الكردية بإخفاء هذه الملفات وحظر نشرها رسمياً كان بتقدير عواقب النشر؛ فنبش “الملفات السوداء” بلا ضوابط قضائية كان سيفجر صراعات عشائرية وثأرية، رغم أن الاحتفاظ بها مغلقة منح القيادات النافذة قدرة على “الضبط السياسي الصامت” للساحة المحلية.
ملحمة اكتشاف الأرشيف ونقله إلى الولايات المتحدة
وتتجلى دراماتيكية الملف في قصة نقل الأرشيف إلى الولايات المتحدة عقب سقوط النظام في نيسان/أبريل 2003؛ ففي غمرة فوضى النهب التي طالت المؤسسات الحكومية ببغداد، وصل خبرٌ عاجل إلى المفكر كنعان مكية والناشط الصحفي آنذاك مصطفى الكاظمي يفيد بتوجه مجاميع من الناهبين نحو مقر القيادة القطرية لحزب البعث والمبنى الملحق بضريح ميشيل عفلق. هرع مكية والكاظمي رفقة فريق عملهما إلى الموقع، ونزلا إلى الأقبية السفلية المظلمة والمغمرة بالمياه الناتجة عن انفجار الأنابيب وتوقف المضخات، وتحت أضواء المصابيح اليدوية اكتشفا “كهف علي بابا” للأرشيف البعثي. وخوفاً من إتلاف الملفات أو غرقها أو وقوعها بيد الميليشيات، بادر مكية والكاظمي بإنشاء “مؤسسة الذاكرة العراقية”، وباشرا بسحب المياه وتنظيف الأقبية واستخراج آلاف الصناديق. ومع تصاعد العنف بين عامي 2004 و2005، أُبرِم اتفاق برعاية سلطة الائتلاف المؤقتة CPA والبنتاغون لنقل الشحنة الضخمة عبر الجيش الأمريكي وإيداعها كـ “أمانة وملاذ آمن” في معهد “هوفر” بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا بدءاً من عام 2008، حيث أُخضعت للتصوير الضوئي والتشفير والأرشفة الرقمية، بينما حُرِم الشارع العراقي والمؤسسات الوطنية لسنوات طويلة من الاطلاع على أصولها
.
كواليس الاسترداد وسيطرة واشنطن على “النسخة الرقمية
وعندما تسلم مصطفى الكاظمي رئاسة الوزراء عام 2020، وجد نفسه أمام مسؤولية حسم ملف الأرشيف الذي شارك في اكتشافه وتأمينه قبل سبعة عشر عاماً. غير أن عملية استرداد الأرشيف لم تكن شاملة ولا بسيطة كما أُشيع؛ إذ سبق للبنتاغون أن سلّم نحو 120 مليون صفحة من السجلات الإدارية والعسكرية الحكومية في عهد نوري المالكي عام 2013 بعيداً عن أضواء الإعلام. ثم تسلم الكاظمي خلال زيارته لواشنطن في أغسطس/آب 2020 الأصول الورقية لدفعة سجلات “القيادة القطرية لحزب البعث” المودعة في ستانفورد زنتها نحو 48 طناً بـ 5 إلى 6 ملايين صفحة، ونُقلت بطائرة عسكرية خاصة لتودَع فوراً في مكان سرّي مجهول بمقر جهاز المخابرات الوطني العراقي في بغداد دون إتاحتها للجمهور. إلا أن ما لم يُسترد وظل بحوزة واشنطن يكمن في السطوة الرقمية؛ إذ احتفظ الجانب الأمريكي عبر معهد هوفر وقاعدة بيانات “هارموني” بمسح ضوئي إلكتروني كامل ومشفر لكافة الأوراق، إلى جانب استثناء ملفات عالية التصنيف تخص أسلحة الدمار الشامل والعلاقات الدولية تحت دواعي “الأمن القومي الأمريكي”. وهكذا سلمت واشنطن الأصول الورقية لرفع الحرج القانوني، لكنها احتفظت بـ “السطوة المعرفية الرقمية”، ليصبح النفوذ المعلوماتي للوثائق مقسوماً اليوم بين إخفاء وتكتم حكومي عراقي للأصول الورقية في بغداد، واحتفاظ أمريكي بسلطة الوصول الرقمي الشامل لها في كاليفورنيا.
اختراق “الدولة العميقة” وخريطة المستفيدين من التكتم
ولم تكن الحرائق والتلفيات التي طالت المديريات الأمنية في عامي 1991 و2003 مجرد أعمال فوضى عفوية، بل أدار جزءاً منها أفراد وشبكات مصالح ينتمون لـ “الدولة العميقة” ومخبرون سابقون سعوا لإتلاف الوثائق التي تثبت تورطهم. وعقب إعادة الأرشيف إلى بغداد عام 2020، تداولت التقارير السياسية والإعلامية أنباءً عن تسريب أجزاء حساسة منه نحو أطراف إقليمية نافذة وفي مقدمتها إيران بالتعاون مع أحزاب ومسؤولين محليين، لاستخدامها كسلاح فتاك للابتزاز السياسي وإخضاع الشخصيات السياسية والدينية وتصفية الخصوم. وبذلك، تتوزع خريطة المستفيدين من إبقاء الأرشيف مغلقاً بين الطبقة السياسية والدينية النافذة في العراق التي تخشى فضح تاريخ عمالتها السابقة، والأجهزة الاستخباراتية الأمريكية التي تملك النسخة الرقمية الكاملة كورقة ضغط، ومراكز النفوذ الداخلي والإقليمي التي تستغل التسريبات في التصفية الصامتة، إضافة إلى المؤسسات الأكاديمية الغربية التي حظيت بفرصة دراسته وتفكيكه.
خارطة طريق لإدارة عادلة للذاكرة الوطنية النموذج الألماني
إن التعامل مع أرشيف البعث يضع العراق أمام مفترق طرق حرج؛ فالفتح العشوائي للملفات سينتج عنه حمام دم اجتماعي وصراعات ثأرية عشائرية، في حين إن الإغلاق والتكتم التام يمثل خيانة لشهداء وضحايا الدكتاتورية وتستراً على الجناة وتركاً للوثائق لتُستغل كسلاح ابتزاز بيد القوى النافذة. وحتى لا يظل الأرشيف قنبلة موقوتة، فإن المقترح الأكثر حكمة يكمن في تطبيق النموذج الألماني للعدالة الانتقالية تجربة أرشيف الشتاسي عبر تأميم الأرشيف وتقديمه لـ “هيئة وطنية للذاكرة والقضاء” تتكون من قضاة ومؤرخين وحقوقيين مستقلين بعيداً عن الأحزاب، وتصنيف الوثائق على مرحلتين: الفتح الفوري لملفات السلطة العليا والرموز السياسية ومسؤولي الحزب الكبار لتطهير المشهد السياسي وتحقيق الشفافية، وفرض حظر زمني محدد من 30 إلى 50 عاماً على تقارير المخبرين العاديين والأفراد لحماية السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي إلى أن تبرأ جراح المجتمع، مع إتاحة الحق فقط للضحايا وأسرهم للاطلاع الشخصي دون النشر العام. وبهذا الصنيع فقط، يتحول أرشيف البعث من “سلاح دمار شامل” يُهدد الاستقرار، إلى إرث وثائقي وتاريخي يخدم العدالة، ويمنع تكرار الدكتاتورية، ويحفظ كرامة الضحايا والسلم الأهلي في العراق.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






