سُقُوطُ الْأَقْنِعَةِ

تكبير الصورة

 « أَخْطَرُ الْأَقْنِعَةِ ، تِلْكَ الَّتِي تَجْعَلُكَ تَنْسَى مَنْ أَنْتَ.»

« عِنْدَمَا يَخْلَعُ الْإِنْسَانُ قِنَاعَهُ يَرْبَحُ نَفْسَهُ الَّتِي أَضَاعَهَا طَوِيلًا.»

عصمت شاهين الدوسكي

 

فِي هَذَا الزَّمَنِ السَّرِيعِ الْمُتَطَوِّرِ، زَمَنِ النِّتِّ يُوتْيُوبْ إِنْسْتَا وَالْقَنَوَاتِ الرَّسْمِيَّةِ وَالشَّخْصِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ، لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مَكْنُونٌ مَدْفُونٌ، تَتَسَاقَطُ الْأَقْنِعَةُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَلِكَيْ نَكُونَ فِي وَضْعٍ صَرِيحٍ وَبَسِيطٍ، يَجِبُ أَنْ نَعْرِفَ مَاهِيَّةَ الْأَقْنِعَةِ. جَمْعُ الْقِنَاعِ «أَقْنِعَةٌ». ظَاهِرُ الْقِنَاعِ هُوَ شَيْءٌ تُغَطِّي بِهِ وَجْهَكَ، مَثَلًا: قِنَاعُ التَّزَلُّجِ، قِنَاعٌ يَرْتَدِيهِ الْمُمَثِّلُ عَلَى خَشَبَةِ الْمَسْرَحِ. كُلُّ قِنَاعٍ يُخْفِي الْوَجْهَ الْحَقِيقِيَّ لِلْإِنْسَانِ وَيُظْهِرُ الْوَجْهَ الثَّانِيَ، وَهُنَاكَ قِنَاعٌ «مَجَازِيٌّ – إِنْسَانِيٌّ»، تَصَرُّفَاتٌ وَأُسْلُوبٌ وَشَخْصِيَّةٌ أُخْرَى تَتَجَلَّى نَقُومُ بِهَا بَيْنَ النَّاسِ.

لَوْ سَأَلْتَ: لِمَاذَا نَلْبَسُ الْأَقْنِعَةَ؟ هُنَاكَ أَسْبَابٌ رُبَّمَا تَكُونُ بَعِيدَةً عَنَّا أَوْ نَحْمِلُهَا فِكْرًا وَوَعْيًا، وَمِنْهَا أَنْ نَحْمِيَ أَنْفُسَنَا وَعَدَمَ ظُهُورِ ضَعْفِنَا. مَثَلًا: تَضْحَكُ وَأَنْتَ مُعَذَّبٌ مِنَ الدَّاخِلِ، وَبَيْنَ أَصْدِقَائِكَ تَلْبَسُ قِنَاعَ الْفَرَحِ وَالْبَهْرَجَةِ، وَفِي الدَّوَامِ تَلْبَسُ قِنَاعَ الْمُوَظَّفِ الْحَكِيمِ الْجَادِّ الْعَارِفِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَبَيْنَ الْأَهْلِ تَلْبَسُ قِنَاعَ الْخَلُوقِ الْمُطِيعِ الذَّكِيِّ. كَذَلِكَ تَتَظَاهَرُ بِالْقُوَّةِ لِكَيْ يَهَابَكَ الْآخَرُ، وَتَتَظَاهَرُ بِالْبَرَاءَةِ لِكَيْ تَكْسَبَ وُدَّ النَّاسِ وَعَطْفَهُمْ. الْمُشْكِلَةُ تَظْهَرُ عِنْدَمَا تَكُونُ أَقْنِعَتُكَ «إِدْمَانًا»، وَتَنْسَى وَجْهَكَ الْحَقِيقِيَّ، لِأَنَّكَ تَعِيشُ حَتَّى تُرْضِيَ الْآخَرَ، وَتَخْشَى لَوْ سَقَطَ الْقِنَاعُ أَنَّ «الْجَمِيعَ» سَيَبْتَعِدُ عَنْكَ. وَفِي هَذَا الشَّأْنِ يَقُولُ الشَّاعِرُ الْكَبِيرُ «إِيليَا أَبُو مَاضِي»: «أَقْنِعَةٌ، أَقْنِعَةٌ، تَحْتَهَا وُجُوهٌ حَائِرَةٌ».

