بير رستم
هناك الذي فهم من كتاباتي الأخيرة بخصوص الهوية الوطنية الكردستانية ومطالبتي بدولة كردستان على إنها نوع من “التكويع” أو القفز من “سفينة الآبوجية”، بحسب اعتقاداتهم طبعاً، ولهؤلاء وللآخرين أقول: بأنني لم أغير من قناعاتي الفكرية يوماً – وأقصد المبدئية والإستراتيجية- وبأنني كنت وما زلت على قناعة كاملة؛ بأن من دون نيل الشعب الكردي لكامل حقوقه الوطنية، بما فيه إقامة دولته الوطنية كردستان ككيان وهوية خاصة به، وكذلك باقي الشعوب المحرومة من هوياتها الوطنية، ستبقى عقدة تلك الاشكالية عائقاً في طريق الحلول الجذرية لمشاكل الشرق الأوسط ولن تكون هناك دول ديمقراطية، يعني كيف راح تكون “دولة ديمقراطية” وهي تحرم شعب من هويتها الثقافية، فذاك منافي تماماً لمفهوم الديمقراطية.
لكن هذا الرؤية والقناعة السياسية المبدئية والاستراتيجية لا تعني بأي شكل من الأشكال عدم القبول ببعض المشاريع المرحلية كالإدارات الذاتية المحلية أو أقاليم فيدرالية كحلول مرحلية ولكي تنضج الظروف السياسية والثقافية والمجتمعية وبالتالي الانتقال إلى الحل الأخير وإقامة دولة كردستان؛ يعني وباختصار نحن مع أي مكاسب مرحلية يحصل عليه شعبنا، ولو منصب مخترة في قرية كردية، لكن مشروعنا ومطلبنا الاستراتيجي في إقامة دولة كردستان كهوية وطنية ثقافية يجب أن يكون هو الهدف الاستراتيجي الأخير لنا جميعاً كقوى سياسية ونخب وطنية ثقافية وعموم شعبنا الكردي، ومن هنا كنت وما زلت أؤيد أي مشروع سياسي، منها الإدارة الذاتية وقبلها إقليم كردستان، كونها وفق قناعتي هي مشاريع تخدم هدفنا الاستراتيجي النهائي كمكاسب وطنية مرحلية.
وأعتقد بأن الكثيرين وقعوا في الالتباس، بعدما لاحظوا دعمي الدائم لتجربة الإدارة الذاتية وقوات سوربا الديمقراطية والتي كانت وما زالت وفق مفهوم أي مكسب مرحلي مرحب به، لكن يبدو أن الكثير منهم فهموا المسألة وكأنني مع المشروع السياسي الأيديولوجي لحزب العمال الكردستاني في نسخته الجديدة عن “الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب” كحل نهائي، بينما في قراءتي لمشروع السيد أوجلان عن الدولة الديمقراطية ما زال قائماً على رؤيتي السابقة في طوباوية ومثالية الطرح السياسي، كون المجتمعات الشرقية ما زالت بتركيبتها البنيوية وثقافتها القروسطية وصراعاتها القبلية العشائرية والدينية المذهبية والطائفية السياسية والعرقية الأثنية غير مهيئة على إنتاج الدولة الديمقراطية.
وبالتالي سيكون مصيرها الفشل؛ نقصد مشروع الدولة الديمقراطية في مناطقنا، حتى وإن توفرت الرغبة لدى نخبة سياسية لإحدى هذه الدول التي تستبعد كردستان, مثل تركيا، وفكّر قادتها في إقامة الدولة الديمقراطية، كما يأمل السيد أوجلان وهي رغبة أو حلم مثالي طوباوي وخاصةً مع بنية وعقلية المجتمع التركي وظروفه وشروطه الوجودية والحضارية، بما في ذلك عقلية نخبها السياسية الحاكمة والقائمة على الفكر العنصري القوموي إسلامي، حيث التمسك بالدولة التركية، والأهم هو أن مفهوم الدولة الديمقراطية يتنافى تماماً مع مفهوم وقضية عدم قبول قيام دولة كردستان؛ بمعنى كيف يمكن لتركيا أو الدول الأخرى أن تكون دول ديمقراطية وهي ترفض لشعب كردستان أن يكون لهم كيانهم السياسي ودولتهم الوطنية الخاصة بهم وبهويتهم الثقافية.
