ئاريان كركوكي
لقد واجهت كل الحكومات العراقية في حقبة ما بعد 2003 معضلة وجودية مستعصية، حتى أولئك الذين جمعتهم علاقة “روحية” مع تلك المعضلة، وهي التساؤل الجوهري حول من يمسك بزمام السلطة حقاً في البلاد؛ فبينما يتساءل الجميع عن استقلالية القرار العراقي، تظل الحقيقة المرة أن العراق يبدو وكأنه ساحة تقرر فيها القوى الإقليمية والدولية مآلات الأمور. لقد أثبتت الحكومات المتعاقبة، بما فيها تلك التي توصف بأصحاب العضلات القوية، فشلها في أول اختبار حقيقي للسيادة، وهو ما يتكرر الآن مع حكومة علي الزيدي التي اصطدمت منذ بدايتها بالواقع ذاته، حيث أظهرت عدم استقرارها أمام التدخلات الخارجية والقصف المتبادل الذي طال الأهداف المرتبطة بالكتل الموالية لطهران، فضلاً عن العمليات العسكرية التي تُشن من أراضٍ عراقية دون قرار مركزي.إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في ضعف الأجهزة العسكرية أو الاستخباراتية التي تمتلكها الدولة، بل في “فراغ التخويل” وهيكلية القرار المسلح المزدوجة؛ فهناك سلاح رسمي وآخر يعمل وفقاً لأجندات خاصة داخل الحشد الشعبي، وهو المأزق الذي ورثه الزيدي ولا يبدو قادراً على تجاوزه. إن هذه الدولة تبدو وكأنها قد شاخت قبل أوانها، وفقدت سيطرتها على مفاصلها الرئيسية، وعجزت عن دمج القوى المسلحة غير المنضبطة ضمن سلطة وطنية واحدة غير مرتهنة للخارج. لذا، فإن ما يشهده العراق اليوم من اختراقات ليست ضعفاً في القدرات، بل هي خلل في شرعية استخدام القوة، وهو الفراغ الذي سعت دول الجوار لمحاولة سدّه من الخارج لحماية أمنها الخاص.أما عن حكومة الزيدي، فإن غياب القاعدة السياسية الصلبة، مع الأزمة المالية الحادة والبيئة الإقليمية الضاغطة، يجعله في وضع لا يحسد عليه، خاصة وأن السيادة لا تُنتزع بالتصريحات الإعلامية أو تحت تأثير الوكالات الدولية. لقد أثبتت الأيام الأولى للحكومة أن الهيكلية الراهنة لا تزال خاضعة لنفوذ الحرس الثوري الإيراني، ولم يحدث أي تغيير حقيقي يحمي استقرار الدولة، بل إن البلاد تسير نحو وضع أكثر تعقيداً. إن العراق منذ عام 2003 يعاني من أزمة نظامية ترسخت معها المكونات الميليشياوية كجزء من بنية الدولة، مما جعل المحاسبة السياسية أمراً مستحيلاً، إذ كيف يمكن محاسبة حكومة عن إنجازات وهمية في ثقافة سياسية لا تعترف بالمبدأ أصلاً؟ وفي ظل هذا الانسداد، يظل “الإطار التنسيقي” رهينة للتوافقات الإيرانية التي لولاها لتفككت أطرافه، كما أن طموحات الزيدي في الإصلاح تصطدم بصلابة الواقع؛ فنزع سلاح الفصائل يعد بالنسبة له خياراً انتحارياً، في حين تضغط الإدارة الأمريكية لفرض معادلة جديدة تقصي النفوذ الإيراني، مما يضع الزيدي بين فكي كماشة. ومع استمرار الفساد وتدهور البنى التحتية وتآكل الخدمات، يبقى الصوت الأكثر بروزاً في الشارع العراقي هو التساؤل حول مدى قدرة هذه الحكومة على تحقيق ما فشل فيه الأسلاف، والإجابة تبدو متشائمة، حيث تظل التوقعات تشير إلى أن الزيدي لن يكون قادراً على تجاوز مطالب الشعب المحقة أو تغيير المعادلة التي تمنع قيام دولة مواطنة حقيقية بعيدة عن هيمنة الميليشيات والصراعات الإقليمية