 

وَهَذَا يَعْنِي أَنَّنَا كُلَّنَا بِطَرِيقَةٍ مُبَاشِرَةٍ أَوْ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ، بِوَعْيٍ أَوْ دُونَ وَعْيٍ، نَلْبَسُ أَقْنِعَةً مَا، بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ «إِدْمَانًا – مَرَضًا» اجْتِمَاعِيًّا، إِنْسَانِيًّا.

وَيَظْهَرُ سُؤَالٌ: هَلِ الْمَشَاعِرُ، الْحُبُّ، الرَّغْبَةُ فِيهَا أَقْنِعَةٌ؟ لَا تَتَعَجَّبْ، إِنَّهَا سَاحَةُ مَعَارِكٍ لَيْسَ سِلَاحُهَا السَّيْفَ وَالْبُنْدُقِيَّةَ، بَلِ «الْقِنَاعُ». يَا تُرَى، لِمَاذَا نَلْبَسُ الْأَقْنِعَةَ فِي الْحُبِّ كَوْنُهُ مِنَ الرُّوحِ وَالْقَلْبِ؟ خَوْفًا مِنَ الْمُخَاطَرَةِ وَأَنْ تُجْرَحَ رُوحُنَا وَقَلْبُنَا. أَوَّلُ قِنَاعٍ نَلْبَسُهُ فِي الْحُبِّ «قِنَاعُ الْكَمَالِ وَالِاتِّزَانِ»، بِحَيْثُ نَكُونُ نُسْخَةً شَخْصِيَّةً مُمَيَّزَةً، نُظْهِرُ هَادِئِينَ وَبُرْكَانُ غَيْرَةٍ فِي دَاخِلِنَا، نَبْتَسِمُ حَتَّى نُرْضِيَ الْآخَرَ. «قِنَاعُ اللَّامُبَالَاةِ» بَيْنَ الرَّغْبَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، تُظْهِرُ إِنَّكَ غَيْرُ مُهْتَمٍّ، لَا تَرُدُّ عَلَى الرَّسَائِلِ وَالْمُكَالَمَاتِ، أَوْ رَدُّكَ مُتَأَخِّرٌ، أَوْ مَشْغُولٌ دَائِمًا، حَتَّى لَا تَظْهَرَ لِلْآخَرِ أَنَّكَ مُغْرَمٌ أَوْ مُهْتَمٌّ. «قِنَاعُ الْمُنْقِذِ» يَظُنُّ أَنَّهُ سَيُغَيِّرُ الْآخَرَ لِلْأَحْسَنِ، فَتَتَحَمَّلُ أَخْطَاءَهُ وَأُسْلُوبَهُ وَأَفْكَارَهُ. كَذَلِكَ «قِنَاعُ الْمَسْكَنَةِ – الْمِسْكِينِ»، يَشْعُرُ الطَّرَفُ الْآخَرُ بِالْمَظْلُومِيَّةِ وَالذَّنْبِ وَالْعَطْفِ حَتَّى يَحِنَّ عَلَيْهِ. وَقِنَاعُ «شَخْصِيَّتِكَ»؛ يُحِبُّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تُحِبُّهَا، وَيَفْعَلُ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَفْعَلُهَا، وَمِنْ خِلَالِهَا يُلْغِي شَخْصِيَّتَهُ وَيَتَجَسَّدُ بِشَخْصِيَّتِكَ. وَقِنَاعُ «تَوْأَمِ الرُّوحِ»؛ لَا يَتْرُكُ الْآخَرَ أَبَدًا خَوْفًا مِنَ الرَّفْضِ وَالِابْتِعَادِ، وَهَذَا أَكْثَرُ صُعُوبَةً وَإِرْهَاقًا وَتَعَبًا. وَهَكَذَا دَوَالَيْكَ، وَحِينَمَا يَظْهَرُ الْوَجْهُ الْحَقِيقِيُّ فِي الْحُبِّ بَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ أَوْ طَوِيلَةٍ تَبْدَأُ «الْمَشَاكِلُ». عَلِمْنَا إِنَّ الْحُبَّ رَابِطَةُ الرُّوحِ وَالْقَلْبِ وَالنَّقَاءِ وَالصِّدْقِ، فَهَلْ كُلُّ أَقْنِعَةِ الْحُبِّ مُزَيَّفَةٌ؟ مَهْلًا، الْمُجَامَلَةُ الطَّيِّبَةُ الْأَخْلَاقِيَّةُ فِي أَوَّلِ اللِّقَاءَاتِ تُعْتَبَرُ احْتِرَامًا لِلْآخَرِ، عَلَى أَنْ لَا تَلْبَسَ شَخْصِيَّةً بَعِيدَةً عَنْ شَخْصِيَّتِكَ، وَالْأَفْضَلُ لِلِاثْنَيْنِ أَنْ يَكُونَا بِلَا أَقْنِعَةٍ، فَالْحَقِيقِيُّ أَفْضَلُ مِنَ الْمِثَالِيِّ، «وَلَيْسَ هُنَاكَ إِنْسَانٌ كَامِلٌ».