إن القضية السابقة وحدها؛ قضية رفض هذه الدول بأن ينال الكرد حقهم التمثيلي السياسي في إقامة دولتهم الوطنية كردستان، هي وحدها كافية للقول: بأن المشروع مثالي حالم كمشروع الدولة الاشتراكية والتي أرادها لينين مع بعض رفاقه إقامته في روسيا القيصرية الكولاكية الاقطاعية بظروفها وبنيتها الاجتماعية الثقافية الغير مهيئة لإقامة مثل هكذا مشروع، بينما كان معلمه ماركس يأمل قيام تلك الثورة في بلد رأسمالي إقطاعي مثل إنكلترا!
وهكذا هو مشروع أوجلان، كما مشروع لينين، يحاول إقامته في بيئات وظروف غير جاهزة لاستقبال مثل هكذا مشاريع سياسية، بينما هو شبه محقق في بعض الدول الغربية؛ سويسرا مثالاً حيث كل مواطنيها يعتبرون أنفسهم سويسريين وليسوا ألمان سويسريين أو فرنسيين سويسريين، كحالنا عندما نقول عن أنفسنا؛ كرد سوريين وليس سوريين، وذلك لحرماننا من الهوية الوطنية والثقافية الخاصة بنا ككردستانيين، بينما الألماني أو الفرنسي السويسري لا يعاني من تلك العقدة حيث هناك دولة ألمانيا وكذلك فرنسا إلى جانب سويسرا!
ولذلك نقول؛ لو كانت هناك كردستان كدولة جارة لكل من تركيا والعراق وإيران وبقينا نحن الكرد في روجآفاي كردستان (سوريا) جزء من الدولة أو الجمهورية السورية، وليس الجمهورية العربية السورية، كما الحال الآن وسابقاً، وكان شعبنا في سوريا له كامل حقوقه الوطنية، كحال الألماني السويسري مثلاً، نعم حينذاك ربما كنا قلنا عن أنفسنا سوريين وليس كرد سوريا، أما في واقع وبيئات مجتمعية ثقافية كالتي فيها المجتمعات الكردية والرازحة تحت الاستعباد لحكومات فاشية دينية أو قومية عنصرية، فلا يمكن لأحد بمطالبة الكرد التخلي عن هويتهم الثقافية، كما يجعل من أي مشروع سياسي يأمل بتحقيق الديمقراطية في هذه البلدان نوع من الحلم الطوباوي وليس فكراً ومشروعاً سياسياً قابلاً للحياة وتحقيقه على أرض الواقع، كون هذه البيئات المجتمعية هي قاتلة لمثل هذه الأفكار والمشاريع السياسية.
نقطة على السطر؛ نأمل أن نكون وضحنا موقفنا للأخوة الذين حاولوا حشرنا دائماً في بوتقة بعض الأيديولوجيات حيث نعود ونقول: نحن مع كل مكسب ومشروع سياسي يحقق بعض طموحات وحقوق شعبنا ولو مخترة قرية كردية ولذلك كنا مؤيدين للإدارة الذاتية، لكن ذاك لا يعني إننا مع الطرح السياسي والفكري لأوجلان ومشروعه عن “الأمة أو الدولة الديمقراطية” وبأنه الحل الممكن في شرقنا، بل كنا وما زلنا على قناعة تامة؛ بأن لا أمم ولا مشاريع ديمقراطية في هذا الشرق البائس والملوث بالعنصرية والصراعات القبلية الطائفية، المذهبية الدينية والعرقية الأثنية، إلا بعد أن ينال كل شعوبها حقوقها كاملةً، بما فيه حق إقامة دولته المستقلة وحينذاك يمكن القول؛ بأن هناك إمكانية قيام الدولة الديمقراطية.
طبعاً هذا لا يعني بأي حال من الأحوال رفض بعض الخطوات والمكاسب الحقوقية الوطنية مرحلياً، كما أسلفنا سابقاً، بل هي ستخدم قضية تحقيق الديمقراطية وكذلك قيام دولة كردستان، بما معناه مسار نيل شعبنا لبعض من حقوقه الوطنية مرحلياً وتحقيق الديمقراطية متلازمان، لكن من دون قيام دولة كردستان لن تتحقق الدولة الديمقراطية، بل ستكون هناك نظم تحكم وفق دساتير ذات صبغات وقوانين ديمقراطية وليس الديمقراطية الكاملة أو الدولة والأمة الديمقراطية الناجزة حيث لا منجز ديمقراطي حقيقي وهناك شعب تحرمه من هويته الثقافية الوطنية؛ ونقصد الشعب الكردي أو أي شعب آخر محروم من تمثيله وكيانه ودولته الوطنية وبالتالي قيام دولة كردستان شرط ضروري ويسبق قيام الدولة الديمقراطية.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