وَفِي عَصْرِ الْحُرُوبِ وَالسِّيَاسَاتِ وَالْأَزَمَاتِ تَظْهَرُ «أَقْنِعَةُ الْخَوَنَةِ» مِنَ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، فَالْخَائِنُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخُونَ إِلَّا أَنْ يَلْبَسَ قِنَاعًا؛ يَطْعَنُ بِالظَّهْرِ، يَبِيعُ مَعِيلِيهِ وَوَطَنَهُ، يَغْدِرُ، يُظْهِرُ أَنَّهُ الْوَفِيُّ، يَحْمِلُ أَسْرَارَكَ، سَنَدُكَ، يُقْنِعُكَ أَنْ تَثِقَ بِهِ، وَحِينَمَا يَغْدِرُ بِكَ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ «الْخَائِنُ». وَهُنَا يَتَجَلَّى الْمَثَلُ: «احْذَرْ مِنْ عَدُوِّكَ مَرَّةً، وَمِنْ صَدِيقِكَ أَلْفَ مَرَّةٍ». وَقِنَاعُ «الْمَصَالِحِ الْمُشْتَرَكَةِ» كَفَرِيقٍ وَاحِدٍ، تَطْمَئِنُّ وَتَنَامُ فِي رَغَدٍ، وَهُوَ يُخَطِّطُ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ كَيْفَ يَكُونُ هُوَ أَفْضَلَ مِنْكَ، ضَارِبًا مَصْلَحَتَكَ فِي عَرْضِ الْحَائِطِ «الْجِدَارِ».

كَيْفَ تَعْرِفُ أَنَّ الْآخَرَ يَلْبَسُ «قِنَاعًا»؟ مَهْمَا كَانَ الْقِنَاعُ مُقْنِعًا مُتْقَنًا، يَتْرُكُ شُرُوخًا، وَمِنْهَا: تَنَاقُضُ وَتَضَارُبُ الْكَلَامِ مَعَ الْأَفْعَالِ، يَخْتَفِي فِي وَقْتِ تَحْتَاجُهُ، مَصْلَحَتُهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ. الْجَمِيعُ يَلْبَسُ الْأَقْنِعَةَ اجْتِمَاعِيًّا، وَلَكِنَّ قِنَاعَ «الْخَائِنِ» دَائِمِيٌّ صَعْبٌ وَمُؤَثِّرٌ.

فِي أَفْغَانِسْتَانَ اسْتَعَانَ الْجَيْشُ الْبِرِيطَانِيُّ بِرَجُلٍ «عَاصِمْ حَافِظْ»، وَهُوَ بِرِيطَانِيٌّ مِنْ أُصُولٍ بَاكِسْتَانِيَّةٍ، بَعْدَمَا تَصَاعَدَتِ الْهَجَمَاتُ عَلَى الْقُوَّاتِ الْبِرِيطَانِيَّةِ. يَحْمِلُ رُتْبَةً عَسْكَرِيَّةً، وَبِلِبَاسِهِ الْإِسْلَامِيِّ يَذْهَبُ لِلْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ. كَانَ هَدَفُهُ إِبْعَادَ النَّاسِ عَنِ الْمُقَاوَمَةِ وَإِقْنَاعَهُمْ أَنَّ قِتَالَ قُوَّاتِ النَّاتُو «فِتْنَةٌ لَا خَيْرَ فِيهَا»، وَعَلَيْهِمُ الطَّاعَةُ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ «حَامِدْ كَرْزَايْ» الَّذِي نَصَّبَتْهُ أَمْرِيكَا. وَبِخِطَابَاتِهِ الرَّنَّانَةِ أَثَّرَ عَلَى شُيُوخِ الْقَبَائِلِ، وَأَقْنَعَ بَعْضًا مِنْهُمْ بِتَرْكِ السِّلَاحِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَتَصْحِيحِ الْعَقِيدَةِ وَالِانْشِغَالِ بِالتَّوْحِيدِ بَدَلًا مِنَ الْقِتَالِ. وَكَانَ يَعْمَلُ كَمُرْشِدٍ دِينِيٍّ مُكَلَّفٍ بِتَقْدِيمِ الدَّعْمِ الرُّوحِيِّ لِلْجُنُودِ الْبِرِيطَانِيِّينَ مِنْ أُصُولٍ إِسْلَامِيَّةٍ، مُقَدِّمًا لَهُمْ فِكْرَةَ الْوَلَاءِ لِلْوَطَنِ «بِرِيطَانِيَا». وَبِهَذَا انْخَفَضَتْ عَامَ 2012م نِسْبَةُ الْمُقَاوَمَةِ إِلَى 64%، مِمَّا دَفَعَ بِرِيطَانِيَا إِلَى تَكْرِيمِهِ بِوِسَامِ «صَلِيبِ الشَّجَاعَةِ»، وَمَنْحِهِ رُتْبَةَ «الْإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ OBE» لِجُهُودِهِ فِي خِدْمَةِ بِرِيطَانِيَا. («مِنْ صَفْحَةِ صُوَرٍ مِنَ التَّارِيخِ»).

لَا شَكَّ أَنَّ عَالَمَ الْجَوَاسِيسِ وَالسِّيَاسَةِ هُوَ جَوْهَرُ «الْأَقْنِعَةِ الْمُصَنَّعَةِ»، وَمِنْهَا «أَلْدْرِيتْشْ إِيمْزْ»، ضَابِطُ CIA، فَقِنَاعُهُ «مُوَظَّفٌ مُخْلِصٌ وَطَنِيٌّ»، لِمُدَّةِ تِسْعِ سِنِينَ، وَهُوَ يَبِيعُ أَسْرَارَ أَمْرِيكَا لِلِاتِّحَادِ السُّوفِيِتِيِّ، وَغَايَتُهُ الطَّمَعُ وَالْمَادَّةُ.

«كِيمْ فِيلْبِي – بِرِيطَانِيَا» مِنْ أَشْهَرِ جَوَاسِيسِ KGB، وَكَانَ قِنَاعُهُ «النَّبِيلَ الْبِرِيطَانِيَّ»، وَصَدِيقَ الْمَلِكَةِ، وَعَمُودَ الِاسْتِخْبَارَاتِ الْبِرِيطَانِيَّةِ «MI6»، وَكَانَ يُبَلِّغُ مُوسْكُو بِكُلِّ شَيْءٍ. لَبِسَ قِنَاعَهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَانْكَشَفَ وَهَرَبَ إِلَى مُوسْكُو عَامَ 1963م، وَمَاتَ هُنَاكَ بَطَلًا عِنْدَهُمْ وَخَائِنًا عِنْدَ بِرِيطَانِيَا.

«مَاتَا هَارِي» الرَّاقِصَةُ الْجَاسُوسِيَّةُ، وَكَانَ قِنَاعُهَا «الرَّقْصَ وَالْإِغْرَاءَ وَالْعَشِيقَةَ». سَخَّرَتْ جَمَالَهَا وَإِغْرَاءَهَا وَجَاذِبِيَّتَهَا، تَسْحَبُ الْأَسْرَارَ مِنَ الضُّبَّاطِ الْأَلْمَانِ وَالْفَرَنْسِيِّينَ فِي الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الْأُولَى، وَقِنَاعُهَا جَعَلَهَا تَصِلُ إِلَى أَمَاكِنَ لَا يَصِلُهَا أَيُّ جَاسُوسٍ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُسَلَّحًا.

وَهُنَاكَ أَمْثِلَةٌ مِنْ عَالَمِ السِّيَاسَةِ وَالْقِيَادَةِ، مِثْلَ مُنَظِّرِ السِّيَاسَةِ «مَكِيَافِيلِّي». لَمْ يَلْبَسْ قِنَاعًا أَبَدًا، لَكِنَّهُ أَصْدَرَ كِتَابًا «الْأَمِيرُ»، خِلَالَهُ عَلَّمَ الْحُكَّامَ وَالرُّؤَسَاءَ كَيْفَ يَلْبَسُونَ الْأَقْنِعَةَ، وَكَانَتْ قَاعِدَتُهُ الشَّهِيرَةُ: «الْغَايَةُ تُبَرِّرُ الْوَسِيلَةَ». عَلَّمَهُمْ مَتَى يَلْبَسُونَ قِنَاعَ الْأَسَدِ، وَمَتَى يَلْبَسُونَ قِنَاعَ الثَّعْلَبِ، وَالرَّحْمَةِ وَاللُّطْفِ. كَثِيرَةٌ هِيَ الْأَقْنِعَةُ: «قِنَاعُ الْجَاسُوسِيَّةِ» وَهَدَفُهُ سَرِقَةُ الْمَعْلُومَاتِ وَالْخِدَاعُ، وَ«قِنَاعُ السِّيَاسِيِّ» وَهَدَفُهُ الْكَسْبُ وَالتَّأْثِيرُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ يُدَمِّرُكَ، وَالثَّانِيَ يَحْكُمُكَ.

يَا تُرَى، مَا هِيَ الْأَسْبَابُ الْمُهِمَّةُ «الْعَامَّةُ» الَّتِي تَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَلْبَسُ الْقِنَاعَ؟

الْخَوْفُ مِنَ الرَّفْضِ مِنَ الْأَسْبَابِ الْقَوِيَّةِ، وَالْحِمَايَةُ مِنَ الْأَذَى، وَالضَّغْطُ الِاجْتِمَاعِيُّ «الْأَهْلُ، الْعَمَلُ، الْمُجْتَمَعُ»، وَالْمَصْلَحَةُ وَالْوُصُولُ لِلْهَدَفِ، وَإِنْكَارُ الذَّاتِ، وَعَدَمُ قَبُولِ الشَّخْصِيَّةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا، وَ«تُرِيدُ أَنْ تُبَدِّلَ نُسْخَتَكَ الْأَصْلِيَّةَ»، وَالْخَوْفُ مِنَ الْوَحْدَةِ.

الْوَحِيدُ الَّذِي لَا يَلْبَسُ الْقِنَاعَ هُوَ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ، لَا يَكْذِبُ، لَكِنْ عِنْدَمَا يَكْبَرُ وَيَتَأَذَّى يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَلْبَسُ الْأَقْنِعَةَ. الْأَقْنِعَةُ تَكُونُ خَطِرَةً جِدًّا حِينَمَا تَلْبَسُهَا دَائِمًا وَتَنْسَى وَجْهَكَ الْحَقِيقِيَّ، وَحِينَمَا تَلْبَسُهَا حَتَّى تُؤْذِيَ غَيْرَكَ.

الْقِنَاعُ مَرَضٌ عِنْدَمَا تُدْمِنُ عَلَيْهِ، وَحِينَمَا تُشَخَّصُ الْحَالَةُ، لِأَنَّ جِسْمَ الْإِنْسَانِ ذَاتِيًّا وَفِكْرِيًّا وَرُوحِيًّا لَا يَتَقَبَّلُ كُلَّ غَرِيبٍ، وَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِنَّ دَاخِلَكَ مُلْتَهِبٌ. إِذَنْ، كَيْفَ نَتَخَلَّصُ مِنْهُ؟ تَعْرِفُ أَنَّكَ تَلْبَسُ قِنَاعًا غَرِيبًا عَنْكَ، وَهَذِهِ خُطْوَةٌ مُهِمَّةٌ: «الْوَعْيُ، التَّشْخِيصُ». تَسْأَلُ: مَنْ أَنَا؟ مَنْ أَكُونُ؟ مُجَرَّدُ الْوُصُولِ إِلَى هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ نِصْفَ الشِّفَاءِ حَضَرَ. ثُمَّ تَخْلَعُ الْقِنَاعَ تَدْرِيجِيًّا وَلَيْسَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَاخْتِيَارُ صَدِيقٍ مُخْلِصٍ وَثِقَةٍ وَآمِنٍ يَكُونُ لَكَ مُعَالِجًا نَفْسِيًّا. تَتَحَمَّلُ النَّتِيجَةَ، وَوَسِّعْ دَائِرَةَ الثِّقَةِ بِنَفْسِكَ عَلَى مَهَلٍ. عِنْدَمَا تَكُونُ أَنْتَ كَمَا أَنْتَ، وَتَتَخَلَّصُ مِنَ الْقِنَاعِ، رُبَّمَا يَكْرَهُكَ بَعْضُ النَّاسِ، لَكِنَّكَ سَتَرْبَحُ نَفْسَكَ، وَيَأْتِيكَ نَاسٌ جُدُدٌ يُحِبُّونَكَ «أَنْتَ كَمَا أَنْتَ».

الْقِنَاعُ الِاجْتِمَاعِيُّ، وَقِنَاعُ الْحُبِّ، وَقِنَاعُ الْخِيَانَةِ، وَقِنَاعُ السِّيَاسَةِ، وَالْعَوْدَةُ إِلَى الذَّاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ. هِيَ دَعْوَةٌ إِلَى أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ أَقْرَبَ إِلَى ذَاتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَأَقَلَّ اعْتِمَادًا عَلَى الْأَقْنِعَةِ.

لأن الْقِنَاعُ كَالْجِبْسِ، يَحْمِي الْكَسْرَ فِي الْبِدَايَةِ، لَكِنْ إِذَا ظَلَّ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ سَيُضْعِفُ الْعَظْمَ وَيَنْتَهِي.

× Zoomed Image
Scroll to Top